ثقافة وفن

ما يفسده النرد يصلحه السيد البدوي.. الحلقة الثانية عشر من رواية “العملية كيسنجر”

أحداث هذه الرواية، “العملية كيسنجر”، من خيال مؤلفها، وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث، هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

فعلها حجر النرد..

مُنح توفيق خطاب بعد أعوام كثيرة جدًا فرصة الادعاء بأن أحد أجداده كان ثائرًا عُرابيًا.

دفعت العائلة ثمنًا فادحًا لهذا الانتماء في وقتها. لكن سرعان ما استفادت منه الأجيال اللاحقة، بعد أن انتقلت أحداث 1882 من هوجة مذمومة يُعيّر بها القوم، إلى ثورة مباركة مجيدة تجلب الفخر.

سارت الأمور كما خطط إسحاق بك في مقامرته. ألقى النرد، فاختار لموسى البقاء في جوار الخديوي توفيق، واختار لهارون الالتحاق بعرابي ورفاقه.

مالت كفة الأمر للخديوي..

لقي عرابي هزيمة تعددت أسبابها، لكنها أعادت الخديوي إلى قصره محميًا بجيش بريطانيا العظمى، التي بدأت احتلالها للبلاد، برعاية رأسها حفيد الباشا محمد علي صانع نهضتها واستقلالها.

وككل الثورات، عندما تُهزم أو تخفق في أهدافها، توصم وتلعن بفعل موازين القوى وصفحات التاريخ التي يكتبها المنتصرون، حتى يتلاشى نفوذ المنتصرين وينصفها التاريخ لاحقًا بقراءة موضوعية.

طارد المنتصر وأركان حكمه، العرابيين بالمحاكمات والمنافي والوصم والتجريس. ووجد هارون خطاب نفسه بين هؤلاء المسلسلين بالقيود كأسرى حرب، فيما شقيقه موسى بك الذي نال البكوية مكافأة لولائه وإخلاصه؛ ينعم بجوار الخديوي.

أحمد عرابي

حكمت المحكمة بالإعدام..  

وانتظر هارون خطاب ورفاق له موعد التنفيذ.

ورفض الخديوى شفاعة موسى في شقيقه حتى قُرب موعد تنفيذ الحكم، ما جعل الأب العجوز، إسحاق بك، يغادر سنهوت إلى المحروسة، محاولًا إنقاذ خطته التي وضعها ومعها حياة نجله، فوقع بين يدي الخديوي، مذكرًا إياه بخدماته وولائه للعائلة العلوية، ولوالده الخديوي إسماعيل.

لكن الخديوى توفيق الذي عاصر كثيرًا من هذه القصة أميرًا، صدم إسحاق.

– أما خدماتك فقد كوفئت عليها بسخاء. وأما خيانة نجلك فليست مستغربة إن شابه الولد أباه، فقد رأيتك تقتل ربيب نعمتك إسماعيل باشا المفتش.

وقع الحديث على رأس إسحاق كالصاعقة. لقد ألقي نجله في هذا المصير بمقامرته الأخيرة. سار خلف النرد محاولًا أن يراهن على كل شيء عكس أجداده الذين كانوا يحسمون رهاناتهم في مثل تلك المواقف، سواءً صابت أم خابت.

حاول أن يحدث الخديوي بأن طاعة وليّ الأمر هي رهانه الوحيد، وأنه لذلك قتل المفتش، وأن نجله هارون الشقي، شذّ عن نهج العائلة وأغراه المارقون العرابيون، وأن وجود أخيه موسى في خدمته كولي أمر، دليل على معدنه.

لكن كل ذلك لم يقنع الخديوي الغاضب من كل العرابيين الذين كادوا يحرموه وعائلته من ملكهم، الذي يرونه موروثًا مستحقًا عن الأجداد.

سكت موسى بك عن مصير شقيقه..

أظهر عدم الاكتراث خوفًا من انقلاب الخديوى عليه. وتعهد لنفسه ألا يذكر أخاه حتى أمام مرآته، ولو وصل الأمر للتبرؤ العلني منه، فلن يجد في الأمر أي حرج.

رهان آخر يخوضه موسى خطاب هذه المرة..

يختار حياته وطريقه ومستقبله في الجيش المصري وفي القصر، على حساب حياة شقيقه.

يعرف أنه كان من الممكن أن يكون مكانه، لولا أن ابتسم له حجر النرد. لكنها أقدار، وقد تعلم من والده وسيرة أجداده أن يقبل بقدره، والأرجح أن شقيقه كذلك أيضًا، فيما والده المكلوم يُعافر بلا جدوى، وما أن صدمه الخديوى برفض شفاعته وأبدى إصرارًا على إنزال العقاب بهارون خطاب ورفاقه، حتى عاد إلى سنهوت مكلومًا مشلولًا، وقيل إنه لم ينطق كلمة واحدة منذ خرج من قصر عابدين، ولم يقف على قدمين منذ دخل قصره في سنهوت.

مضي كل منهم في قبول قدره..

أدرك الأب إسحاق، أن سرير مرضه ما هو إلا رقاد تمهيدى للرقاد الأخير، ولا فرصة بينهما لفعل أي شيء سوى انتظار الأجل واجترار الألم.

ونظر الابن الأسعد إلى الأمام، واضعًا شقيقه وعائلته كلها خلف ظهره، متخففًا من أعبائها وفواتيرها، متشبثًا بمكانه ومكانته والطريق التي تمهدت أمامه في مدينة السُلطة، ليكون ظلًا لأفندينا.

وتأهب الابن الشقي لنفاذ حكم المحكمة التي قضت بإعدامه، حيث أخرجوه من محبسه، ووجد نفسه وسط رفاق آخرين يرفلون في قيودهم، ويسيرون كقافلة باتجاه محطة القطار، وكأنه موكب جنائزى غير مكترث به.

العملية كسينجر

لكن شيخ العرب سيدي أحمد البدوي كان له قول نافذ.. 

علم الشقي هارون خطاب أن نفاذ الحكم سيكون في الإسكندرية، ما دفع بعض المحكومين لطلب الأمنية الأخيرة من قائد القافلة، بزيارة السيد البدوي بطنطا وقراءة الفاتحة، وطلب شفاعته في قبول التوبة قبل انقضاء الأجل.

كانت التعليمات قبول الأمنية الأخيرة للمحكومين بالإعدام، طالما أمكن تحقيقها. وتصادف أن وصلت قافلة الموت إلى طنطا في الليلة الكبيرة لختام مولد سيدي أحمد البدوي. وكانت تلك مناسبة كبرى يحضرها كبار رجال الدولة ومشايخها، وعلى رأسهم الصدارة العظمى “فخامتلو” جناب أفندينا الخديوي توفيق.

وجود الخديوي في الليلة الكبيرة، دفع قائد قافلة الموت إلى الانتظار على رصيف محطة طنطا حتى ينتهي الاحتفال الشريف ويغادر أفندينا.

لا يصح أن يدخل مساجين محكومون بالإعدام، المشهد البدوي الشريف في حضور وليّ النعم.

قضى الخديوى ليلته في أجواء روحانية حتى مطلع الفجر، حيث غادر بعد أن ودعه كبار رجال الدولة إلى القطار الخصوصي. ومن النافذة، لمح على الرصيف المقابل المحكومين مُكَوّمين بين نائم وغافل. سأل عنهم، فقيل له إنهم عُرابيون ذاهبون ليُنفذ فيهم حكم الإعدام بالإسكندرية، فأصدر فرمانًا لحظيًا إكرامًا لشيخ العرب، بإلغاء حكم الإعدام، ونفي كل محكوم عليه إلى مسقط رأسه لا يغادره قط حتى يموت.

بينما يزف قائد القافلة الخبر للعائدين من الموت فوق رصيف محطة طنطا، كان موسى بك خطاب يواري جثمان والده إسحاق بك، ثرى سنهوت، الشرقية، بعد أن غادر الحياة مستسلمًا للألم والحسرة والفقد، دون أن يعرف أن السيد البدوي أظهر كراماته وتدخل في أزمة نجله هارون واسترد له الحياة.

اختار هارون خطاب منفاه في مزرعة شبراخيت، مُريحًا نفسه وشقيقه من عبئه، ومنعه فرمان الخديوي من الذهاب ولو لليلة إلى سنهوت، ليخبر والده الراقد في قبره أنه غير ناقم عليه، وأنه تقبل قدره كما فعل هو وأجداده.

أحمد البدوي

فيما وقف موسى بك أمام قبر والده بقدر كبير من الاعتزاز والتقدير لما فعله هو ومن قبله جده حتى يرتدي حلته العسكرية  ويدخل زمرة القادة ورجال السلطان، وتصير تحت يديه عزبة بالشرقية من 500 فدان، ومزرعة في البحيرة من 50 فدان.. هو وتلك الفدادين رصيد تلك العائلة وحصاد رحلتها القاسية.

تمنى أبوه أن يُدفن في أسيوط إلى جوار والده الراحل بعزبة دونالي باشا. لكن العزبة المملوكة لأبناء وأحفاد إسماعيل المفتش، ما كان لها أن تستوعب جثمان قاتل صاحبها.

اكتفى بتشييعه وسط أخواله باسمه الأول الذي منحه لها جده السنهوتي، مسقطًا اسم إسحاق بك -المرتبط في سجلات التاريخ بجريمة قتل المفتش- من على شاهد القبر الذي جرى تحديثه بماء الذهب المنقوش على رخامه: “هنا يرقد إبراهيم بك خطاب بن كمال الدين خطاب السنهوتي من أعيان زمام منيا القمح”.

ظنّ موسى بك أنه سيكون حامل راية تلك العائلة، وأنه سيخوض باسمها غمار مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، فهو في القصر وشقيقه في المنفى. لكن الأقدار رأت أن تُكمل ذرية المنفى المسيرة، على يد جيل جديد رمزه صلاح الدين هارون خطاب، الذي أخذ العائلة وسيرتها في اتجاه آخر أقرب إلى الروح الوطنية، وبلا مقامرات كارثية، وإن لم تخل من محن قاسية.


لقراءة الحلقات السابقة:

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى