سياسة

نهاية سنوات التناغم: توتر العلاقات الأمريكية الإثيوبية.. وسد النهضة في الحسبان

على مدار عقود اتسمت العلاقات الأمريكية الإثيوبية بالاستقرار إلى حد كبير لدرجة وصلت إلى التناغم، ذلك أن واشنطن رأت في أديس أبابا فرصة للتمدد إفريقيا عبر دولة من بين الدول الأسرع نموًا في القارة السمراء.

وهكذا دعمت الولايات المتحدة إثيوبيا بشكل كبير في كافة المجالات الإنسانية والأمنية والاستراتيجية. لكن في الآونة الأخيرة بدأت العلاقات بينهما في اتخاذ منحى آخر، خاصة بعد الأحداث الأخيرة في إقليم تيجراي، والتي شهدت جرائم عنف ومجازر، وتهديد بمجاعة في حال استمرار الصراع.

ونتيجة لتلك الأحداث فقدت إثيوبيا جزءًا من ثقة الولايات المتحدة لها، فبدأت الإدارة الأمريكية في فرض عقوبات اقتصادية وقيود دبلوماسية للضغط من أجل وقف أعمال العنف واستعادة الاستقرار في الإقليم مرة أخرى.

اقرأ أيضًا: صراع تيجراي وحكومة آبي أحمد.. الحرب على “موارد إثيوبيا” والغطاء سياسي

من جانبها، اعتبرت أديس أبابا أن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة، بمثابة تدخل في شؤونها الداخلية. هكذا اتجهت العلاقات الأمريكية الإثيوبية إلى مربع التوتر، ولم تكن أزمة سد النهضة أيضًا غائبة عن هذا التوتر.

أبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي
أبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي

العلاقات الأمريكية الإثيوبية.. 4 مليارات دولار وأكثر

تصف شبكة “بي بي سي” إثيوبيا بالحليف الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية في القارة الأفريقية، مستشهدة بتصريح لتيودروز تيرفي، رئيس جمعية الأمهرة الأمريكية، قال فيه: “لا توجد لدى أي دولة إفريقية أخرى علاقة مع الولايات المتحدة مثل إثيوبيا”.

تتمثل ملامح هذا التقارب حتى في الداخل الأمريكي، إذ يحتل الإثيوبيين المرتبة الثانية بعد النيجيريين من حيث أعداد المغتربين في الولايات المتحدة، ويلعبون دورًا كبيرًا التأثير من أجل دعم سياسات إصلاحية في بلادهم.

تلقت إثيوبيا من الولايات المتحدة أربعة مليارات دولار حتى عام 2019 موجهة فقط للجهود الإنسانية والمشاريع التنموية، بخلاف المنح الأخرى الخاصة بالأمن

في المقابل يعتمد النفوذ الأمريكي في إثيوبيا على المال بشكل رئيسي، إذ تلقت إثيوبيا أربعة مليارات دولار أمريكي حتى عام 2019 موجهة فقط للجهود الإنسانية والمشاريع التنموية، بخلاف المنح الأخرى الخاصة بالأمن، والتي تبلغ قيمًا غير معروفة على وجه الدقة.

صعود وهبوط في العلاقات الأمريكية الإثيوبية

رغم التناغم الذي يسود العلاقات الأمريكية الإثيوبية بشكل عام، إلا أنه لا يمكن القول إن العلاقات بينهما مستقرة دائمًا، فهي تمر أحيانًا بمحطات صعود وهبوط.

في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، كانت الولايات المتحدة حليفًا قويًا لإثيوبيا، حتى أن الجنود الإثيوبيين قاتلوا إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وإلى جانب القوات الأمريكية في الحرب الكورية. لكن بعد الإطلاحة بسيلاسي عام 1974، انفتحت إثيوبيا على الاتحاد السوفيتي لتكون مورد للسلاح والمال، والتأثير الأيديولوجي بطبيعة الحال.

ثم بعد سقوط النظام العسكري بثورة 1991، عادت إثيوبيا إلى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن تتعزز العلاقات بين البلدين عقب هجمات 11 سبتمبر تحت مظلة “الحرب على الإرهاب”.

كما تلعب إثيوبيا أدوارًا رئيسية في جهود حفظ السلام بأفريقيا. وهي أيضًا، وفقًا لرويترز، شريك استخباراتي مهم بالنسبة للدول الغربية، خاصة في مجال رصد وتتبع العناصر المتطرفة في منطقة القرن الأفريقي.

التوتر من تيجراي

بدأت العلاقات الأمريكية الإثيوبية في التوتر انطلاقًا من إقليم تيجراي، إذ انتقدت الولايات المتحدة أعمال العنف التي شهدها الإقليم مؤخرًا.

وفي نوفمبر الماضي، أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قوات عسكرية إلى الإقليم الواقع أقصى شمال البلاد، بغرض اعتقال ونزع سلاح قادة جبهة تحرير شعب تيجراي المسيطرة على الحياة السياسية في هذا الإقليم على مدار العقود الثلاثة الأخيرة.

تيجراي
بدأت العلاقات الأمريكية الإثيوبية في التدهور على خلفية الحرب في إقليم تيجراي

وقالت حكومة أديس أبابا، إن هذه الخطوة جاءت ردًا على “هجمات عسكرية متكررة من عناصر الجبهة ضد معسكرات الجيش الإثيوبي”.

وبعد أسابيع من المعارك بين قوات أديس أبابا وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، سيطرت قوات أديس أبابا على عاصمة الإقليم.

هذه السيطرة لم تعنِ وقفًا كاملًا لأعمال العنف وإطلاق النار، إذ استمرت المواجهات ولو بصورة غير نظامية. لتأتي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، وتدين “الانتهاكات غير المقبولة” لحقوق الإنسان في الإقليم، مطالبةً بوقف كامل وفوري لإطلاق النار.

وفي حين اعتمدت حكومة آبي أحمد على قوات إريترية وأخرى من إقليم أمهرة الإثيوبي، لإحكام السيطرة على إقليم تيجراي، طالبت إدارة بايدن بانسحاب هذه القوات من الإقليم، لتورطها في انتهاكات لحقوق الإنسان.

هذا وكان وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، وصف ما يحدث في تيجراي بـ”التطهير العرقي”، على خلفية طرد قوات الأمهرة لسكان الإقليم.

مع تفاقم الأحداث، أعلنت الولايات المتحدة فرض قيود على منح تأشيرات دخول لمسؤولين إثيوبيين وإريتريين متهمين بتأجيج الصراع المستمر في الإقليم منذ شهور، قائلةً إن هؤلاء المسؤولين “لم يُقدموا على اتخاذ إجراءات ملموسة لإنهاء الأعمال العدائية”.

تتهمهم بتأجيج النزاع المستمر منذ ستة أشهر في إقليم تيجراي الإثيوبي، مشيرة إلى أن هؤلاء “لم يتخذوا إجراءات ملموسة لإنهاء الأعمال العدائية”. كما أعلنت فرض قيود “واسعة النطاق” على المساعدات الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا.

في المقابل، وردًا على تلك الإجراءات، أصدرت الخارجية الإثيوبية بيانًا قالت فيه: “إذا استمرت القيود الأمريكية فستضطر أديس أبابا إلى إعادة تقييم العلاقات مع الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يكون له تبعات تتجاوز علاقاتنا الثنائية”، واصفة “التدخل الأمريكي” بـ”غير اللائق وغير المقبول بالمرة”.

سد النهضة في الحسبان

تعتبر قضية سد النهضة الأولى بلنسبة لإثيوبيا، والمتعلقة بمعظم المتغيرات على مستوى السياسات الخارجية للبلاد، خاصة أنها تثير أزمة واسعة النطاق، تضم مصر والسودان كطرفين أساسيين متضررين من السد.

ومرّ ملف سد النهضة بمراحل كثيرة على مستوى العلاقات الأمريكية الإثيوبية، سواءً أثناء فترة ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، أو حتى في فترة ولاية الرئيس الحالي جو بايدن.

في البداية، كانت الولايات المتحدة من بين القوى العظمى المؤيدة لبناء السد. لكن في نهاية ولاية ترامب طرأ تغير على الموقف الأمريكي، إذ بدأت إدارة الرئيس الجمهوري في اتخاذ موقف شبه عدائي تجاه إثيوبيا، حتى أنها حاولت إجبار حكومة آبي أحمد على توقيع اتفاقية ملزمة حول عمليات ملء السد بما لا يضر كلًا من مصر والسودان. غير أن تمسك إثيوبيا بالرفض، أدى إلى إعلان ترامب فرض عقوبات على أديس أبابا.

عند وصول بايدن للبيت الأبيض، ألغى العقوبات على إثيوبيا، فاستكملت الأخيرة أعمال البناء، وبدأت في الملء الأول، والتخطيط للملء الثاني.

دور مصري يجبر أمريكا على وضع سد النهضة في الحسبان

الدول المصري الرئيسي في إيقاف إطلاق نيران الحرب الأخيرة في فلسطين حيث استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة؛ أعادت من جديد قضية سد النهضة على الساحة العالمية.

سد النهضة الإثيوبي
عادت قضية سد النهضة لدائرة الاهتمام الأمريكي بعد دور مصر في وقف إطلاق النار بغزة

توضح خبيرة الشؤون الأفريقية هبة البشبيشي، العلاقة بين الدور المصري البارز في ملف القضية الفلسطينية، وبين أزمة سد النهضة: “تلك الحرب أوضحت الدور المصري المهم في المنطقة، فبالإضافة لدعمها الشعب الفلسطيني، تمكنت مصر من وقف إطلاق النار”.

اقرأ أيضًا: الإعلام الإسرائيلي: مصر الفائز الأكبر من عملية “حارس الأسوار”.. وتعاظم دورها “ليس في صالحنا”

وتضيف هبة البشبيشي لـ”ذات مصر”: “كانت هذه الحرب بمثابة خطر لأمن إسرائيل، فصواريخ حماس وصلت لتل أبيب نفسها”، لذا عندما تمكنت مصر من وقف إطلاق النار، دفع ذلك الولايات المتحدة إلى الانتباه مجددًا لأهمية الدور المصري في المنطقة. من ذلك، دعمت الولايات المتحدة المفاوضات لحل أزمة السد.

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الأفريقية، أن تعيين الولايات المتحدة مبعوثًا خاصًا لحل أزمة السد، يعني أن مرحلة المفاوضات قد انتهت تقريبًا، وأنه من المتوقع الوصول قريبًا لاتفاق ملزم بشأن هذه الأزمة.

تشتبك إذًا الملفات وتتداخل. وقد ساهمت الإدارة المصرية الفعالة لأزمة القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، وكذلك الانتهاكات الإسرائيلية في القدس المحتلة؛ في دعم الموقف المصري تجاه قضايا أخرى تمس الأمن القومي للبلاد، كما الحال في قضية سد النهضة. هكذا دفعت مصر، بشكل غير مباشر، الولايات المتحدة، للتحرك من أجل حل أزمة طال مداها.

منار حميدو

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى