ثقافة وفن

زمن صلاح خطاب.. الحلقة الثالثة عشر من رواية “العملية كيسنجر”

أحداث رواية العملية كيسنجر من خيال مؤلفها، وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.


لم تمر إقامة هارون خطاب في منفاه بشبراخيت، هادئة دون تنغيص.

اختار شبراخيت تحديدًا لقربها من كفر الدوار، حيث لمس الناس انتصار عرابي على الإنجليز ونجاحه في منع جيش بريطانيا العظمى من دخول البلاد من ناحية الغرب.

لكن ما الفائدة إذا كانوا دخلوها من الشرق؟

النتيجة واحدة.. جلبت “هوجة عرابي” على مصر الاستعمار بكل ما يمثله من انتهاك للكرامة الوطنية والعزة الإسلامية.

مع الوصم الرسمي الذى جرى دعمه من نخب مختلفة للثورة العرابية، فوجئ هارون خطاب بأهالي شبراخيت يعيرونه بانتسابه للهوجة وما جلبه ورفاقه العرابيين على الوطن من مهانة، بسبب عصيانهم لخليفة المسلمين في إسطنبول وواليه المؤتمن على المحروسة، الخديوي توفيق.

عاش هو وشقيقه موسى بك يتهربون من سيرة والدهم إسحاق بك، قاتل إسماعيل المفتش، في أغلب الأوقات. وعاش الوالد إسحاق يتهرب من سيرة جده (ناحوم الأكبر) كخطاف وخائن، حاول إدخال الفرنساوية إلى عكا في لحظة انقلاب على أحمد باشا الجزار.

وها هو نجله صلاح هارون خطاب مطلوب منه أن يعيش مُعيّرًا بمشاركة والده في الهوجة التي جلبت الاحتلال، حتى وإن كانت مشاركته تلك شكلية، واختارها له حجر النرد بتدبير من والده تحسبًا لانتصار العرابيين وتوليهم الأمر.

كان ثائرًا مزيفًا. لكن يبدو أنه سيدفع الثمن الذي يدفعه الأصليون. ولم تفلح كل محاولات تحسين صورته لا هو ولا غيره.

وعندما عاد عرابي من المنفى، لم يجد من يذكره بخير، حتى أولئك الذين كانوا يرفعون راية الوطنية، قالوا إنه خائن من صنائع الإنجليز، استخدموه لتبرير غزوهم لمصر واحتلالها، فيما هجاه كبار الشعراء.

لذلك اختار هارون لنجله أن يعيش في كنف عمه موسى بك بالمحروسة.

لم ينجب الأميرالاي موسى بك خطاب. واستمر في خدمة الخديوي توفيق، ومن بعده عباس حلمي الثاني، حتى أحيل للتقاعد، واختار أن يلازم عزبة العائلة في سنهوت.

في أجواءٍ أرستقراطية، نشأ صلاح خطاب بالقرب من رجال الدولة والفكر وحاشية القصور. وبين وقت وآخر يذهب إلى شبراخيت ليعرف تاريخ عائلته الذي يجتره والده بمرارة كل مرة، فيستوعب الكثير، ويعرف الكثير مما لا ينبغي أن يعرفه أحد غيره.

لم يبخل الأميرالاي موسى بك خطاب على ربيبه وابن شقيقه صلاح بشيء؛ اهتم بتعليمه في أفضل مدارس الطبقة الأرستقراطية، حتى حصل على البكالوريا. ودرس الحقوق في المدرسة العليا للحقوق. وأوفده إلى باريس لاستكمال دراسة القانون.

العملية كيسنجر
مزج صلاح خطاب بين روح الريفي وشخصية الأرستقراطي، وبين الحياة الغربية التي أقبل عليها في باريس (رسم: بيكا)

في رحلة شباب ممتدة، مزج صلاح خطاب بين روح الريفي التي تشرّبها في سنهوت وشبراخيت، وبين شخصية الأرستقراطي التي عاشها في المحروسة، وبين الحياة الغربية التي أقبل عليها في باريس، ليضعه كل ذلك في منطقة وسط بين العبث والجدة، الانفلات والحكمة، المجون والورع.

اقترب من شباب الفكر والصحافة والسياسة الصاعدين آنذاك، الذين كانوا يقصدون أوروبا في إجازاتهم. تسامر معهم ودخل في مجموعاتهم، وانشغل بانشغالاتهم. وحين عاد إلى مصر، وجد مكانه جاهزًا وسط تلك النخبة، كمحامٍ مفوه، وخطيب مسموع الصوت، ليجد مصر قد تبدلت بها الأحوال بعد عزل الخديوي عباس حلمي الثاني، وفرض الحماية البريطانية عليها.

أفرز المجتمع مقاومته للاحتلال بكافة الأشكال، حتى مع مهادنة السلطة وتحالفها مع الإنجليز؛ ومن ذلك توظيف الثقافة والمعرفة في مناهضة الاستعمار.

سعى البعض، مدعومين من الخديوي عباس حلمي الثاني، من أجل إنهاء الاحتلال وإعادة مصر المحروسة إلى عصمة الخلافة العثمانية. وحاول البعض الآخر الذهاب إلى استقلالٍ تام عن كل القوى العظمى، وبناء أمة مصرية مستقلة.

كان صلاح خطاب من البعض الأول في نصف مسيرته وحتى سقوط الخلافة العثمانية، مبديًا الولاء المطلق للأسرة العلوية التي كانت تراه ابن الأميرالاي موسى بك خادمها المخلص لسنوات طوال. على إثر ذلك انطلق بنشاط قانوني وثقافي مناهض للاستعمار ومدافع عن السرايا، وكان محل رضا ومباركة من الوالدين موسى وهارون.

ذاع صيته كخطيب مفوه وكاتب صاحب بيان. لكن مناهضته للإنجليز ودفاعه عن السرايا في وقت كان القصر في حليفًا للاحتلال بعد مرحلة عباس حلمي الثاني، وصانعًا للسلطان ومن بعده الملك؛ بدى متناقضًا، في ضوء محاولته الدائمة لإثبات أنه مع شرعية الأسرة الحاكمة وضد الإنجليز.

بطحة عرابى التي وصمت والده هارون، مازالت تحركه خوفًا من بطش السلطة التي علمته تجارب أجداده أنها تربح دائمًا، وفي جميع الأحوال.

ساير صلاح خطاب جيله في العداء للاستعمار. لكن عقدة أبيه مازالت تطارده. ربما كانت تلك الحماسة في مواجهة الإنجليز سببها في الأصل تلك العقدة التي ورثها عن والده الذي انضم للعصيان ضد الخديوي. وإن خفف من أثرها انتسابه عمليًا لعمه الذي تكفل بتربيته، الأميرالاي موسى بك، ظل الخديوي في وقت تلك الفتنة.

البعض من رجال القصر كان يعرف ذلك كله، واعتبروه ومجموعة أخرى من المتعلمين والكتاب والشعراء والخطباء المفوهين؛ أداة لصناعة توازن في شعبية القصر، خاصة مع سيطرة قضية الاحتلال والاستقلال على كل النقاشات العامة.

جزء من هذا التوازن كان يحتاجه القصر بسبب سياسة صاحب العظمة، السلطان فؤاد الأول، المهادنة للإنجليز. وفي الوقت نفسه حرصه ألا يظهر أمام الناس بمظهر المفرط في القضية الوطنية، ما يسمح للسياسيين والنواب من معارضي القصر للمزايدة عليه وعلى وطنيته.

كانت معادلة صعبة

لم يرد السلطان إغضاب سلطة الاحتلال، وهو يعلم أنه جلس على عرشه بقرار من المعتمد السامي البريطاني في القاهرة، وأن القوة البريطانية هي التي عزلت والده الخديوي إسماعيل، وسندت أخيه الخديوي توفيق، وعزلت ابن أخيه الخديوي عباس حلمي الثاني، وجعلت من عمه حسين كامل، أول سلطان في مصر بعد فصل ارتباطها بالسلطنة العثمانية.

استخدم القصر صلاح خطاب وكثيرون معه للسيطرة على منابر الخطابة في المنتديات والصالونات والمحاضرات، بإطلاق حناجرهم في مهاجمة الاحتلال، وفي الوقت نفسه ضمان ألا يقترب الغضب من القصر والدفاع عن السلطان الذى يشاطر الشعب آماله وأحلامه في الاستقلال التام.

أخلص صلاح خطاب في مهمته التي لم يكلفه بها أحد مباشرة، وإنما صاغها لنفسه، وصنع منها دورًا يتلاقى مع إرادة القصر، ويعبر عن ولائه لرأس السلطة وعائلته، مع عدم ابتعاده عن جهاد جموع المصريين المستحق للخلاص من الاستعمار.

رغم ذلك، وانتصارًا للولاء على القضية، خطب خطبًا قوية مهاجمًا سعد زغلول ورجالات حزب الوفد المغضوب عليهم من القصر، وساند المنشقين عن الوفد والوزارات غير الوفدية، ونُشرت خطبه ومحاضراته ومقالاته وكلماته الرنانة في الصفحات الأولى للصحف.

ساند القصر لكن القصر لم يسنده

اعتقلته سلطات الاحتلال البريطاني بعد محاضرة في جامعة القاهرة ألهب فيها حماس الطلاب ضد الاستعمار، فخرجوا في مظاهرة حاشدة تطالب بالاستقلال وإنهاء الاحتلال، تخللتها مصادمات أدت لإصابات بين طلاب الجامعة والجنود.

العملية كيسنجر
وجد صلاح خطاب نفسه مقيدًا محبوسًا في أحد معسكرات الجيش البريطاني (رسم: بيكا)

وجد صلاح خطاب نفسه مقيدًا محبوسًا في أحد معسكرات الجيش البريطاني. لم يحدث انقلابًا أو زلزالًا كما كان يتصور. لم تخرج مظاهرات حاشدة تطالب بالإفراج عنه. لم يتواصل القصر أو مسؤول فيه مع الإنجليز لإطلاق سراحة. صمتت الصحف الوفدية وذات الهوى الوفدي عن اعتقاله. وأمسكت الصحف المقربة من القصر عن الكلام، واتخذت نهج الديوان.

قال لنفسه فيما يتأمل وضعه في محبسه:

– لا عدلي يكن نفع ولا سعد زغلول شفع.

كان منطقيًا أن ينتظر من عدلي نفعًا، فقد انحاز له في أكثر من معركة، وربما راهن على مروءة سعد كونه مقاومًا للاحتلال. لكن يبدو أن هجومه الجارح على زعيم الأمة، كان أقوى أثرًا من مناهضة الزعيم للإنجليز، فيما كانت غصته الكبرى من القصر الذي كان يتصور أنه في ظهره.

وما هي إلا أيام حتى تم تقديمه للمحاكمة بتهمة الاعتداء على الجنود الإنجليز. ورغم دفاعه عن نفسه بمرافعة حماسية رجت القاعة، إلا أن المحكمة أصدرت قرارها بحبسه ستة أشهر.

قضى صلاح خطاب أشهر السجن يفكر في ما هو فيه. يتذكره آباءه وأجداده. والفوارق كبيرة بينه وبينهم. على العكس هو يغسل الكثير من سمعة هذه العائلة ومحطاتها التاريخية الغارقة في دسائس السلطة وخياناتها ورهاناتها وخيباتها. لا مشروع شخصي له أكثر من توريث أبنائه اسمًا لا بطحات عليه، يكون سورًا يعزل ما مضى من تاريخ العائلة، ويضع فاصلًا بينه وبين ما هو آت.

خرج من محبسه إلى مزرعة سنهوت. اعتكف عامين متواصلين يقرأ ويتابع ويعيد الحسابات ويشرف على أعمال العزبة ويعزز وجوده بين الأخوال في كل الزمام، حتى عرف الجميع أنه ألف الاعتزال وارتضاه لنفسه.

فجأة قطع عزلته بالترشح لانتخابات مجلس النواب. دشّن حملته الانتخابية بخطبة ملتهبة هاجم فيها الملك فؤاد بعد اعتدائه على الدستور ومهادنته الاستعمار، وأعاد تذكيره بشقيقه الخديوي توفيق وما سيكتبه التاريخ عنه بعد استقوائه بالإنجليز.

العملية كيسنجر
قضى صلاح خطاب أشهر السجن يفكر في ما هو فيه. يتذكره آباءه وأجداده. الفوارق كبيرة بينه وبينهم (رسم: بيكا)

ولأوّل مرة، افتخر بكونه نجل ضابط عرابيّ ثائر، مطالبًا بإعادة الاعتبار للزعيم ابن مديرية الشرقية، كونه كان مناضلًا ضد التدخل الأجنبي في بلاده، مؤكدًا أن الانجليز احتلوا مصر من قبل دخولهم بعساكرهم، وما سيطرتهم على موازنة البلاد منذ وقت الخديوي إسماعيل إلا شكلًا من أشكال الاحتلال الذي حاول عرابي مقاومته.

عاد صلاح خطاب للحياة العامة

وهذه المرة مرتكزًا على سيرة والده رفيق عرابي، مقدمًا نفسه شخصًا بعيدًا عن أرستقراطية القصور، كونه الفلاح ابن الشرقية، وابن الثائر الذي أفلت من حكم الإعدام.

وفتح خطابه نقاش كبير لإعادة تقييم الثورة العرابية، وانصافها بعيدًا عن الوصم وتوصيفات مثل “الهوجة” و”المجموعة المارقة”.

كانت تلك فائدة مهمة، وإن كان صلاح خطاب قصد منها إعادة تأسيس تاريخ عائلته باتجاه هارون “الثائر” بن إبراهيم كمال خطاب السنهوتي، وليس باتجاه موسى بن إسحاق بن ناحوم البوشناقي.

بنى حائط النضال الوطني في تاريخ العائلة، وهدم غير ذلك من حوائط.


لقراءة الحلقات السابقة:

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى