"الظاهر بيبرس"

حين تتغافل الشعوب عن التفاصيل

ربما لا يعرف كثيرون أن “القدس” التي حررها “صلاح الدين”، عادت إلى أحضان الصليبيين من جديد دون أن تذرف قطرة دم واحدة في خلافة أبنائه حين أهدى “الكامل الأيوبي” مفاتيح المدينة إلى الإمبراطور “فريدريك الثاني” من جديد، لتبقى تحت حكم الصليبيين إلى أن استردها “الصالح نجم الدين” آخر خلفاء بني أيوب.

وقد سيّرت أوروبا حملة جديدة للاستيلاء عليها، راسل البابا خلال التحضير لها خان المغول يعرض عليه مشروعًا لمحاربة العالم الإسلامي من الجهتين الشرقية والشمالية من أجل إبادة المسلمين بالكلية. ولأن البابا كان يعلم طبيعة هؤلاء المقاتلين الأجلاف القادمين من البوادي والسهول، أوفد الهدايا ومئات الأوروبيات من أجل إغواء المغول بالخليلات والعشيقات, لكنّ هذه المحاولات فشلت أمام إصرار الخان على خضوع البابا والأوروبيين ودفع الجزية السنوية له.

فشل الحلف إذن، فوجَّه كلٌّ منهما قواته منفردًا إلى العالم الإسلامي، فكانت الحملة الصليبية السابعة سنة 1249م-647هـ، وجرّد المغول حملاتهم التي اجتاحت العالم الإسلامي حتى كانت محطتهم الفاصلة في عين جالوت الشهيرة في الثالث من سبتمبر 1260م.

كان أكثر ما ميّز المعركتين هو بروز قوة جديدة من الفرسان العبيد عُرفوا بالمماليك، وإذا كان اسم الظاهر “بيبرس” لم يلمع في المعركة الأولى وسط كوكبة من كبار المماليك، فقد كان الاسم الأبرز والأهم في المعركة الثانية إلى جانب “المظفر قطز”، ثم ما لبث أن صار القائد الأوحد، والسلطان الأعظم على ظهر الأرض.

لم يكن المماليك العبيد اللقطاء المجلوبون من أصقاع الأرض أصحابَ مشروعية سياسية في اعتلاء السلطة وبناء دولتهم، وإنما استمدّوا مشروعيتهم من قدرتهم كفرسان مدربين على مواجهة فرسان الداوية الصليبيين الشرسين. ولم تكن هنالك مشروعية كذلك لـ”بيبرس” المملوك الذي وُلد في (كبجاق) عام 620 هجرية، وجلبه أحد تجار الرقيق ليباع في دمشق، وأحضره السلطان “الصالح نجم الدين أيوب” في مصر لينضم لطائفة المماليك البحرية.

وأية مشروعية يمكن أن يستند إليها قاتل “المظفر قطز” سوى مشروعية ما عُرف بـ”قانون الترك”، العرف السائد بين المماليك بأن يعتلي قاتل الملك أو السلطان مكانه في الحكم!

الملفت أن قانون الترك هذا هو ما جعل بعض المؤرخين المقربين من “الظاهر بيبرس”، مثل “محيي الدين بن عبدالظاهر” المولود في سنة ميلاد “بيبرس” نفسها، يصرون على حصر مهمة قتل “قطز” في “بيبرس” منفردًا، لأن قتله منفردًا يمنحه وحده مشروعية أخذ موضعه بالحكم، بينما يسوق بعض المؤرخين المعاصرين مثل “شافع بن علي” أسماء عدد من أمراء المماليك الذين شاركوه عملية الاغتيال.

وأيًّا كان الأمر فـ”بيبرس” كان يدرك أن قتله السلطان الذي رفع راية الإسلام وحمى دياره في عين جالوت، على الأقل من وجهة النظر العابرة التي لم تعرف حقيقة البطولة الحقيقية لـ”بيبرس” في هذه المعركة، سيبقى حاجزًا بينه وبين جماهير المسلمين، وقد جعل من سنوات حكمه التالية محاولة جديرة بإثبات حقه في اعتلاء عرش ديار الإسلام، فهل تكون إنجازاته كفيلة بأن تمحو ما استُهجن من سيرته؟

"بيبرس" صاحب الأحلام والأهداف الكبرى

يغلب على ظنّي أن “قطز” لم يكن بالنسبة لـ”بيبرس” سوى عقبة تؤجل أحلامه الكبرى في تحقيق مجده الشخصي، أو مشروعه الخاص للعالم الإسلامي في واحدة من أحرج لحظات التاريخ، وهو ما سيُثبته “بيبرس” سريعًا. فلم تمضِ سوى سنوات حتى صار زعيم العالم الإسلامي الأوحد، وحامي ديار الإسلام، بعدما أعلن إحياء الخلافة الإسلامية في القاهرة بعد سقوطها في بغداد على يد “هولاكو” عام 659ه، وقضى على آخر معاقل الإسماعيلية وطائفة الحشاشين التي احترفت اغتيال زعماء المسلمين، وتوسّع في بناء المساجد والجوامع، وأعاد الحياة إلى الأزهر الشريف ليكون معقلًا للإسلام السني عام 672ه بعدما أغلقه “صلاح الدين” ضمن خطة للقضاء على بقايا المذهب الشيعي في مصر.

من ناحية أخرى، كانت سلطنة “بيبرس” تمثل مرحلة حاسمة في الصراع الإسلامي من ناحية، والصليبي والمغولي من ناحية أخرى، فقد قضى “بيبرس” على بقايا فلول المغول في العراق والشام، ثم قضى وبشكل نهائي على الوجود الصليبي في بلاد المشرق الإسلامي.

كان الوجود الصليبي في ديار الإسلام متمثلًا في شريط ساحلي ممتد على البحر المتوسط يربط ما بين إمارات طرابلس وأنطاكية وعكا التي صارت مملكتهم بعد استرداد المسلمين للقدس، وقد تبنى “بيبرس” استراتيجية مختلفة بهدم كل قلاع الصليبيين التي يتمكّن منها بحيث لا يدع فرصة لإعادة تجمعهم.

يخبرنا المؤرخون أن السلطان “الظاهر بيبرس” كان يشارك في هدم القلاع بيديه ممسكًا بمطرقة، وأنه كثيرًا ما تخفّى في زي التجار لزيارة تلك المدن سرًّا في سبيل دراسة تحصيناتها ونقاط ضعفها قبيل الانقضاض عليها، كما شارك الثيران في جر المجانيق أمام أسوار وتحصينات الصليبيين. لم يكن ينقص “بيبرس” من الشجاعة والتهور في سبيل تحقيق أهدافه شيء.

في عام 1271 ميلادية وقف “بيبرس” عند أسوار طرابلس، وكان بها “بيهمند” أمير أنطاكية متحصنًا، فانصرف عن طرابلس واتجه صوب أنطاكية التي هاجمها ست مرات من قبل، فلم تصمد المدينة التي استعصت على جميع ملوك المسلمين مائة وسبعين عامًا أكثر من أربعة أيام، بعدها أرسل “بيبرس” إلى “بيهمند” يُعلمه باستيلائه على أنطاكية.

كتب “بيبرس”: عندما غادرناك في طرابلس توجهنا صوب أنطاكية، ووصلناها في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، وقد خرج عساكرك ليقاتلونا، لكنهم غُلبوا لأنهم وإن كانوا يؤيد بعضهم بعضًا فإنهم ينقصهم التأييد من الله، ولو أنّك رأيت خيّالتك تحت سنابك خيلنا، وقصورك تنهب، ونساءك يُبعن في أنحاء المدينة فنشتري الواحدة منهن بدينار واحد مأخوذ من مالك الخاص على أية حال، ولو كنت بالمدينة لكنت اليوم قتيلًا أو جريحًا أو أسيرًا، وقد يكون الله جنّبك ذلك لتخضع وتطيع”.

السِّيَر ضمير الشعوب

كانت بطولات “بيبرس” العظيمة، ودوره في العديد من القضايا المصيرية للمسلمين، في واحدة من أحرج لحظات التاريخ الإسلامي وأكثرها خطرًا؛ كفيلة بأن تجعل منه مادة ثرية لكُتّاب السير والمؤرخين فكتب (محيي الدين بن عبدالظاهر – 620ه) “الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر”، واختصرها من بعده، و(شافع بن علي – 649ه) في “المناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية”، وألّف (عز الدين بن شداد – 684ه) “تاريخ الملك الظاهر” بعد وفاته، يروون فيها فصولًا من فضله وبطولته وشغفه بالانتصار لصالح المسلمين.

لكنّ الأهم هو ما تحصّل عليه “بيبرس” من تكريم الجماهير، بحيث بات “الظاهر بيبرس” كما يقول “جمال الغيطاني”: “الحاكم الوحيد في تاريخ مصر منذ الفتح العربي وحتى العصر الحديث الذي تحول في وجدان الشعب إلى بطل شعبي، أسطوري، وهذا أمر نادر الحدوث في تاريخنا، إذ كانت العلاقة بين الشعب وحكامه شديدة التعقيد”.

والمدقِّق في نصوص السيرة “الظاهرية” يتبين له أنها كُتبت على مدار قرون منذ وفاة “الظاهر بيبرس” وحتى العصر العثماني، وعبر أجيال متعاقبة من الرواة والحكّائين الذين اكتسبوا قدرة خاصة على جذب الجماهير وتسليتهم بحكايات تمتزج فيها الحقيقة بالخيال.

ومن الملفت تجاوز الرواة عن هناته وزلاته، فلم يذكروا وقائع اشتراكه في اغتيال “قطز”، بل لم يبقَ سوى ذلك البطل الأسطوري المقدام حامي ديار المسلمين على الرغم من أن هذه السيرة الغارقة في التفاصيل قد وصلت بعضُ أوراقها إلى ما يربو على الثلاثين ألف ورقة في نسختها الشامية، وهو ما يؤكد قدرة الشعوب على المغفرة وتجاهل التفاصيل في سبيل تحقيق أهدافها وطموحاتها الكبرى.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

بلال مؤمن

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram