زوايامختارات

العرب في نيوزيلندا.. جاسيندا أرديرن “واحدة”.. لا تكفي!

 

قبل 17 عامًا، سافر المهندس المصري، خالد عيد، إلى نيوزيلاندا للعمل، بعد تعاقده رسميًّا مع إحدى شركات الهندسة والإنشاءات. حينها كانت ثقافة الهجرة غير شائعة في مصر، بالمقارنة مع دول الشام العربي والعراق، فغالبًا ما تكون طلبات الهجرة واللجوء مرهونة بظروف سياسية للدول أو اضطهاد أفراد، وهو وضع لم يكن ينطبق على الحالة المصرية على مدى عقود طويلة.

عمل “عيد” في نيوزيلندا 5 أعوام، حصل فيها على الجنسية، قبل أن ينتقل للعيش في دبي بعد تعاقده مع شركة إنشاءات في الإمارات، ثم عاد إلى مصر لعدة سنوات، ليعود مرةً أخرى إلى نيوزيلندا في عام 2015 وحتى الآن، حيث استقر مع زوجته وأسرته لارتباط أبنائه بالدراسة في مراحل تعليمية مختلفة هناك.

الفارق الزمني بين الإقامة الأولى والثانية في نيوزيلندا، ليس كبيرًا، لكن ثقافة المجتمع هناك شهدت تغيرًا كبيرًا، وتحديدًا في ما يتعلق بنظرة المجتمع كشعب وحكومة للعرب واللاجئين والمسلمين، خاصة بعد فوز جاسيندا أردرين برئاسة الوزراء، بأغلبية ساحقة قبل أيام.

موقع نيوزيلندا

يروي عيد، لـ”ذات مصر” كيف تأثرت حياته كعربي مسلم في تلك الجزيرة الصغيرة الواقعة غرب المحيط الهادي، بعد عام واحد من مذبحة مسجدي كرايستشيرش في نيوزيلندا، والتي أودت بحياة 50 مُصلِّيًا مسلمًا، في واحدة من أقسى الأحداث وأكثرها دموية التي مرت بها البلاد في تاريخها الحديث، وكيف أثّر تعامل جاسيندا أرديرن في تغيير رؤية المجتمع تجاه الإسلام والمسلمين.

في الفترة الأولى لإقامة عيد، في نيوزيلندا، كان جون كي، المنتمي للحزب الوطني، هو رئيس الوزراء آنذاك، ويصفه عيد بـ”الرجل الرأسمالي الذي بنى برنامجه الانتخابي على النهوض بالاقتصاد خلال الأزمة العالمية، في مواجه منافسه من حزب العمال الذي تنتمي إليه جاسيندا أرديرن.”

لم يكن في الفترة التي سبقت مرحلة الربيع العربي، عداء واضح تجاه العرب واللاجئين، فالشعب النيوزيلندي بطبعه “مسالم”، بحسب عيد، وكانت طلبات الهجرة لا تدقق في تفاصيل طالب الهجرة، وخاصة من الدول التي تشهد استقرارًا سياسيًّا واقتصاديًّا مثل مصر، بخلاف طلبات اللجوء التي تخضع لاشتراطات وآليات مختلفة.

ولقلة عدد المصريين في نيوزيلندا، كان المتعاملون مع عيد يعتبرونه هندي الجنسية أو من بلاد شرق آسيا، لاختلاف ملامحه عن بقية العرب من العراق والشام تحديدًا. ولم يتعرض لمضايقات أو مواقف عنصرية مباشرة، خاصة وأن القنوانين في نيوزيلندا صارمة للغاية في قضايا العنصرية والتمييز والتنمر.

جاسيندا خلال تأبين ضحايا مذبحة مسجد النور

تعصب تجاه العرب والمسلمين

لكن هذا الوضع اختلف كثيرًا بعد مرحلة الربيع العربي، والأحداث الإرهابية التي شهدتها دول أوروبية، فأصبح الشعب متربصًا لكل من هو “غير أبيض” (أوروبي أو أمريكي). وزاد التعصب تجاه العرب والمسلمين في التعاملات اليومية والحياتية، وتفاصيل اليوم اليوم الواحد اختلفت على عيد وأسرته.

بدأ التعصب الخفي في الظهور شيئًا فشيئًا، أبسط شيء يمكن الرد عليه على موقع فيسبوك بــ: “عُد إلى بلدك. وماذا تفعل هنا؟” بحسب عيد، الذي تابع حديثه: “في يوم من الأيام، كلفني مديري النيوزلندي بالذهاب لمعاينة مشروع منزل بدلاً عنه. وفوجئت بصاحب المنزل يرفض استقبالي لأنني عربي ومسلم”.

مواقف أخرى تعرضت لها زوجة عيد، لأنها محجبة، مثل أن يشدّ أحد المارة حجابها، أو يرفض دخولها مكانا عامًّا أو مصلحة، أو يلوح لها أحدهم بإشارات بذيئة، كما تعرض أبناؤه في مراحل تعليمية متقدمة لمضايقات وتنمر أو حتى تهميش، لم تكن موجودة في مراحل التعليم الأولية، حيث جميع الأطفال سواء.

هذه المواقف الاستفزازية التي تزيد بفجاجاة في أوقات الهجمات الإرهابية في أي بلد أوروبي، وخاصة إنجلترا، أصبح عيد وأسرته مطالبون أن يتعاملوا معها بدبلوماسية ومرونة، حرصًا على عدم تفاقم الأمور.

تأثير جاسيندا أرديرن

لكن تعامل رئيس الوزراء النيوزيلندية الحالية، جاسيندا أرديرن -التي حققت فوزًا ساحقًا وغير مسبوق في بلادها في 16 أكتوبر/تشرين الاول الحالي، بفوز حزب العمل بزعامتها بنسبة 49٪ من الأصوات، وحصوله على على 64 مقعدًا في البرلمان، بأغلبية كاسحة-  مع أهالي ضحايا مذبحة مسجدي كرايستشيرش في نيوزيلندا، كان له أثر كبير في تغيير نظرة المجتمع والشعب النيوزلندي تجاه العرب والمسلمين.

تضامنها مع المسلمين في حادث المسجدين، واتشاحها بالحجاب الأسود في تقديم واجب العزاء لأسر الضحايا، جعل غير المسلمين من مسؤولين وأفراد يخجلون من أخذ مواقف معادية تجاهنا. ولاحظنا بالفعل تضامن مجموعات واسعة من الشعب مع المسلمين في هذا الوقت. وفتحت الكنائس أبوابها أمام المسلمين للصلاة فيها. وأصرت على محاكمة المجرم بقوانين بلادها وعدم تسليمه لبلده أستراليا”، يقول عيد لـ”ذات مصر”.

وانتشرت صور أرديرن، وهي ترتدي حجابًا أسود في عزاء أسر الضحايا، كالنار في الهشيم، وذاع صيتها أكثر بعدما ظهرت في أحد اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك حاملة رضيعتها، في سابقة من نوعها، والتُقِطَت لها مئات الصور أيضًا.

جاسيندا أرديرن اتبعت سياستي “الأبواب المفتوحة” و”هدم الجدران” بإدماج الجنسيات المختلفة من مهاجرين ولاجئين في المجتمع وسوق العمل، وهو ما تحدث عنه عيد قائلاً: “نيوزيلندا استقبلت على مدار الأعوام الماضية عددًا كبيرًا من السوريين، بعضهم ينتمي إلى جماعات متشددة، ورغم اعتراضات معينة في الداخل، استقبلتهم الحكومة ووضعتهم تحت المراقبة، رفضًا لاتباع سياسات الإقصاء المتبعة في غالب الدول الأوروبية”.

“عندما سُئلت جاسيندا أرديرن عن الدين، قالت: أنا لا دينية وغير منحازة لأي دين” بحسب عيد، الذي أكد أن المعلومات المتاحة لديه تشير إلى أن عدد المسلمين في نيوزيلندا حتى عام 2013 بلغ 50 ألف مسلم، في بلد تعداده أقل من 5 ملايين نسمة.

عيد يقول إن غالب الجنسيات المهاجرة واللاجئة في نيوزيلندا من العراق أولاً، ثم دول الشام واليمن، ثم مصر، وبعض اللبنانيين والخليجيين. ومن خلال محيط معارفه وزملائه في العمل والجاليات العربية والمسلمة في نيوزيلندا، يتوقع عيد أن يكون العرب والمسلمىن أدلوا بأصواتهم لصالح جاسيندا أرديرن، التي فازت من وجهة نظره، نتيجة تعاملها الحكيم مع قضايا المسلمين والهجرة، وأزمة فيروس كورونا، إذ سجلت نيوزيلندا أقل من ألفي حالة إصابة بالفيروس التاجي، ونحو 25 حالة وفاة.

أبواب مفتوحة

وبعد أيام من فوزها، قالت أرديرن في تصريحات صحفية، إن فوزها بولاية ثانية، يأتي تتويجًا لجهود حكومتها في القضاء على فيروس كورونا، وإعادة تنشيط الاقتصاد.

علي الملحم، لاجئ عراقي دخل نيوزيلندا عام 2010، ولم يكن قد سمع عنها من قبل مطلقًا، يقول إنه قدم طلب لجوء مع أسرته لأسباب خاصة، وأُخبروا عام 2009 أن دولة نيوزيلندا تدرس ملفهم.

يقول الملحم لـ”ذات مصر”: “قبل قرار اللجوء لم أكن سمعت عن هذه الدولة من قبل. حاولت جمع أية معلومات عنها. وكانت المعلومات حينها غير متوافرة بالقدر الكافي.”

دخل الملحم وعائلته نيوزيلندا عام 2010، ولم يواجهوا صعوبات تذكر، وكان حرصهم حينها مُنصّب على تعلم اللغة الإنجليزية، والعمل من أجل تدبير المعيشة في البلد الذي يديره حزب رأسمالي يتبع سياسات اقتصادية مشددة مع الجميع بما فيهم دوائر المعونات الاجتماعية للاجئين، في إشارة منهم إلى الحزب الوطني الحاكم آنذاك.

لكن الملحم، يشعر حاليًّا بالفرق في تعامل الحكومة الحالية مع قضايا اللاجئين والمسلمين، يقول “حزب العمال الذي يتولى رئاسة الحكومة حاليًّا يشعر بالفقراء، كما أن جاسيندا زادت حصة بلادها من اللاجئين سنويًّا لما يقرب من 1500 لاجئ كل عام، حتى وصل عدد اللاجئين حاليًّا إلى نحو 750 ألف لاجئ، منهم نحو 2500 فلسطيني”.

عمل الملحم في عدد من المهن منذ دخوله الأراضي النيوزيلندية، لكن بعد إصابته مؤخرًا بتمزق في الأربطة، اضطر إلى المكوث في البيت طويلاً. ومن منطلق شعوره بالفراغ؛ فكر في تقديم محتوى هادف عبر موقع “يوتيوب” يقدم من خلاله معلومات وافية عن العيش في نيوزيلندا وكيفية تقديم طلبات الهجرة واللجوء، بعدما لاحظ زيادة إقبال الشباب العربي على السفر إلى أوروبا في السنوات الأخيرة.

ينبه اللاجئ العراقي من يرغبون في ترك بلدانهم: “المعلومة الكاذبة على يوتيوب التي تنشر بعنوان (نيوزيلندا تفتح أبوابها للاجئين والمهاجرين مجانًا) تحصد مئات الآلاف من المشاهدات. لذا قررت اعتبارًا من 2018 إطلاق قناتي على يوتيوب لمساعدة الشباب العربي على تعريفه بالغرب ونظرته إلى العرب والإسلام”.

ولعب الدور السياسي لجاسيندا، بعد حادثة المسجدين، دورًا في تقريب الشعب تجاه العرب والمهاجرين والمسلمين، يقول الملحم عن ذلك: “كنت أقطن في منطقة وأعلم أنه غير مرحب بي أنا وأسرتي. لكن بعد حادث المسجدين، حاول جيراني التقرب مني. لقد أصبحوا أصدقاء. أحدهم جزّ حشائش حديقتي كاملة بماكينته كنوع من الود والتقارب. وأصبحت مطمئنًا على زوجتي وابني في غيابي وساعات عملي الطويلة”.

وتبقى نظرات العنصرية التي يتعرض لها الملحم في مجال عمله الأخير كسائق في إحدى شركات النقل الخاص، محصورة في لقاء وجه عابس أو شخص لا يرد التحية. يقول: “أحيانًا العميل يلغي رحلته مع شركتي بمجرد ظهور بياناتي واسمي كعربي أو مسلم. والبعض الآخر يبقى عابس الوجه طوال الرحلة. والبعض لا يرد التحية. وأنا أتجنبهم ولا أحاول الصدام.. تحتاج البلاد أكثر من نوايا جاسيندا الطيبة لتجاوز ميراث العنصرية المُرّ”.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى