وجهات نظر

العقل الشعبي وزواج التجربة

هيثم أبوزيد

مع كل سؤال يُطرح، أو استفهام يُثار، أو قضية تَسْتجِد، تزدحم صفحة “دار الإفتاء” على فيسبوك بمئات أو آلاف التعليقات من قطاعات مجتمعية واسعة وجماهير مختلفة، كلهم يعترض على الفتوى الرسمية ويناقشها ويمارس الاستدلال الفقهي ويسوق “الأدلة” من قرآن كريم وسُنة نبوية، مع شعور طاغ باكتمال المعرفة الدينية، وفهم العلوم الشرعية، واتهام للمفتي وشيوخ الدار بالتفريط في الدين، وبيع أحكام الشريعة إرضاء للسلطة.. وبلغ هذا السلوك الجماهيري ذروته مع إثارة ما عُرف إعلاميا بـ”زواج التجربة”.

ظاهرة ممارسة الإفتاء الشعبي على صفحة دار الإفتاء، هي إحدى نتائج التغيُّر الذي أصاب العقل الجمعي المصري، بعد أن تُرك طوال عقود نهبا لأفكار شيوخ الجماعات الدينية ودُعاتها ومساجدهم وزواياهم وخطبهم ودروسهم ومحاضراتهم.. وكلها جهود استهدفت خلق عقلية شديدة السطحية، يسهل قِيادُها والسيطرة عليها بالألفاظ والعناوين، دون أن يسمح لها بفرصة للتأمل والتدقيق.

ومنذ اليوم الأول لظهور عنوان “زواج التجربة” تعاملت الغالبية الساحقة مع العنوان باعتباره يحمل معنى واضحا قاطعا يتمثل في عقد زواج مؤقت، لا يختلف في قليل ولا كثير عن زواج المتعة، الذي يبيحه الشيعة، ويُجمع أهل السنة على تحريمه.. كل هذا تكوَّن في العقل الجمعي للجمهور فقط من “العنوان” أو التسمية الإعلامية.. ولأن “الجمهور المتدين” يرى أن الأمر واضح، وأنه محاولة لضرب أحكام الشريعة، وزعزعة استقرار الأسرة، فقد شن هجوما عنيفا على صفحة دار الإفتاء بمجرد إعلانها عن دراسة المسألة، وإحالتها إلى لجانها المختصة للخروج برؤية شرعية علمية.

تعامل الجمهور مع إعلان دار الإفتاء باعتباره إعلانا عن دراسة حُكم الزنا أو تحريم الخمر، أو كأنه محاولة خبيثة لتمرير زواج المتعة إلى المجتمع المصري.. وما زاد النار استعارًا أن إعلان الدار جاء بعد أن أصدر مركز الأزهر للفتوى موقفا من المسألة، بالرغم من أن هذا الجمهور لم يطّلع على ما كان معروضا أمام الأزهر، ولا يعلم مدى تطابقه مع ما ستبحثه دار الإفتاء.. الجمهور الغاضب يعتقد أن الاشتراك في العنوان يكفي للجزم بأن السؤال واحد، والأزهر أعلن موقفا من “زواج التجربة”، والآن تأتي الدار لتناقش نفس الموضوع.. وبما أن الأزهر رفض “زواج التجربة”، إذن فدار الإفتاء تريد أن تُبيحه.. هكذا يعمل العقل الجماهيري، وهكذا يعبر عن موقفه في تعليقاته على الصفحة الرسمية للدار.

وحتى عندما أصدرت الدار موقفا متطابقا مع موقف الأزهر، لم تسلم من الهجوم، إذ لم يكن يصح –بنظر الجمهور الغَيور- أن تناقش الدار مسألة واضحة محسومة.. كما أن موقفها هذا لم يصدر إلا بسبب الضغط الجماهيري الذي مثلته شتائم المعلقين على الصفحة.. “كنتم بتجسّوا النبض وخفتم من الأزهر”.

ولو أن أصحاب التعليقات المتعجلة، كلفوا أنفسهم بضع دقائق، يبحثون خلالها عما يعنيه صاحب مقترح “زواج التجربة” بهذا التعبير، لعلموا أن المطروح للنقاش هو عقد اتفاق ومصالحة وليس عقد زواج، وأنه يخص المتزوجين بالفعل، إذا دبت بينهم الخلافات وأوشكوا على الانفصال، فيكتبون ورقة تفرض عليهم تأجيل الطلاق فترة، يحاولون خلالها إصلاح الأمور، فإن صلحت استمرت الحياة الزوجية، وإلا فالطلاق هو الحل الأخير، وليس العقد مطروحا لراغبي الزواج من “العرسان الجدد”، ولا يتضمن من قريب أو بعيد أي بند يتحدث عن تأقيت الزواج، لأنه ليس عقد زواج أصلا، ولا يلغي العقد الموثق عند المأذون الشرعي.. كما أن الصحافة تناولت الأمر تناولات مختلفة، تختلف بسببها الأسئلة، ويختلف بهذه الأسئلة تصورها وتكييفها أمام الباحث الشرعي.. كل هذا أُهدر تحت وطأة الفهم الخاطف للعنوان الإعلامي “زواج التجربة”.

ومن أخطر الأضرار التي أصابت الوعي الديني الجمعي للشعب المصري، وتتجلى واضحة على صفحة دار الإفتاء، التوهم بأن معرفة الآية القرآنية، أو الحديث النبوي تكفي لإصدار حكم شرعي.. فالشعب على صفحة الدار يمارس الاستنباط الفقهي، ويؤيد استنباطاته بآيات وأحاديث، وكأن علماء الدار لا يحفظون هذه الآيات، ولم يسمعوا بهذه الأحاديث.. وحين أفتى فضيلة المفتي بطهارة الكلب، كما هو معروف ومستقر في مذهب الإمام مالك، انهال عليه “الجمهور المتدين” بوابل من الشتائم، والطعن في الدين، والتشكيك في العلم، وكالعادة، لم يدخروا جهدا في سوق النصوص، التي تُبطل كلام المفتي، الذي لم يخرج في فتواه برأي شاذ ولا غريب على الفقه، بل اختار قولا معروفا من مذهب فقهي معتبر بإجماع المسلمين.

والعقليات التي تسوقها العناوين وتقودها الألفاظ، لا تدرك الفوارق بين مصطلحات الفقهاء، لذلك نجد أكثر المعلقين على صفحة دار الإفتاء يساوون بين كلمات: حرام، وباطل، وفاسد، ونجس، وركن، وشرط.. لذلك حين تقول لهم الدار إن عقد الزواج الذي يتضمن شرطا فاسدا يظل عقدا صحيحا، فإنهم يكادون يخرجون عن حالة العقلاء، ويُصابون بسُعار جنوني من الشتائم والسخرية.. فإن حاولت أن تُفهمهم أن فساد الشرط لا يلزم منه بطلان العقد، كان الأمر فوق طاقتهم.

ولعلنا نتذكر حملتهم الضارية على عالم مشتهر، حين قال إن جوهر الحشيش طاهر، فقد اعتبروا أن الرجل يبيح الحشيش، ويعمل على نشر المخدرات.. فعقلية المسطحة التي تربّت على خطب الوعظ فظنتها علما، تساوي بين مصطلحي “حرام” و”نجس”، ولا تتحمل أن يوصف جوهرٌ محرم بأنه طاهر.. فقه خاص، تكوَّن عبر سنوات من التتفيه والخلط والتقليل من شأن الأزهر وعلمائه.. فلا مانع إذن من سب عالم يقول إن الحشيش طاهر، حتى لو كان كلامه موافقا لما أجمع عليه فقهاء الأمة في كل بلاد الإسلام عبر العصور.

لا ريب أن مؤسسات الفتوى تتحمل قدرا من المسؤولية، لأنهم أولا، استسلموا لهذه الحالة، باعتبارها واقعا أو قدرا مقدورا، وثانيا، لأنهم لا يكادون يبذلون أي جهد في ترشيد أسئلة الجمهور، وإنقاذ قطاعات من الجماهير، ولو تدريجيا، من تلك الحالة الهيستيرية.. وكل جهودهم منصرفة إلى التجاوب مع الأسئلة الجزئية التفتيتية المتشظية، وهم بهذا يحمّلون أنفسهم فوق طاقتهم، ويعرّضون سمعتهم لسهام الجهل والتسطيح والرعونة.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى