الحرب خدعة

الرسائل الخاطئة في العقيدة العسكرية الأمريكية

تعتمد واشنطن على إجراء المخادعة الإعلامية، والتعبوية، والسياسية لكسب الحرب قبل بدئها, أو لجرّ الخصم للعمل وفق إرادتها, ليكون في المكان والزمان اللذين حددتهما له من حيث لا يعلم, حيث يصبح الخصم مجرد أداة تُنفذ إرادتها من غير أن يعي حقيقة ما يجري, حتى يتم سحقه في عمليات خاطفة غير متوقعة.

لقد عايشنا- داخل العراق- ظروف حربي الكويت بداية عام 1991، واحتلال العراق بداية عام 2003, واستخلصنا منهما دروسًا كثيرة توضح للمختصين مدى الاعتماد على المخادعة في العقيدة العسكرية الأمريكية أثناء الصراعات, والتي تنطلي على الخصم دائمًا، ما يُعجّل بنهايته المحتومة.

إن دراسة استراتيجية المخادعة والرسائل الخاطئة التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في الحربين السابقتين, من الممكن أن يستفيد منها الباحثون والمختصون في فهم طبيعة الصراع الآيل للانفجار بين واشنطن وإسرائيل والمجموعة الخليجية من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.

دروس وعبر

من المؤكد اليوم أن هناك خُطَطَ مخادعةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ في عمليات التهيؤ للحرب ضد إيران وحلفائها, بعضها من الممكن كشفه, لكن القسم الأكبر منها سوف يظل غامضًا حتى تنتهي الحرب -لو حصلت- ليكون على طاولة المختصين كي يستنبطوا منها دروسًا أخرى تنفعهم للمستقبل، وترفد المكتبة العسكرية بالمزيد.

اجتماع مجلس الأمن الدولي

ولكي نتعرف على ما يمكن من خطط المخادعة الحالية؛ فلنعد إلى الحربين السابقتين لنتناول بعض الأمثلة التي ربما سوف تنفعنا للمقارنة، ولفهم حقيقة ما يجري من تراشق بالتصريحات بين واشنطن وطهران حاليًّا, إضافة إلى التحشيدات والتحركات العسكرية في الخليج.

بوتقة الحرب

في صيف عام 1990، كانت بغداد قد منحت واشنطن فرصة ذهبية لتدمير العراق الذي كان وقتها يمتلك القوة الجوية والصاروخية الأقوى في الشرق الأوسط, إضافة إلى قوة مدرعة لا يمكن الاستهانة بحجمها وخبرة قادتها في مجال الحرب البرية, تلك القوة التي أصبحت تهدد إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة, خصوصًا بعد أن أصبحت بغداد تتمرد على الغرب من خلال تصريحات نارية وتصرفات أشعلت الأجواء.

كان قرار مجلس الأمن يخول واشنطن وحلفاءها إخراج العراق من الكويت بالقوة, ما يسمح لواشنطن بتدمير البنى التحتية للعراق، إضافة إلى قوته العسكرية, لكن كانت هناك مخاوف من قبل البيت الأبيض من أن تخضع بغداد لقرار مجلس الأمن في اللحظات الأخيرة التي تسبق الحرب, ما يُفشل خطط واشنطن لتدمير مرتكزات القوة للبلد المتمرد, فما العمل؟

"نورمان شوارزكوف" مع "كولن باول"
بين قيادة العمليات العسكرية والبيت الأبيض

في الوقت الذي كانت فيه نهاية المهلة التي منحها مجلس الأمن للعراق للخروج من الكويت أو مواجهة الحرب هي 15/1/1991؛ صرح الجنرال الراحل “كال والر” قائد القوات المتجحفلة والمتهيئة للحرب في الخليج، بأن القوات البرية للتحالف الدولي لتحرير الكويت لن تكون مستعدة لشن أي هجوم لاسترداد الكويت قبل يوم 8/2/1991، أي بعد انتهاء مهلة مجلس الأمن بـ24 يومًا.

بعد ساعات صرح الرئيس الأمريكي الراحل “جورج بوش” بأن “والر” كان عليه أن يتكتم على هذا الموضوع، وأنه ليس من المناسب والصحيح عرض معلومات كهذه على وسائل الإعلام، كونها سوف تشجع النظام العراقي على التمسك بالكويت، وعدم الانصياع للقرارات الدولية.

كان الجنرال الراحل نورمان شوارزكوف قد أحس بالحرج بسبب تصريح “والر” وقد حاول الاعتذار إلى ديك تشيني نائب رئيس الولايات المتحدة وقتها، لكنه فوجئ بـ”تشيني” مبتسمًا: “ليس من السيء أن يرسل المرء للعدو معلومات متناقضة”.

الرئيس الأمريكي الراحل جورج بوش الأب

وانخدعت بغداد بالتصريحين السابقين، ووصلت رسالة خاطئة إلى بغداد مفادها أن الحرب لن تقع قبل يوم 8/2/1991 لعدم جاهزية قوات التحالف, في حين أن موعد الحرب من المفترض أن يكون في منتصف الشهر الأول من ذلك العام.

بغداد أيضًا بدأت تُشكك في مدى جدية وجاهزية قوات التحالف لشن الحرب ضد العراق، مستندة إلى هذين التصريحين, إضافة إلى تصريحات أخرى أدلى بها الرئيس الأمريكي يقول فيها إن العراق يملك قوة جبارة, وإن الحرب معه سوف تكون صعبة ومدمرة.

أصبحت بغداد تتحدث علنًا ومن خلال قنواتها السياسية والإعلامية عن عدم جاهزية قوات التحالف, وعجز تلك القوات عن شن الحرب لاستعادة الكويت، لقد انخدعت بغداد وأصبحت تسير كما خططت لها واشنطن وفق خطة المخادعة المبنية على إعلام يتضمن عدة تصريحات ومجموعة من الجمل لا أكثر, حدث ذلك أثناء تزايد المساعي الدولية لإقناع بغداد بالخضوع لقرارات مجلس الأمن, ما كان يقلق البيت الأبيض من احتمال موافقة بغداد على الانسحاب من الكويت، وتفويت الفرصة على واشنطن التي تستعد للحرب.

الحملة الجوية على العراق خلال عاصفة الصحراء

فما الذي حصل؟ في صباح يوم 17/1/1991 كانت صواريخ وطائرات التحالف تدمر البِنَى التحتية والقوات العسكرية في الكويت والعراق, أي قبل اليوم المفترض لجاهزية القوات البرية للتحالف بأكثر من عشرين يومًا, واستمر القصف لمدة ستة وأربعين يومًا قبل حدوث الهجوم البري من قبل التحالف, وهي سابقة مفاجئة تختلف عن القواعد العسكرية التقليدية التي تُرجّح أن يحدث الهجوم البري بعد القصف التمهيدي بـ72 ساعة على الأكثر، إذن، القوات البرية للتحالف لم تدخل الحرب الفعلية إلا بعد يوم 21/2/1991, أي بعد موعد “شوارزكوف” بأسبوعين تقريبًا, لكن ذلك لم يكن يعني أن الحرب لن تبدأ إلا بعد إتمام جاهزية القوات البرية كما كانت تعتقد بغداد.

الرأي العام

كانت التظاهرات التي تعم العالم وتنادي بوقف الحرب مشجعًا آخر لبغداد على تمسكها باحتلال الكويت رغم القصف الهائل, كون بغداد كانت تراهن على الرأي العام العربي والعالمي في الضغط لإنهاء الحرب, ما جعل النظام العراقي حينها غارقًا في ثمالته واستنتاجاته الخاطئة, حتى فوجئ ببدء الهجوم البري يوم 21/2/1991, فأصدر رأس النظام في بغداد أمرًا بالانسحاب للقوات التي تركت الميدان تحت ضغط القصف الهائل والمدمر والهجوم البري الذي باغتها كفكّي كماشة.

مظاهرات أمريكية لرفض الحرب

أثناء توديع الشعب الأمريكي لقواته المتوجهة إلى الخليج في بداية أزمة الكويت, كان هناك جوٌّ من الفرح والفخر بين المودّعين, الذين رفعوا لافتات كُتب عليها “خذوا نفطهم واركلوهم في مؤخراتهم”. لكن قبل بدء الحرب بيوم واحد وأثناءها, خرج الملايين وهم يلعنون الحرب ويرفضونها. فهل كان هذا التناقض عفويًّا, وهل كانت تظاهرات الرفض عفوية أم مدفوعة؟ أم أن هناك أشياء أخرى قد حددتها العقيدة العسكرية الأمريكية ضمن خطط المخادعة؟ الإجابة صعبة.

حرب احتلال العراق

أبرز تصورات واشنطن وحلفائها لحرب احتلال العراق هي:

– الرأي العام العالمي ليس مع الحرب.

– يجب إنجاز الهدف من الحرب بوقت قصير وبأقل التكاليف.

– يجب أن تكون خسائر الجانب العراقي البشرية والمادية قليلة لكون المرحلة المقبلة هي مرحلة احتلال تتطلب استقطاب الرأي العام العراقي وإعادة الإعمار.

وكل هذا يُعطي الأولوية للمخادعة في إنجاز مهمة الحرب.

كانت واشنطن تستخدم مبدأ (حافة الحرب) من خلال تحشيد القوات والتهديد بالهجوم، ومن ثم الموافقة على المساعي الدولية لتأجيلها. إنه مبدأ الترقب الذي يوهم الخصم بأن الحرب وشيكة لينصبّ جهده في التحصين الروتيني والمزعج لدفاعاته, لكن عندما يمر الوقت من غير أن تحدث تلك الحرب يؤدي ذلك بالمدافع إلى الإحباط والترهل. وتستمر عملية المخادعة هذه حتى يحين موعد الهجوم الفعلي, عندها يكون الخصم في حالة من الإحباط العام وانعدام إرادة القتال. وقد مورست هذه المخادعة ضد العراق لعدة سنوات سبقت حرب احتلاله عام 2003.

صواريخ سكود عراقية خلال عرض عسكري في التسعينات
حافة السلام

من الجدير بالذكر أن المساعي الأوروبية لدرء الحرب عن العراق أدت إلى قبول العراق بتدمير 100 صاروخ من نوع “صمود” ذات مديات تتجاوز 140 كم كان من الممكن أن تُهدد القواعد الأمريكية في كردستان والخليج أثناء حرب احتلال العراق. وبعد تدمير الصاروخ الأخير بأسبوعين تم شن الحرب على العراق واحتلاله. إنها مخادعة حافة السلام التي جعلت العراق يدمر سلاحه الاستراتيجي بنفسه قبل أسابيع من بدء الحرب. ويبدو أن أسلوب (حافة السلام) كان أفضل في ذلك الوقت لدى واشنطن من أسلوب (حافة الحرب).

محاور الهجوم

أعلن البنتاجون قبل بدء الحرب بأن خطة الهجوم سوف تكون عبر محور كربلاء-ناصرية من الجنوب. ونقل هذا التصريح رسالة إلى بغداد بأن مدينتي النجف وكربلاء المكتظتين والمقدستين لدى الشيعة سوف تكونان بؤرتين لقتال المدن وحرب الشوارع، وما تحمله من كوارث ومعاناة للمدنيين, ما يمنح بغداد فرصة ذهبية لتحشيد الرأي العام محليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا وعالميًّا ضد واشنطن وحلفائها.

الفريق الركن "رعد مجيد الحمداني"

نظرًا لأهمية موضوع محور كربلاء، قررت بغداد أن تحشد فرق الفيلق الثاني حرس جمهوري على ذلك المحور، إضافة إلى قوات أخرى. إنه من أفضل قوات النخبة العراقية, وهو بقيادة الفريق الركن “رعد مجيد الحمداني”, الذي بدأ حياته العسكرية كضابط دروع، وشارك في جميع الحروب والحركات العسكرية منذ عام 1970 وحتى موعد تلك الحرب عام 2003, إنه قائد محترف ومهني تتعارض أفكاره ونظرياته العسكرية مع أفكار القيادة السياسية والعسكرية لبغداد آنذاك, ويعترض حتى على خطط رأس النظام, ما أوشك أحيانًا على معاقبته بالسجن وغيرها من العقوبات, لولا وقوف نجل الرئيس العراقي “قصي صدام” -المشرف على الحرس الجمهوري آنذاك- إلى جانبه. إذن خيرة قوات النخبة موجودة في ذلك القطاع, يرأسها أفضل ضابط عراقي من الممكن أن يضع خططًا تتناغم مع الوضع الميداني ومتغيراته السريعة, فكيف سيتم التعامل مع هذا الموضوع وفق العقيدة العسكرية الأمريكية ومخادعاتها، خصوصًا وأن تلك القوات مهمتها الأساسية الدفاع عن محور كربلاء المقدسة لدى الشيعة, والتي يجب أن يتم تجاوزها بأقل قدر ممكن من التدمير والمواجهات.

الرئيس العراقي السابق صدام حسين مع نجله قصي
حرب الشوارع المرتقبة

في انتظار المعركة الدفاعية, تم تحصين المدن من خلال نشر المتاريس وحفر الخنادق ونشر الآلاف من تشكيلات الجيش الشعبي، وعناصر حزب البعث، وجيش القدس، والشرطة، وقوات أخرى للدفاع عن تلك المدن التي تنتظر اقتحامها من قبل قوات التحالف.

لم تكن بغداد تعي أن قوات التحالف لن تورط نفسها بعناء اقتحام تلك المدن وما يتسبب به من أزمات عسكرية وسياسية وأخلاقية, خصوصًا أن بعضها مدن مقدسة. وبدلًا من ذلك سوف تقوم بعزل وتطويق القوات العراقية خارجها، والعمل خلفها مع قصف تلك القوات بشدة, ما يجعلها تنهار بعد أن تجد نفسها مطوقة تمامًا, كما يجعل القوات والميليشيات ومتاريسها المنتشرة داخل المدن محيدة وخارج نطاق المعركة تمامًا حتى تنهار الدفاعات.

صدام حسين خلال لقاء مع القوات العراقية

من المعروف عسكريًّا أن أفضل مكان لرصد وصيد القطعات العسكرية من قبل الطائرات هي خطوط المواصلات, كما أنه من المعروف أن إخراج الخصم من مخبئه هو أحد أهم فنون الحرب التي تحتاج إلى روح المخادعة.

القرار التركي بشأن دعم أمريكا

لا تكلف واشنطن نفسها تقديم طلب إلى الجانب التركي للسماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لشن هجوم على العراق إلا بعد أن تبدأ الحرب فعلًا. صرح البنتاجون بأنه تم تقديم طلب إلى تركيا لاستخدام أراضيها لشن هجوم ضد القوات العراقية المرابطة في شمال الموصل. أثناء تداول الأمر من قبل البرلمان التركي ولعدة أيام، انخدعت بغداد وقامت بسحب إحدى فرق المشاة الآلية من قطاع النجف لتعزيز القوات في محور الموصل تحسبًا لسماح تركيا للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها للهجوم.

اجتماع البرلمان التركي

 تم قصف تلك الفرقة بشدة وهي تسير على الطريق العام لمسافة تصل إلى أكثر من 400 كم باتجاه الشمال. بعد ذلك رفض البرلمان التركي الموافقة على استخدام الأراضي التركية لشن هجوم على العراق, والضحية كانت تلك الفرقة, إضافة إلى فرقة المشاة الآلية 16 التي تم سحبها من محور الموصل إلى محور كربلاء وعلى الطريق نفسه بعد أن زال الخطر التركي لتصل منهكة بفعل القصف العنيف على الطريق العام. هل كان ذلك مقصودًا؟ أم جاء بالصدفة؟ وكيف؟

أوهام محور الشمال والأراضي التركية كلفت بغداد فرقتي مشاة آليتين, لتبدأ بعدها أوهام محور الأنبار أو محور الغرب.

محور الأنبار الوهمي

دفعت القوات الأمريكية قوة صغيرة إلى سد “حديثة” مع ظهور عددٍ من دورياتها قرب ناظم المجرة في ضواحي الفلوجة ضمن محافظة الأنبار, في وقت كان البنتاجون فيه يصرح بأن هناك إعادة تقييم للمعارك بسبب الصعوبات والخسائر سوف تجعل القوات المتحالفة ربما تغير محاور الهجوم. أوهم ذلك بغداد من جديد بأن محور الهجوم التالي سوف يكون من الغرب، ابتداءً من الحدود الأردنية حتى جنوب بحيرة الثرثار, لينطلق منها الهجوم الحاسم لاحتلال بغداد, هذا طبعًا بعد المصاعب التي واجهتها قوات التحالف في الهجوم من محور كربلاء-ناصرية, إضافة إلى تعذر الهجوم من محور الموصل كما توهمت بغداد سابقًا. أوهام بغداد جعلت رأس النظام يأمر بسحب فرقتين من فرق الحرس الجمهوري التابعة للفيلق الثاني للحرس الجمهوري ومن محور كربلاء (وهو المحور الرئيس إلى حين انتهاء الحرب) لنقلها إلى قطاع أبو غريب ضمن محور الأنبار.

احتلال القوات الأمريكية لبغداد وإسقاط تمثال صدام

 انتهت الحرب وتم احتلال بغداد من غير أن تستطيع تلك الفرقتان المشاركة في أية معركة, كما أنّ تنقل الفرقتين على خطوط المواصلات جعلهما تحت قصف لا يرحم. كانت قرارات تنقل الفرق على خطوط المواصلات تحت تأثير الخداع والرسائل الخاطئة، قرارات كارثية، جعلت أفضل القوات العراقية ونخبتها خارج نطاق المعارك وفي المكان الخطأ.

تتعرض القوات العراقية لقصف عنيف ومتواصل في حرب الكويت عام 1991, لكنها تجد ثغرة تستطيع من خلالها احتلال بلدة الخفجي السعودية.

الخفجي خلال عملية عاصفة الصحراء 1991

ومن غير أن تكلف جيوش التحالف نفسها بوضع حماية مناسبة لتلك البلدة الحدودية وفي تلك الظروف, النتيجة كانت تدمير القوة العراقية المهاجمة بعد احتلالها تلك البلدة. إنها خدعة منطقة التدمير، حيث يتم استدراج الخصم ليخرج من مخبئه نحو الفخ، فيتم سحقه فيه.

في حرب احتلال العراق، ترتكب بغداد الخطأ نفسه، بل وأفظع منه, حيث تقتحم القوات الأمريكية مطار العاصمة، فتنخدع بغداد وتدفع أحد ألوية الحرس الجمهوري الخاص المدرعة مع خيرة قوات النخبة للمواجهة في أرض المطار المفتوحة, تنسحب القوات الأمريكية ثم تقصف القوات العراقية المنتشرة في المطار وتبيدها كليًّا في أكبر مذبحة لأفضل القوات العراقية على مدارج المطار وضواحيه.

مطار بغداد

بعدها تمارس القوات الأمريكية لعبة الاستدراج بالقوة, حيث تدفع عدة مدرعات للظهور على أرض المطار ثم تنسحب, فترتكب بغداد خطأ آخر بزجّها ما تبقّى من أفضل القوات المهيأة للدفاع عن العاصمة في هجوم فاشل تحول إلى مذبحة أخرى قضت على ما تبقى من دفاعات, وكانت النتيجة انهيار دفاعات بغداد بعد هجومين فاشلين أحرق فيهما النظام آخر أوراقه.

المخادعة السوقية والتعبوية أحد أركان العقيدة العسكرية الأمريكية, وهي لا تتلخص بحركات ومناورات قواتها فحسب؛ وإنما تستند أحيانًا إلى تصريح بسيط أو تناقض بسيط في التصريحات كما ورد أعلاه, أو ربما التظاهر بالضعف والعجز أحيانًا.

الحرب المحتملة

ينخدع البعض اليوم ربما بحجم القوة التي تحشدها واشنطن في الخليج، مع ما يرافقها من تصريحات تصدر من مصادر عليا في البيت الأبيض والبنتاجون، ويستغرب البعض أيضًا من طريقة تعامل واشنطن المتساهل مع بعض الاستفزازات التي تصدر من إيران وحلفائها, مثل: إسقاط إيران طائرة أمريكية مسيّرة من طراز “جلوبال هوك” في الخليج العام الماضي, إضافة إلى القصف الروتيني المتواصل للقواعد الأمريكية في العراق والسفارة الأمريكية المحصنة في بغداد.

الطائرة المسيرة الأمريكية – جلوبال هوك

 لكنّ من عايش الحربين السابقتين، واطّلع على تفاصيلهما بدقة؛ ينظر إلى الأمر بريبة أكبر, كونه مقتنعًا تمامًا بأن المخادعة حاضرة في العقل الأمريكي, وسوف تكون حاضرة أيضًا إذا ما اندلعت الحرب التي لن تبدأها واشنطن إلا وهي مقتنعة تمامًا بأنها حرب ناجحة بكل المقاييس.

وفي الوقت نفسه، نعتقد أن قيادة إيران السياسية والعسكرية، ستكون قادرةً على وضع خطط مخادعة فعّالة للحرب المحتملة قبل أن تبدأ وأثناءها، ما يجعل تلك الحرب ملهمة للعبقريات العسكرية، وغنية بالمفاجآت والمفارقات والمخادعات والرسائل الخاطئة.. هذا إن حدثت طبعًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
كتبها
هشام العلي

باحث وخبير عسكري عراقي

مشاركة
أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram