“العدو الحليف”.. مفارقات صادمة على هامش التاريخ الإسلامي

مصطفى علي

كاتب مصري

ما إن قامت دولة المسلمين على أكتاف مقاتلي صحراء الجزيرة العربية، حتى حمل الخلفاء المسلمون على أعناقهم مهمة توسعة رقعة الدولة البازغة آنذاك، وما بين جيلين أو 3 من الفاتحين قوضت أركان أعظم الإمبراطوريات التي زاحمت أطرافها، الفرس والروم، وقد استمرت تلك الرغبة التوسعية فيمن تبعهم من خلفاء وحكام الأمويين والعباسيين، سواء أتمثلت دوافعهم في رفع راية الدين الإسلامي ونشر رسالته، أم توسيع رقعة ملكهم وإقامة إمبراطوريتهم الخاصة، مؤكدين قيام منطقة نفوذ عربية إسلامية امتدت حدودها إلى أوروبا والهند والصين.

وأيا ما كانت حقيقة تلك الدوافع فقد ترك الجهد غير المنكر في توسيع رقعة العالم الإسلامي، ومد حدوده ونشر رسالته تصورًا إيجابيًّا مثاليًّا تجاه القائمين عليه، سرعان ما أفضى مع مرور الوقت إلى فرض هالة من القداسة الدينية على أحداث ووقائع تاريخية بالأساس، غير أن تأمل وقائع التاريخ وتتبع أحداثه كفيلة بأن تضع الأمور إلى نصابها وأن تنزل بما هو مثالي من عليائه ليحل محله في التاريخ الإنساني.

في هذا السياق يمكننا أن نتتبع عددًا من الوقائع التاريخية التي تثير الدهشة بعدما أربكت خرائط الولاءات وأسقطت مسلمات الأولويات، فيقتتل الإخوة ويتحالف الأعداء، فما إن انقضى عهد الخلفاء الراشدين، ورفعت رايات الملك العضود حتى أججت، جيل بعد جيل، جملة من الأسباب الإقليمية والاستراتيجية والسياسية، صراعات داخلية بين صفوف الأمة، وكان التكفير، في كثير من الأحيان، هو السلاح المشهر لتجييش وتعبئة الإخوة في وجوه بعضهم، يمكننا أن نتعرض لبعض المحطات التاريخية التي استظهر فيها المسلمون بأعدائهم بعضهم في وجه بعض.

شارلمان حليف العباسيين

فر الأمير “الأموي” عبد الرحمن الداخل من قبضة الخليفة العباسي أبو منصور السفاح  إلى الأندلس، وبعد طول كفاح من المواءمات والتحالفات السياسية مع بقايا الأمويين وأعداء العباسيين دانت له قرطبة، ليحيي خلافة بني أمية من جديد بإقامة دولة مسلمة مستقلة عن مركزية الدولة العباسية في الكوفة ثم في بغداد، وفي عام 778 ميلادية، ثار زعماء العرب الموالون للعباسيين في شمال شرق الأندلس على حكم عبد الرحمن الداخل.. تعددت أطراف المؤامرة بقيادة سليمان الأعرابي حاكم برشلونة وجيرونا.

كان الداخل قد نجح في إحباط كل محاولة تجري من قبل الخليفة العباسي المنصور للقضاء على دولة الأمويين الوليدة في الأندلس، لكن ما إن جاء عهد الخليفة المهدي العباسي (158 ـ 169 هـ/ 755 ـ 785 م)، الذي كان لا يقل طموحًا عن المنصور في ضم الأندلس تحت لوائه، حتى تجددت الآمال.

على الجانب الآخر كان الملك شارلمان، الجار الذي يراقب تلك الأمور عن كثب، يطمع في استعادة إسبانيا المسيحية، التي أسماها المسلمون بعد إحكام سيطرتهم عليها بـ”الأندلس”، وضمِّها إلى الإمبراطورية الكارولنجية، وما إن استنجد به سليمان الأعرابي، حتى سارع شارلمان بالزحف بجيشه ليلتحق بجيش المسلمين العباسيين إلى مدينة سرقسطة 778 ميلاديا، لكن الأمور لم تكن كما تمنى كلا الفريقين، فقد ذاقا مرارة الهزيمة على يد حاكم قرطبة بمعية جيش من سكان الجبال والبرابرة.

لم تكن تلك النهاية، فشارلمان الذي مُني بالهزيمة أعاد فتح قنوات الاتصال والسفارات بينه وبين العباسيين، وما بين عامي 798 و801 ميلاديًّا، استقبل الخليفة العباسي هارون الرشيد في بلاطه سفراء شارلمان، في مباحثات الغرض منها أن يعهد الرشيد إلى شارلمان برعاية مصالح العباسيين فيما يفتحه من بلاد الأندلس، وأن يواصل شارلمان إثارة الأحزاب العباسية على الأطراف الأموية في دولة الأندلس.

كان الطرفان مجتمعين على كلمة واحدة، فعبد الرحمن الداخل الأموي العدو الأزلي للعباسيين، هو الذي اقتطع الأندلس من مملكة شارلمان، وقد ظل التحالف الكارولينجي (المسيحي) العباسي (المسلم) في وجه الأمويين (المسلمين) بالأندلس قائمًا حتى عهد الخليفة المأمون والملك لويس، ولكن الفتن الداخلية في دولة لويس وضعت حدًا للاهتمام بمواصلة إثارة القلاقل والهجوم على الدولة الأموية بالأندلس.

“الكامل” وإهداء القدس للصليبيين

توفى صلاح الدين الأيوبي بعد أن شكل الحلقة الأهم في التصدي للوجود الصليبي في المنطقة العربية، تاركًا وراءه دولة متسعة الأركان ومقسمة بين خلفائه، يتناحر ملوكها الإخوة والأقارب في ما بينهم، ولكن الحدث الغريب في خضم ذلك الصراع، كان تسليم أحد أبنائه مفاتيح مدينة القدس، التي ذرف المسلمون الدماء في سبيل استعادتها إلى أحد الملوك الصليبيين، دون أن تسيل قطرة دم واحدة.

كان فريدريك الثاني ذلك الرجل الذي شرب علوم المشرق ومعارفه في صقلية، وأجاد الحديث بالعربية، وكثيرًا ما تناقش مع صديقه الكامل  في مراسلاتهما حول الكثير من الأمور، مثل منطق أرسطو، وتربية الحيوانات، قد رأى فيها صيغة تحميه من ذلك التهديد البابوي المستمر بالحرمان الكنسي، ما يشكل تهديدًا لحكمه.

في حين رأى الملك الكامل الأيوبي (ابن صلاح الدين) في الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، المهدد بالحرمان الكنسي في حالة إصراره على التقاعس عن قيادة الحملة الصليبية السادسة، رجلاً مستنيرًا، يستطيعان معًا أن يضعا حدًّا للحروب الدينية الممتدة دون جدوى، فلم يجد بأسًا في أن يحكم فريدريك مملكة بيت المقدس الصليبية في صيغة علمانية تتيح لجميع الأديان زيارتها والتعايش في رحابها، كما لم تكن المدينة المقدسة ملكًا له، وإنما لأخيه ومنافسه “المعظم عيسى” والذي كان على خلاف معه.

 رأى الكامل أن احتلال صديقه فريدريك لفلسطين، يمكن أن يساعده على إقامة منطقة تعزله عن مشاريع المعظم، وعلى المدى الطويل فتلك المملكة تقدر أن تحول بفعالية بين مملكته في مصر وشعوب آسيا المتناحرة، التي كان خطرها يلوح في الأفق.

لم تكن القدس في نظر الكامل قضية سياسية وعسكرية، أما المظهر الديني فيها فليس الهدف منه أكثر من  خلق مشروعيات سياسية وإثارة للرأي العام، أما فريدريك فلم يكن يرغب في أكثر من تدعيم موقفه في الصراع البابوي الذي كان قد “حُرم” بسببه عقابًا لتلكئه في شن الحملة السادسة، إلا أن موت المعظم عكر صفو تلك الصداقة، فقد خلف دولته لابنه الغر “الناصر” فراودت الكامل فكرة أن يستولي بنفسه على دمشق وفلسطين، أما فريدريك، الذي قدم إلى الشرق بـ3 آلاف فارس لعلمه أن تسليم المدينة ليس إلا مظهرًا شكليًّا لا يحتاج إلى كثير من الجنود، فقد وجد نفسه محرجًا، فتوسل إلى صديقه قائلاً: “إني صديقك، وأنت الذي حرّضني على المجئ، والبابا وجميع ملوك الغرب على علم بمهمتي، وإذا عدت صفر اليدين فقدت كل اعتبار”.

ورد الكامل: “عليّ أنا أيضًا أن أقيم حسابًا لرأي المسلمين، فتسليمي القدس إليك يجر على نفسي محاسبة الخليفة وإعلان عصياني الديني والإطاحة بعرشي، لن يقبل الشعب أبدًا بتسليم القدس التي فتحها صلاح الدين فتحًا مبينًا دون قتال، وإذا كان الاتفاق على المدينة المقدسة من شأنه تجنبينا حربًا دامية”.

 وهنا أدرك فريدريك ما يرمي إليه صديقه، إنها حرب شكلية وبلا شك.

أذاع الكامل في البلاد قدوم الحملة الصليبية، وأمر بالاستعداد لحرب طويلة وقاسية، حرب لم تطل إلا بضعة أسابيع، ودون أي قتال، تم الاتفاق على أن:

يحصل فريدريك على القدس وممر بحري، وبيت لحم والناصرة ونواحي صيدا، وقلعة في شرق صور.

ويحتفظ المسلمون بوجودهم في قطاع الحرم الشريف، حيث محارمهم الرئيسة، وأبرمت المعاهدة في فبراير/ شباط من عام 1229 ميلاديًّا.

وبينما كان الكامل يسلم القدس إلى فريدريك، كان الجيش المصري يحاصر دمشق لاغتصاب عرش الناصر، وتوحيد الدولة في يد السلطان الكامل، وهذا ما حدث، وبعد سنوات من ذلك سيعود الناصر الذي عده الرأي العام ثائرًا للعروبة والإسلام، للتحالف مع الإفرنج في وجه أبناء عمه الكامل، ليحصل على دمشق، وقدم لهم اعترافًا رسميًّا عام 1243 م. بحقهم في القدس، وسحب رجال الدين المسلمين من الحرم الشريف.

الشاه إسماعيل: محاولات فاشلة دائمًا

لم يكن الصراع الصفوي العثماني صراعًا مذهبيًّا، ولم تتعد المذهبية لكونها وقود المعركة، فقد حكمت سنوات تلك الحرب مجموعة عوامل إستراتيجية واقتصادية ودولية، تمثلت في العامل الإستراتيجي الذي يؤمّن امتداد نطاق الدولة وجغرافيتها السياسية، وطرق المواصلات التي تتيح لها ممارسة سوقها واقتصادها بحرية، وكان هذا أمرًا هامًّا، لأنه تزامن مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح والعالم الجديد، وثالث العوامل كان في ثورة الأسعار التي عاناها الشرق الإسلامي كنتيجة لتدفق الذهب والفضة وانفتاح أسواقه على السلع الأوروبية.

ولهذا نجد أن مراكز هذا الصراع كانت في مناطق الأناضول الشرقي (أرضروم-تبريز)، وعلى العراق (الموصل- بغداد) وهي منطقة للتجار تؤدي لإسطنبول والبحر وأرمينيا وديار بكر وبغداد والبصرة والخليج وعدة من الطرق المتفرعة تؤدي لحلب والإسكندرون، وشكلت هذه الطرق محور تجارة الحرير الإيراني الشهير بأوروبا.

عندما اعتلى الشاه إسماعيل الأول عرش إيران، كانت البندقية سقطت أمام العثمانيين، ووقعت معها معاهدات سلام، ولكن الشاه بدوره عمل على إحياء العلاقة مع البندقية بهدف الوقوف في وجه العثمانيين، وعرض عليهم أن يهاجموا العثمانيين من الغرب، على أن يهاجمهم هو شرقًا، ومن ذلك تسترد البندقية قواعدها في اليونان وجزر الأرخبيل، ولكن انشغال البنادقة بصراعهم مع البابوية وحلفائها، وارتباطهم بمعاهدات السلم مع العثمانيين، أفشلت كل محاولة للتقارب بينهم.

وفي أعقاب فقدانه لولايات دولته الغربية لصالح العثمانيين في أيام سليم الأول، توجه إسماعيل للقوى الأوروبية المعادية للعثمانيين، كانت المجر هي وجهته الأولى، بصفتها خط الدفاع الدائم عن القارة الأوروبية في وجه العثمانيين، وإسبانيا، وأرسل في عام 1523 رسالتين، إلى لويس الثاني ملك المجر، وشارل الخامس ملك إسبانيا، مضمونهما عقد معاهدة صداقة تعينه على مواجهة الأتراك، لم يبد شارل الخامس تلك المرة رفضًا، وأرسل رسالة جوابية تفيد موافقته، ولكن حين وصل الرسول الإسباني كان الشاه إسماعيل الأول قد توفي بالفعل.

لقد عرفت مباحثات الشاه وأوروبا فشلاً دائمًا، يعزيه غالب المؤرخين إلى صعوبة المواصلات، وإلى أن سفراء الطرفين في كثير من المرات كان يقعون أسرى في أيدي العثمانيين أو يُعدمون. لم تكن طرق البراجماتية مُعبَّدة دائمًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram