قصص وتحقيقات

حكايات مقيم من الدرجة الثانية.. الطفل المحتضن بين الميراث والمحارم

في ظاهرها، قد تبدو صورة كفالة أسرة لطفل يتيم في مصر، أكثر رومانسية مما هي عليها في الواقع، خاصة في ظل تدشين مبادرات عدة لدعم فكرة احتضان الأطفال الأيتام ومجهولي النسب.

تبدأ مشاكل المجتمع مع الطفل المحتضن منذ تكون الفكرة. كثير ممن يقدم أو لا يزال يفكر في احتضان طفل يتيم، يقابل رفضًا من أسرته، تتراوح حدته بين الانتقاد والاعتراض التام، وأحيانًا المقاطعة. تكشف عن ذلك قصص لنماذج روت لنا تجربتها مع احتضان أطفال.

الطفل المحتضن.. أسباب متعددة لرفض واحد

تتنوع أسباب الرفض وفقًا لخلفية كل أسرة، بل لنوع الطفل، فالأنثى ستكون مرفوضة بحجة أنها بعد سن البلوغ “لا يجوز لها الإقامة مع الأب المحتضن”، والذكر سيكون مرفوضًا لنفس السبب لكن هذه المرة من ناحية الأم الحاضنة.

هذا ما تعرضت له أسماء وزوجها صلاح، قبل 10 سنوات، عندما أرادا احتضان طفل قبل عشر سنوات. لكن أسرتيهما رفضتا قطعًا، حتى اقترح والدها كفالة رضيعة، تُرضعها قريبة من الدرجة الأولى لزوجها، لتصبح الطفلة من “محارمه”.

رفضت أسماء الاقتراح، ومضت وزوجها في قرارهما احتضان طفلة دون سيناريو الرضاعة ذاك. تعرضت وزوجها لمقاطعة الأسرتين، والحرمان من الميراث. يحكي صلاح: “برر أخي حرماني من الميراث بأن العائلة ترفض أن تذهب أموالهم في النهاية لطفلة مجهولة النسب”.

التفسير الديني حاضر في خطاب الرفض لاحتضان الأطفال اليتامى أو مجهولي النسب، لكن أيضًا خطاب المال والميراث والتعزّي بالنسب، يحسم المسألة في كثير من الأحيان.

على كل، لا يُجيز الشرع في الإسلام ميراث الطفل المحتضن، لأن التبني بالنسب والميراث محرم في الإسلام وفقًا لعلي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية. لكنه يجيز الوصية بالثلث من التركة.

ويختلف التعامل في قضية احتضان الأطفال في بعض النماذج، من ذلك ما حدث مع ابنة الأديب يحيى الطاهر عبدالله.

رحل يحيى الطاهر عبدالله أبريل 1981 في حادث سيارة، ليترك طفلتين وتصاب والدتهما بصدمة كبيرة بسبب فقدان الزوج وقبله بفترة فقدان ابنها. رحيل الطاهر عبدالله في عمر مبكر، وبشكل مفاجئ، دفع صديقته المخرجة التسجيلية عطيات الأبنودي، زوجة عبدالرحمن الأبنودي، لتذهب إلى بيته وتجمع أعماله وتبدأ في توثيقها مباشرة بعد أيام من رحيله.

وجدت عطيات في بيت الراحل يحيى، طفلة متعلقة بها وترفض تركها، إنها أسماء الطاهر عبدالله. تساءلت عطيات: “ينفع أخدها تعيش معايا؟”، جاء الجواب بنفس تلقائية السؤال: “ينفع”. انتقلت أسماء، ذات الخمس سنوات آنذاك، لتعيش مع عطيات الأبنودي.

أسماء
أسماء يحيى الطاهرة عبدالله (مونت كارلو)

لم تشعر أسماء أنها انتقلت إلى عالم مغاير عن عالمها بعد احتضان عطيات لها.. تُعلق: “كنت مرتبطة بوالدي يحيى الطاهر منذ الصغر أكثر من ارتباطي بالمنزل. كثيرًا ما كنت أحضر معه الأمسيات الشعرية وكل اللقاءات المتعلقة بالوسط الثقافي. كان انتقالي للعيش مع ماما عطيات مقارب إلى حد كبير لما اعتدتُه مع والدي، فلم أشعر بالغربة، بل شعرت بالاهتمام والعناية الكبيرة، خاصة أن أغلب أصدقاء والدي كانوا أصدقاء مشتركين لها”.

“الاختيار الحر”

تعرف أسماء تجربتها بـ”الاختيار الحر”. اختارت عطيات أمًا محتضِنة لها، واختارتها عطيات ابنة محتضَنة لها. وعلى هذا الأساس تعامل المحيط بهما.

عن ذلك تقول أسماء لـ”ذات مصر”: “قد أكون محظوظة بالدوائر المحيطة بي منذ الصغر، من أناس مثقفين وواعين، فبالتالي كان هناك تقبل لقصتي”.

“شجاعة” عطيات أيضًا، كما تصفها أسماء، حمتها من التعرض لأي مضايقة: “كانت تحكي القصة بفخر، وشجاعة. عندما كبرت أخذت منها هذه الشجاعة في رواية قصتي”.

لكن حرية الاختيار هذه لا تعني دائمًا تفهّم المحيطين، لذا قد يلجأ البعض إلى كتمان الأمر، كما حدث مع هالة (اسم مستعار لفتاة جامعية)، سردت لي حكاية احتضانها: “أهلي تكفلوني وأنا عندي ثلاثة أشهر، ولما وصلت لأولى ابتدائي قالوا لي إن أسرتي التي أنجبتني هم أقاربهم، وماتوا في حادثة”.

عرفت هالة لاحقًا أن أهلها الحاضنين كذبوا عليها بنصيحة من وزارة التضامن: “حفاظًا على نفسية الطفلة”. لكنها تضررت نفسيًا: “دفعني ذلك لمشاعر أكثر تعقيدًا. حزنت لوفاة والديّ”.

لم تتعرض هالة لأي مضايقات في المدرسة، لأن احتضانها كان سرًا لم يُفصح عنه خارج العائلة. حين كانت تُسأل عن سبب اختلاف اسم والدها في شهادة الميلاد عن الاسم الذي يتعامل به مع إدارة المدرسة، كانت تبرر بأن للأب اسمين.

اقرأ أيضًا: بحثًا عن ملابس آمنة لأطفالك: لا يزال القطن صديقًا

تفهم هالة الآن أن كتمان الأمر ربما كان مبرره لدى الأهل هو حمايتها من التعرض للمضايقة، لكنها، مع الوقت، لم تستطع تحمل الصمت فترة أطول. عرضها كشف السر لبعض المواقف التي توقفت عندها. تتذكر ما قالته إحدى صديقاتها ذات مرة: “إزاي بتطلبي فلوس من أهلك؟! لو مكانك أتكسف”.

عندما تقرر أسرة مكونة من زوج وزوجة كفالة طفل، تصبح مسؤولية القرار مشتركة بينهما. يتقاسمان معا التحديات والعقبات التي قد تواجههما من الأهل أو أي منتقد. وبالطبع بعد الاحتضان تكون مسؤولية الطفل تشاركية فيما بينهما.

لذلك عندما يقرر شخص بمفرده الكفالة يختلف الوضع، كما يختلف عندما يكون الاحتضان من امرأة غير متزوجة. هذا مدخل حكاية هويدا (40 عامًا)، التي اتخذت قرار احتضان طفل حين كانت متزوجة، بعد أن اكتشفت عدم مقدرة زوجها على الإنجاب.

كفالة الأطفال
يشهد تعامل المجتمع حاليًا مع احتضان الأطفال تغييرًا تدريجيًا (Getty)

رفض الزوج قرار هويدا، وبعد فترة انفصل عنها.. مع ذلك، لم تقدم هويدا على الزواج مجددًا، وفضلت المضي قدمًا في قرار احتضان طفل.

“كنت في معركة مع أهلي. ولم تكن شروط وزارة التضامن الاجتماعي حينها في صالحي”، عندئذ لجأت هويدا إلى إحدى دور رعاية الأيتام، وهناك تعلقت بفتاة في الخامسة من عمرها، وبذلت كل الجهد لكفالتها. وقد كان، وعاشت الطفلة هناء مع أمها المحتضِنة هويدا، ووالدتها التي كانت رافضة للأمر في البداية”.

صعاب كثيرة واجهتها هويدا بمفردها مع ابنتها المحتضنة هناء، يظل أكبرها حين ارتبطت هناء بزميل لها في الجامعة، وحين أراد خطبتها رفض أهله لسببين: أنها فتاة محتضنة، وأن الحاضنة امرأة مطلقة.

تغيير مرتقب

يشهد تعامل المجتمع حاليًا مع فكرة الاحتضان تغييرًا تدريجيًا، تعمل مبادرات توعوية تطوعية على تعزيزه.

تتفاعل هالة متطوعةً مع عدد من هذه المبادرات، بمشاركة قصتها للأسر الجدد في الاحتضان. التجربة قد تصنع وعيًا متراكمًا..

تشير هالة إلى وجود حالة من التعاطف مع الأطفال الأيتام، تترجم في كثير من الأحيان بخطاب سلبي. تروي لنا بوست على فيسبوك لسيدة تقترح، من باب التعاطف، أن تجمع كل أسرة عددًا من الأيتام على سطح بيتها و”يطلعوا ليهم من وقت للتاني بأكل وشرب”. تعلق هالة: “ممكن نشوف ده رأي وخلاص. لكن أعتقد ده رأي بيعبر عن وجهة نظر قطاع كبير من الناس”.

وتعتبر مبادرة “الاحتضان في مصر” من أبرز المبادرات الداعمة لفكرة كفالة الأطفال وصاحبتها هي السيدة يمنى دحروج، مصرية مقيمة في الإمارات وهي أيضًا أم كافلة لابنتها -ليلى- أسست يمنى المبادرة في 2018 بعد تجربتها الشخصية مع الكفالة.

هدف المبادرة الأساسي هو توعية المجتمع بماهية الكفالة وشروطها وتقديم الدعم المعرفي للأسر المقبلة على الاحتضان، وتكوين شبكة تواصل فيما بينها للمساعدة في طرق التعامل مع الأطفال المحتضنَة، فتقول: “هدفي أن يكون للأولاد بيوت دافئة ومجتمع يتقبلهم. أنا ابنتي منهم، مهم لي أن تعيش في مجتمع يحترمها حين تقول إن أسرتي كافلة لي، وهذا لن يحصل بيوم وليلة”.

ندى جمال

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى