ثقافة وفن

رمية نرد.. الحلقة الحادية عشرة من رواية العملية كيسنجر

أحداث هذه الرواية “العملية كيسنجر” من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

ظلت لعنة قتل إسماعيل باشا المفتش تطارد إسحاق بك، الذي ترسخ لديه اعتقاد بأن مصرع نجله الأكبر (توفيق) بعد بضعة أشهر فقط من موت المفتش كان أحد ثمار تلك اللعنة، التي كلفت أيضا الخديو إسماعيل عرشه.

تحت هذا التأثير عاد إسحاق بك إلى سنهوت تاركا المحروسة والقصر والمهام الجديدة التي وُعد بها من الخديو إسماعيل ونجليه، الأميرين توفيق وحسن، اللذين شهدا صنيعه وولاءه للعائلة، ما جعل نجليه، موسى وهارون، بعد تخرجهما من المدرسة الحربية يصعدان في خدمة الأميرين حتى صار موسى حارسا شخصيا للأمير حسن، وهارون حارسا للأمير توفيق.

في سنهوت، لم ينسَ إسحاق بك سوء عمله في ربيب نعمته المفتش، فالعزبة التي ينعم بها في هذا الزِّمام عطية الخديو مكافأة له على هذا القتل.

الحلقة 11 من عملية كيسنجر

أنصفته تلك العزبة من أخواله الذين طردوه وأباه وحرموهما من الميراث، لكنها لم تنصفه من نفسه، على العكس وجد هناك كل آلام الماضي حاضرة، كأنه وقف أمام مرآة تكشف ما خلف هذا الوجه المستكين الذي يجلب التعاطف، وكان بوابة عبوره إلى قلب الهانم والدة إسماعيل صديق، ومن ثم إلى حياة أكثر رغدا ورفاه في كنف ولدها المفتش ورضيعها الخديو.

التمس لنفسه العذر..

– هل كان مطلوبًا منه أن يعصي أمر الخديو ويشارك المفتش قيوده الحديدية، ويقبع معه في قاع النهر؟

سأل نفسه وأجاب..

لكن صوتا من داخله وصل إلى مسامعه وقال إن الأمر مع صعوبته كان من الممكن أن يسلك معه مسلكا آخر، لا يُغضب الخديو.. ويحفظ عهده وولاءه مع المفتش أيضا.

يكفي أن ينفذ للخديو أمره بإحضار ختم المفتش، وأن يخبر الأخير بنوايا الخديو لعله يستطيع التصرف، فيستغل حصانته العثمانية في الهرب إلى الأستانة، أو الاختباء بين العائلات الكبرى المؤيدة له في نهجه، أو بين قبائل العربان الرُحّل الذين مكنهم المفتش من تملك الأراضي والاستقرار بين الفلاحين من أهل البلد.

أمام مرآة نفسه وجد لعنة أخرى..

رجح أنها السبب فيما أصاب ثلاثتهم (هو والخديو والمفتش) ومن قبلهم سعيد باشا، إنها لعنة (السُخرة).

هناك في سنهوت وسائر زمام منيا القمح وجد عشرات العائلات المكلومة بفقد أبنائها، لا تعرف إن كانت الحياة لا تزال تدب في أوصالهم أم ماتوا في حفر قناة السويس ودفنوا في ممرها.

عشرات العائلات عرفت أن أحد البكوات من بلاط أفندينا استقر عندهم في عزبته بسنهوت فجاءوا إليه متعلقين بالأمل ومتشبثين بالإنسانية، لعل البك يساعدهم في معرفة مصائر أبنائهم.

وقعت تلك المطالب على إسحاق بك وقع الصاعقة، هؤلاء الرجال الموجوعون والنسوة الملتاعات لا يتوسلونه المساعدة والدعم.. إنهم يحاكمونه، هكذا رأى إلحاحهم كأنه إلحاح محقق في جناية يعرف تماما أنه ضالع فيها ضلوعا لا شك فيه.

عمال يحفرون قناة السويس

تذكر إسحاق بك كل شيء.. منذ تم تكليف إسماعيل صديق وعدد من مفتشي المحروسة ومديرى المديريات ومشايخ البلد، بتنفيذ لائحة الوالي سعيد بتدبير عمال حفر قناة السويس وفق الامتياز الذي منحه للشركة بإشراف من الأمير إسماعيل، ولى العهد والخديو فيما بعد، وهو يعمل مع المفتش في تنفيذ اللائحة باستحضار آلاف الفلاحين المصريين إلى محطة الفرز بالزقازيق، والدفع بمن تنطبق عليه الاشتراطات الصحية إلى معسكرات الحفر ومواقعه على طول خط القناة.

كانت الشرقية كلها من اختصاصه، لذلك فكل هؤلاء المفقودين هو من كان يشرف على جلبهم واستعبادهم قسرا مقابل قروش زهيدة بلا مؤن من طعام أو علاج أو ماء صالح للشرب.

لوهلة تخيل جده ناحوم الأكبر في بلاد البوشناق حين كان أهالي القرى المسيحية يهرعون إليه ليعرفوا مصير أبنائهم، وهو الخطاف النخّاس الذي سيّر العصابات لجلبهم وبيعهم في أسواق الرقيق، وما كانوا سيفعلون به حين علموا أنه المسؤول عن اختفاء أبنائهم وبناتهم.

هل يمكن أن يعرف هؤلاء أنه كان مسؤولا في ديوان السُّخرة، وأنه ممثل السلطة التي استعبدت أبناءهم لسنوات حفر القناة، وكيف سيفعلون به؟

مثل قتله للمفتش..

كان أيضا ينفذ أوامر عليا في ديوان السخرة.. هذا قرار ولي الأمر وليحمل لعنته وحده.

هل يمكن أن يطلع أحدهم على كشوفات ديوان السخرة ويجد اسمه ضمن العاملين في هذا الأمر؟

ولو..

سيجد اسم إسحاق أفندي خطاب.. والناس هنا في سنهوت لا يعرفون شيئا عن اسم إسحاق الذي أخذه في عزبة دونالي باشا.. ففي سنهوت هو إبراهيم خطاب، نجل كمال الدين خطاب، وابن بنت الشيخ السنهوتي، وأخواله من السنهوتية موجودون ومعروفون للعيان في كل الزمام.

لأول مرة بدأ التماس العذر لأخواله

بعدما مر به وشاهده من دسائس ومؤامرات وخيانات واغتيال وإيذاء، بعضه كان شريكا فيه، عرف أن أخواله الذين اعترضوا من البدء على تزويج أختهم من رجل كنبت شيطاني لا يعرفون أصله وفصله، فشاركهم نسبهم واسم عائلتهم ثم أموالهم وأطيانهم، كان لديهم مبرر على الأقل أقوى من مبررات الخديو في قتل أخيه بالرضاعة وإخفاء جثته في قاع النهر.

***

عاش الرجل حياة هادئة في عزبته بسنهوت، حاول خلالها أن ينقطع عن المحروسة ورجالها وقصرها وبلاطها، ولم يكن له منفذ على الأحداث إلا من زيارات نجليه موسى وهارون، الضابطين في الجيش المصري وفي الحرس الأميري.

رافق أحدهما الخديو توفيق والثاني الأمير حسن، وبين حين وآخر يزوران والدهما ويطلبان النصيحة، خصوصا في التعامل مع دسائس القصر ومكائده.

سمع من نجليه حكايات عن زيارات الخديو للأستانة واستقباله هناك، وعن السلطنة وحاضرتها الرئيسية ومجتمعها.

حتى دخل الشقيقان الرهان..

حكى الضابطان لوالدهما عن أحمد عرابي وهوجته التي بدأت تتناقلها الألسن وتكون حديث المصريين الأول، خصوصا في زمام منيا القمح، والحديث عن عرابي الفلاح ابن الشرقية، الذي وقف في وجه السلطة ورفض تمييز الضباط الشراكسة على حساب المصريين، ونجحت جهوده ورفاقه في عزل ناظر الجهادية عثمان باشا رفقي وتولية محمود سامي البارودي مكانه.

رأى إسحاق إن عرابي مصيره إلى صدام كبير مع السلطة.. فالنجاح في اقتناص شيء من السلطة رغم إرادتها يُغري بمزيد من المطالب.. ما يعني مزيدا من الصدام، وحتى إن توقفت مطالب عرابي عند عزل ناظر الجهادية، فقد استعدى السلطة والأرجح أنها تُعد حاليا للخلاص منه، وما قصة إسماعيل المفتش ببعيدة!.

تعرف السلطة جيدا أن من ينجح اليوم في عزل قائد الجيش سيسعى غدا لعزل الخديو..

كان هذا هو تحليله للموقف في مصر المحروسة، أنهاه بطمأنة نجليه بأن أي صراع مع السلطة الحالية محسوم لصالحها وأن وجودهما في كنف تلك السلطة يعني أنهما في أمان تام.

لكن تلك الطمأنينة تبدلت إلى قلق كبير..

أحمد عرباي على فرسه

شرارة تلك الثورة لم تترك قرية في مصر إلا وكان لها فيها أنصار، ولم يكتفِ عرابي بعزل عثمان رفقي وإنما نجحت جهوده في إجبار الخديو على عزل الحكومة وتشكيل أخرى برئاسة محمد شريف باشا، والتي وضعت دستورا جديدا للبلاد، وواجهت التحرش الإنجليزي الفرنسي المدعوم من الخديو بالشؤون الداخلية المصرية، ثم استقالت وشكل محمود سامي البارودي الوزارة، وجاء عرابي فيها وزيرا للحربية.

تسارعت الأحداث حتى ضرب الأسطول الإنجليزي مدينة الإسكندرية، واستقبل الخديو في قصر الرمل  بالإسكندرية قائد الأسطول البريطاني الغازي، وانحاز إلى الإنجليز ضد الجيش المصري بزعامة عرابي، ما جعل الجمعية الوطنية ومشايخ الأزهر يقضون بخروجه عن الشرع والقانون.

ولأشهر طويلة لم يستطع الإنجليز دخول مصر من الغرب وانتصر جيش عرابي في كفر الدوار وأجبر الجيش الإنجليزي على الانسحاب، فكان للانتصار دوي ساحق جعل الكفة تميل نحو عرابي الذي انحاز له معظم جموع الشعب وأمراء في العائلة المالكة، ما جعل بقاء الخديو في منصبه على المحك.

هنا تغير الموقف، الذي سبق وحلله إسحاق بك لنجليه، تماما، ما جعلهما يلجآن من جديد لمشورته وهما الضابطان في الجيش المصري الذي يترأسه عمليا أحمد عرابي فيما يخدمان في بلاط الخديو.

وكان هذا رهانا صعبا..

وضع موسى وهارون أمام والدهما مخاوفهما من انتصار عرابي، فوقتها سيعدهما خائنين لأوامر الجيش وربما يأمر بقتلهما، ولو أعلنا تأييده وخرجا عن طاعة الخديو ونجح الأخير بالاستمرار في السلطة والقضاء على عرابي فسيعدمهما أيضا.

كان القرار صعبا على إسحاق.. أي مقامرة سيدخلها على حياة نجليه!

ثورة قاب قوسين أو أدنى من التمكين وفرض كلمتها بانتصار مذهل على الغزاة.. وحاكم معه شرعية الإرث ودعم القوتين الأعظم في العالم.

تأبى حسابات المنطق أن تنير له بوصلته في الاختيار.. لم يتوقع أن يعيش نجلاه محنة المقامرات الكارثية التي عاشها أجدادهما، وأن يكون الفشل في الرهان لا ثمن له إلا الحياة.

أمسك حجر النرد وقلّبه بين يديه وهو يصيح كأجداده حين كان يتفتق ذهنهم عن حل لمعضلة كبرى:

– وجدتُها..

قالها ثم استرسل شارحا قصده وحجر النرد يدور أمام ثلاثتهم بعد أن ألقاه:

– أحدكما سيعلن تأييده لعرابي والالتحاق به.. والثاني سيجدد ولاءه للخديو حتى آخر العمر..

لم يفهم الضابطان شيئا، فيما تبادلا النظرات وكل منهما يتحسس رقبته حتى أزاح إسحاق اللثام عن مقصده كاملا..

– إذا انتصر عرابي فسيلتمس من يلتحق به لمن لم يلتحق فيجنبه العقوبة.. وإذا انتصر الخديو سيتشفع من جدّد ولاءه لمن خرج عن الطاعة فتخفف عنه العقوبة. 

حسنا سيلتحقان بالجبهتين في ذات الوقت، لكن من سيلتحق بعرابي ومن سيبقى مع الخديو؟

أشار إسحاق إلى حجر النرد: – هذا من سيحسم ويختار.. 

وطلب من كليهما أن يلقي النرد.. صاحب الرقم الأعلى سيبقى مع الخديو، وصاحب الرقم الأقل سيلتحق بعرابي…

وقد كان ما أراد النرد.

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى