وجهات نظر

“العشيرة المحمدية”.. وأزمة الواقع الصوفي في مصر

مصطفى زهران

تمثل العشيرة المحمدية الشاذلية واحدة من أهم وأكثر الطرق تأثيرا في المشهد الصوفي المصري، وذلك رغم حداثة عمرها مقارنة بغيرها من الطرق التقليدية المتجذرة في البنى المجتمعية المصرية منذ قرون، إذ تأسست في الربع الأول من القرن الماضي على يد الشيخ محمد زكي إبراهيم، أحد علماء الأزهر ورجالاته في ذلك الوقت، وينحدر من بيت أزهري عريق في التصوف، وكان جده أحد أكبر علماء المالكية في عصره.

وتوازت نشأة العشيرة مع بروز التنظيمات الإسلامية السلفية والحركية آنذاك، مثل جماعة “أنصار السنة المحمدية” وجماعة “الإخوان المسلمين” وجمعية “الشبان المسلمين”، إضافة للإرث الفكري الذي تركه جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومن بعدهما محمد رشيد رضا.

الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الطريقة، إذ كان المزاج الديني لها “أزهريا، صوفيا، سلفيا”، وهو ما يفسر تعريف الشيخ المؤسس لطريقته آنذاك بأنها “صوفية سلفية”، ما أكسبها ميزة وخصيصة تباينت بها عن غيرها من الطرق الصوفية الأخرى في زمانها، التي كانت تعاني الكثير من العادات والتقاليد المتوارثة، التي مزجت في طقوسها بين الخرافة والابتداع.

ولم تكن العشيرة وشيخها محمد زكي إبراهيم في معزل عن المشهد السياسي من حولها، فكان أحد الدعاة الذين يحفزون الجنود المصريين على الجبهات أثناء المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

خاضت العشيرة المحمدية صداما مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على خلفية موقفه من الطرق الصوفية، والعمل على تطويقها، جنبا إلى جنب مع بقية التيارات الإسلامية الأخرى التي كانت موجودة في ذلك الوقت، الأمر الذي كان له عميق الأثر في تأخير تسجيل الطريقة في المجلس الأعلى للطرق الصوفية وفقا لأحكام القانون رقم 118 لسنة 1976م.

بيد أن الطريقة في الآونة الأخيرة عايشت إشكالا برز على سطح المشهد الديني تمحور حول فكرة التوريث -أي توريث مقام شيخ الطريقة- وتموضعها داخل الطريقة الصوفية المعاصرة القائمة على قوانين تزامن صدورها في العهد الناصري، ولا زالت تلقي بظلالها على واقع الصوفية الطرقية في واقعنا الراهن، والانتقال من تبعية هذا التوريث، خاصة العمق الروحي والعقدي داخله، إلى الآخر المادي، باعتبارهما تركة “مادية” يحق لآل بيت الشيخ إرثهما، وهو إشكال يجعل من شيوع الملكية أو ما تعارف عليه بـ”الوقف” ضمن ممتلكات الشيخ الخاصة، وهو يمثل جوهر الخلاف القائم حتى اللحظة، وإن لم يتم الإفصاح عنه بشكل مباشر وظاهر داخل أروقة العشيرة المحمدية الشاذلية في مصر.

إرهاصات الأزمة وتسلسلها

عندما توفي الشيخ المؤسس عام 1997، لم يترك وصية بتعيين خلف له، وأشار إلى ما يمكن تسميته بـ”الانتخاب” لاختيار الأصلح والأجدر للقيام بالمهمة الصعبة، بيد أن ذلك كله كان يصطدم بالقانون، الذي يؤصل للتوريث، إذ إن ابن الشيخ سيكون لا محالة شيخا على غرار أبيه وإن لم يكن مؤهلا لذلك.

تقلد الشيخ عصام، وهو عسكري سابق، مشيخة الطريقة من بعده، وذلك وفقا للقانون الذي تقره الدولة المصرية، وظل على رأس الطريقة ما يقارب عقدين من الزمان، وبعد وفاته تولى ابنه الأكبر إدارة الطريقة، ولكنه لم يلبث أن تنازل عنها لأخيه الأصغر، نور عصام زكي، وهو في العقد الثاني من عمره، من زوجة ثانية لأبيه.

لم يكن “نور” يعلم عن التصوف والعلم الشرعي سوى أنه ينتمي إلى أسرة تنتهي لنسب عريق في التصوف الطرقي، إلا أن الشاب كان يتمتع بصفات خلقية وكاريزما أهّلته إلى أن يتواءم مع الفاعلين في الطريقة والنشطين داخلها، على أن يقوموا بتهيئته واحتضانه لخلق وجه آخر مغاير يتناسب ومتطلبات الطريق والعشيرة، الأمر الذي أضفى نوعا من الهدوء والاستقرار للعشيرة رغم الأحداث والتحولات التي تعايشها الطريقة على أكثر من مستوى، إلا أن وفاته في حادث سير أثارت عاصفة من الأزمات في تعيين خلف له.

الصبي.. شيخ الطريقة المنتظر!

يمكن القول إنه على مدار تاريخ العشيرة المحمدية الشاذلية، التي قاربت الـ100 عام، لم تعايش أزمة كما تعايشها في اللحظة الراهنة، الأمر الذي دفع كبار رجال الطريقة ومريديها وقياداتها نحو المسارعة في مبايعة من رأوه الرجل المناسب لقيادة العشيرة المحمدية في هذه الفترة، من خلال مبايعة الشيخ “أشرف”، ابن شقيق الشيخ المؤسس، وقد نهل من أدبيات عمه ورافقه ردحا من الزمن وصاحبه في كثير من رحلات وتجواله، كما تذكر أدبيات العشيرة ورجالاتها، وهو ما حفز الجميع نحوه واستبشرت العشيرة بمستقبلها بعد أن خرجت من الأزمة مسرعة دون تباطؤ.

لكن ذلك قوبل من أسرة شيخ الطريقة الشاب –المتوفَّى- ممثلة في أرملة الشيخ عصام ووالدة الشيخ المتوفّى، بعاصفة احتجاج دفعتها إلى استنفار رجال التصوف في المشهد المصري متكئة على القانون، الذي ينص على توريث المشيخة في الطريقة، ودفعت بصبي صغير يدعى “يوسف”، شقيق “نور”، ليتبوأ مشيخة الطريقة خلفا لأخيه ومن قبله أبيه ومن قبله جده، يدعمها بعض من رجال التصوف، وعلى رأسهم الدكتور علي جمعة، مفتي مصر السابق، على الرغم من أن تعيين صبي في ذلك المنصب الهام يخالف المادة ٢٩ من قانون الطرق الصوفية، الذي ينص على أن يتوفر فيمن يُعين شيخا لطريقة من الطرق الصوفية أن يكون بالغا لسن الرشد، وهو ما لم يتحقق مع الصبي ذي الأربعة عشر عاما.

مرشح المجلس الأعلى للطرق الصوفية

في الواقع استطاع الإعلام أن يخرج بقضية الخلافة المتنازعة عليها في شغر منصب شيخ العشيرة المحمدية الشاذلية من طابعها الجماعاتي الضيق والمحدود إلى أن تصبح حديث الصباح والمساء في أروقة المشهد المجتمعي الديني في مصر كافة واشتبكت مع نصوص قانونية ارتأى البعض أنها بحاجة إلى إعادة النظر فيها مجددا مع واقع المشهد الصوفي الحالي الذي يختلف عن سابقه.

وعلى هامش تصاعد حدة الانقسام والخلاف اتجه أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية نحو وضع حل سريع لإنهاء أزمة رئاسة العشيرة المحمدية الشاذلية، ما دفع بهم إلى أن يطرحوا “زكي الدين جمال محمد زكي إبراهيم” شيخا للطريقة خلفا لابن عمه الشيخ الراحل نور عصام زكي إبراهيم واستبعاد ترشيح الصبي، ولم يعترض أشرف وهبي، الذي تم مبايعته من قبل، على قرار المجلس الأعلى للطرق الصوفية، بل بارك الأمر رغبة في سد الهوة داخل العشيرة.

من يحكم العشيرة؟!

في الوقت الذي استشعر خلاله الجميع أن أزمة العشيرة قد انتهت، تم الإعلان من قبل العشيرة تأجيل جلسة نقل البيعة إلى “زكي الدين”، وهنا ظهرت أرملة الشيخ عصام في الواجهة بعد أن كانت تدير المشهد خلف الأبواب المغلقة، وفي تصريحات نقلتها وسائل الإعلام أكدت الحاجة ثريا -كما تحب أن تُنادى- إلى أن يديها مفتوحة للجميع وأنها على أتم الاستعداد للتعاون مع الشيخ “زكي” لعودة الأمور لسابق عهدها.

إلا أن ذلك الظهور للحاجة “ثريا” لم يشبع رغبتها، رغم مباركتها مرشح المجلس الأعلى للطرق الصوفية الشيخ زكى الدين، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الصوفية الطرقية المعاصرة، تحدت قرارات المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وأصدرت برفقة عدد من أبناء العشيرة المتحلقين حولها، بيانا أشبه بالبيانات السياسية التي تصدرها جماعات الإسلام السياسي والأحزاب المدنية الأخرى، أكدت خلاله على تقديم العشيرة بمرشح آخر لمنصب مشيخة العشيرة ممثلا في كريم النجدي، أمين شؤون الطريقة المحمدية الشاذلية بمصر والعالم وابن شقيقة الشيخ الشاب المتوفَّى حديثا.

تم النظر لهذا الإجراء من قبل قطاع داخل العشيرة تترأسه الحاجة ثريا، بأنه يمثل تحديا لقرارات المجلس الأعلى للطرق الصوفية والقائمين عليه بعد قراراتها الأخيرة بتولي الشيخ زكي وغلق هذا الباب وحل هذا الإشكال داخل العشيرة، ولكن هذا يمثل خرقا لقانون المجلس الأعلى للطرق الصوفية وبنوده، إذ إن الشيخ النجدي، الذي طرحته الحاجة ثريا ومن معها من أبناء العشيرة، لا تتوفر فيه شروط تولي مشيخة العشيرة لأنه ليس من أقرباء الشيخ “نور” عصبا، فهو ابن شقيقته من الأم فقط وليس من الأب والأم مجتمعين، ولقد وصف إخصائي الطب النفسي والقيادي بالعشيرة إبراهيم مجدي حسين هذا الإصرار من قبل أرملة الشيخ عصام ومحاولاتها الرامية إلى الدفع بمرشح خلفا لابنها “نور” لإحكام سيطرتها على العشيرة بأنها الحاكم الفعلي للعشيرة في الوقت الراهن.

تداعيات الأزمة على الواقع الصوفي

إن ما عكسته أزمة شغر منصب شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية في مصر والانقسام حيال من يخلفه، أبعد بكثير من كونه يمثل خلافا على مشيخة طريقة، إذ عكس بقدر كبير حجم التحولات التي تعايشها الصوفية الطرقية في مصر، والتي كان أبرزها انتقال التصوف وما يمثله من بعد روحي إلى أتون الصراعات البينية – الدنيوية – تشبه إلى حد كبير منه ما يحدث داخل الأحزاب السياسية المدنية وجماعات الإسلام السياسي، وهو أمر يدلل على تغير في المسارات الفكرية بالمشهد الصوفي المصري عن الأطر العقدية التي انطلق منها والركائز الإيمانية والعقدية التي شكلت تصوراته ردحا من الزمن.

إن جوهر الخلاف في اللحظة الراهنة لا يقف عند إشكال التوريث ومن يتولى مشيخة العشيرة وحسب، وإنما إخضاع كل الأمور الأخرى، سواء كانت روحية أم مادية للسلطة المباشرة لهذا المنصب، وهو ما تقاتل من أجله أرملة الشيخ عصام زكي ووالده الشيخ المتوفى، إذ يمثل الجانب المادي محفزا رئيسا لكل الصراعات القائمة والمعارك على هامش القضية الرئيسة، ألا وهي “من يتولى مشيخة الطريقة؟”.

فالطريقة، وشأنها في ذلك شأن بقية الطرق الصوفية الأخرى، تقف على مجموعة من الأوقاف الخيرية من جمعيات تكافل للأسر المعيلة والفقيرة جنبا إلى جنب مع الأبنية التعليمية والطبية وما شابه، وهي في مجملها تدار من قبل أسرة شيخ الطريقة، وهي، وإن كانت وقفا جاءت أموالها من صدقات وتبرعات المريدين من أبناء العشيرة وأحبابهم، لا تعنى بأي حال من الأحوال ملكا لشيخ الطريقة وآل بيته، إنما هي ملك للمسلمين وغيرهم، وهنا تكمن أهمية ما أحدثه الصراع والانقسام الحادث داخل العشيرة المحمدية الشاذلية، إذ إنها أسهمت بقدر كبير في تحريك المياه الراكدة في البيئة الصوفية الطرقية وتحديدا في تسليط الضوء على واقع الشبكات الاقتصادية للطرق الصوفية، وتبعيتها المباشرة لشيخ الطريقة وأحقية ورثته فيها.. فكانت الأزمة بحق دليلا دامغا على حجم الخلط في الأفكار والمفاهيم بين الإرث الروحي وما يمثله من ركيزة إيمانية هامة للاتباع، وبين الآخر المادي الذي ينظر إليه آل بيت شيخ الطريقة على أنه ملكهم هو أيضا وإرث يشتبك مع نظيره المادي.

وتبقى النقطة الأبرز والدلالة الاستنتاجية الأهم في تلك القضية، أن الصوفية الطرقية لم تعد تشغلها المؤهلات العلمية والتربية الصوفية والفهم العقدي والمواصفات القيادية التي يجب أن تتوفر في شيخ الطريقة، بقدر ما يشغلهم ألا يخرج هذا المنصب عن الأسرة والآل، وهو ما لا يتفق مع التصوف الإسلامي الذي قدم شروطا وملامح أساسية يجب توافرها فيمن يتصدر دعوة الناس وهدايتهم وإرشادهم.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى