ثقافة وفن

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

أحداث هذه الرواية من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة

موكب صاحب القصر

نهرني سيادة اللواء قائد فريق الضبط، حين طلبت من مديرة المنزل الأسترالية أن تصعد إلى الطابق العلوي، لتخبر (توفيق بك) بوجودنا، وتطلب منه النزول.

أصر اللواء على أن نصعد بكل هيبتنا لضبطه من فرشة نومه قبل أن يستوعب ما يجري، وأن تبدأ عملية التفتيش حالا وفي كل مكان داخل القصر.

علمت أن هناك رغبة واضحة في التعامل معه بخشونة وغلظة.

لم أعرف سر تلك الرغبة إلا بعد أن سمعت أحد زملائي يتوقع أن يعود الرجل إلى منزله قبل أن تنتهي أول 4 أيام من الحبس الاحتياطي، حكى لي أنه شارك في إعداد محضر تحريات سابق عنه، ما حرك جهاز الكسب غير المشروع لاستدعائه والتحقيق معه وحبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات، وقبل أن يبيت أول ليلة في محبسه كان العالم ينقلب متحدثا عنه كأننا حبسنا (بيل جيتس).. دول كبرى تضغط وتطالب بالإفراج الفوري عنه، ومنظمات تعرب عن قلقها، وبرامج توك شو تتحدث عنه.. ونشرات أخبار تتصدرها صورته، وعناوين صحف تربط بين القبض عليه وانهيار البورصة، حتى تم الإفراج عنه بعد اليوم الأول، إذعانا لتلك الضغوط وليس حسما بالقانون.

هذه المرة إذن غير.. 

بدأت أفهم سر هذه الإرادة الخفية في التعامل معه بخشونة، هذه أمور يفهمها ضباط المباحث تحديدا.

أن يكون لديك يقين يكاد يكون مكتملا بخطورة متهم وباكتمال نظرتك لمخالفاته وجرائمه، لكن القوانين لا تسعفك، والإجراءات لا تساعدك في الإيقاع الكامل به، فينفذ من بين ثغرات الضبط والطعون الإجرائية ليبتعد عن حساب العدالة الذي يستحقه.

لذلك نعتبر أحيانا عملية الضبط في حد ذاتها كأنها عقوبة، والأرجح أن الإرادة صدرت بعقاب (توفيق خطاب) ابتداء، قبل أن تُفتح معه تحقيقات ويُعرض على النيابة، أو يستقوي بأحد في الخارج، وتتحرك كتائبه الإعلامية لدعمه، أو تبدأ جيوش محاميه في اكتشاف ثغرات ينفذ منها.

صعدت القوات للطابق العلوي بالقصر، وسيطرت عليه.. اقتحمت غرفته وغرفة زوجته وغرف بناته، وقمتُ بالتفتيش اللازم، طلبت منه أن يرتدي ملابسه فورا وتحفظت على هاتفه المحمول، فيما توجهت أنا لغرفة مكتبه بالطابق الأرضي.. حرزت كل الأوراق الموجودة به، لم يبق أمامي غير الخزانة الفولاذية المغلقة.. خرجت أطلب من أحد الموجودين الصعود لجلب مفتاح الخزنة من صاحبها، في اللحظة التي ظهر (توفيق خطاب) هابطا في المصعد الداخلي للقصر محاطا بحراسة مشددة والكلابشات في معصميه.

كانت المرة الأولى التي أراه فيها.. رجل سبعيني تكاد الُحمرة تطغى على لون بشرته البيضاء حتى لا تعرف إن كانت حمرة طبيعية أم بسبب انفعالات الموقف الذي يمر به.

بدا هادئا وصُلبا، كأنه لم يُباغَت بما يجري، توقعه أو أخبره به أحد، أو يعلم سبب تلك الغضبة ويرى  ما يجري خطوة منطقية تلي هذا الغضب.. نعرف نحن ظاهر ما يجري، لكن كل الكواليس والمعطيات والمقدمات كانت حاضرة تماما في رأسه خلال تلك اللحظة.

لكن انزعاجه ظهر بمجرد أن بدأ سيادة اللواء في التقاط الصور له بالكلابشات، كان اللواء حريصا على توثيق كل خطوة في خطوات القبض عليه بالصور، في وقت لاحق عرفت أن أحد المواقع الإلكترونية كان ينشر أخبار عملية الضبط لحظة بلحظة، وبالصور، كأنه في بث على الهواء.

تقدمت نحوه وطلبت مفتاح الخزانة الفولاذية، فطلب من ابنته المفزوعة أن تسلمه لي في هدوء. اصطحبتني ابنته حتى الخزانة وهي تبكي، أدخلت الأرقام السرية، ثم طلبت إحضار أبيها ليضع بصمته على شاشة الفتح.

سمح اللواء بفك الكلابشات وتقدم (توفيق خطاب) حتى غرفة المكتب ووضع بصمة إبهامه على الشاشة فاستجابت، وفتحت بابها وسط قلق “خطاب” الذى بدأ يُهدد ويتوعد:

  • أي تبديد في محتوياتها هاحملكم المسؤولية كاملة

حرزت ما بداخل الخزانة من أوراق.. وجدت “هارد ديسك” في جراب أسود عليه ستيكر أحمر معنون بكلمة واحدة (صفقتي).. لم يكن هناك وقت كاف لفرز محتويات الهارد، فطلب مني اللواء جلبه مع باقي الأحراز، وسط اعتراض توفيق خطاب، الذي استمر يشير إلى أن “الهارد” يحتوي صورا شخصية ومكاتبات لا علاقة لها بالعمل، واعتبر ذلك انتهاكا لخصوصيته، وسأل اللواء:

  • هل إذن النيابة يسمح لكم بكل هذا؟ 

كانت ابنته الكبرى – التي تساعده في أعماله – أكثر تماسكا من شقيقتيها، وتحاول إجراء اتصالات كثيرة دون جدوى، لأن الشؤون الفنية عطلت شبكة الهواتف المحمولة وفصلت الخطوط الأرضية، حتى فقدت أعصابها وبدأت في الاشتباك مع أحد الضباط، وبين وقت وآخر تؤكد على والدها ضرورة الاتصال بعدد من الأشخاص، بعضها لأسماء معروفة.. محامون كبار ومسؤولون في مصر ودول عربية ومسؤول أمريكى، وبعضها لأسماء أجانب لم نكن نعرف هوياتهم.

قال اللواء لتوفيق خطاب إنه مقبوض عليه وسيتم اقتياده لمديرية الأمن وبعدها سيعرض على النيابة العامة، وبعد خروجه مع القوة يمكن لأسرته أن تُهاتف من تشاء ليلحق به في المديرية أو النيابة.. طلب “خطاب” أن يجري بعض المكالمات بنفسه قبل الخروج مع قوة الضبط، وبعد شد وجذب شديدين سمح له اللواء بمكالمتين فقط، ومن الخط الأرضي.

في المكالمة الأولى هاتف محاميا مصريا معروفا بكلمات مقتضبة وكأنها تغريدة.

  • أيوة يا وحيد أنا اتقبض عليا من بيت المناشي وواخديني على مديرية الأمن، والجماعة لموا كل الورق اللي في البيت.

وفي المكالمة الثانية طلب رقما دوليا وتحدث بالإنجليزية لفترة أطول مع امرأة، يظهر من لهجته في الحديث معها أنها تعمل في مكتب شخص أمريكي يبدو مهما في الإدارة الأمريكية أو فىي مجتمع الأعمال الأمريكي. لم أستطع التأكد في حينه، وكان في حديثه بعض الحدة واللوم والوعيد أيضا، كما حاولت التقاط بعض الألفاظ والجمل التي كان منها:

          Please tell Jack – 

          These are also your interests, however– 

          I can’t handle more– 

            I expect your support

حاول إجراء مكالمة ثالثة لكن اللواء كان حازما في رفضه، ثم أشار له بضرورة البدء في التحرك.

مد يديه مستسلما مرة أخرى للكلابشات.. بدأ الحركة في اتجاه باب القصر، وهو يوصي ابنته الكبرى بإجراء مزيد من الاتصالات بعدد من الأشخاص.. شدد كثيرا على ضرورة الوصول إلى اسم بعينه، ظل عالقا في ذهني لوقت طويل، وبمجرد الخروج سارعت بالبحث عنه، فعرفت أنه مسؤول خليجي، يُشاع أن لديه صلة وثيقة جدا بعائلة “خطاب”.

*** 

في ساعة مبكرة من هذا الصباح، خرج (توفيق خطاب) من قصره محاطا بقوات الضبط.. الكلابشات في يديه، والكاميرات تلاحقه.. انتشر الخبر فتجمع المصورون والصحفيون أمام باب القصر وانتشروا في شوارع القرية الفقيرة التي يقف فيها هذا القصر مثيرا سؤالا ضخما حول حالة التناقض التي يمثلها.

الفلاحون الفقراء يشاهدون “البيه الكبير” يتحرك أمامهم على الزراعية باتجاه سيارات الشرطة التي حرص اللواء على إبعادها قليلا عن محيط باب القصر، ليضمن أن يمشي الرجل (توفيق خطاب) في موكب القبض عليه مسافة تسمح بـ”الفُرجة عليه”.

لا أعرف بالضبط ما كان يدور في ذهنة حينها، لكنني كنت أشاهده يتأمل وجوه الفلاحين والصيادين والموظفين وسائر سكان القرية الذين اصطفوا على جانبي الطريق لمتابعة ما يجري، وكأنه يراهم لأول مرة، ويكتشف وجودهم، ويتجنب نظراتهم، وألسنتهم التي تحوقل وتسبح وتتحدث عن العزة والذل، وحكمته سبحانه المعز المذل.

بعضهم بدا أنه يحاول أن يرى “البيه الكبير” لأول مرة على الحقيقة، يسكن الرجل في قلب قريتهم بعد أن “استوطنها” منذ ما يقرب من 30 عاما، ولا يعرفهم ولا يعرفونه.. لا أثر يظهر لوجوده خارج أسوار قصره العتيدة.

القرية فقيرة فى خدماتها.. في شكل البيوت.. في شوارعها الطافحة دائما بفيض آبار المجاري “الطرنشات”.. في الرطوبة التي تأكل جدران مبانيها.. في غياب صرف صحي.. في مسجدها الكبير الذي ما زال ينتظر دوره في خطة الوزارة للتطوير.. في الوحدة الصحية الخالية من الإمكانات والأجهزة.. في نسب الفشل الكلوى بفعل غياب المياه النقية عن عدد كبير من منازل القرية.. في البيوت التي ما زالت تشرب مباشرة من مياه النيل.. في طريق داير الناحية الذي يحيط بالقرية ويستحيل الحركة عليه وقت غزارة المطر.. المعديات المتهالكة التي تنقلهم إلى الناحية الأخرى من النهر، حيث مواقف المواصلات والحركة.

لا تذهب بك كل هذه المشاهدات إلا إلى نتيجة واحدة.

هذه قرية لم تجد من يمد لها يدا، وما زال رهانها الوحيد على البرامج الحكومية التي بدأت بتطوير القرى في انتظار أن يُصيبها الدور.

أين توفيق خطاب إذن؟ 

هل انعكست جيرته بالإيجاب على القرية ومستوى الخدمات بها؟

الواقع يجيب عن هذا السؤال.. وكذلك نظرات الموظفين البسطاء المتسمرين لمشاهدة (الكبار وهما واقعين في بعض.. الباشا اللواء والبيه الكبير)، ويتحدثون عن الرجل الذي كان يمكنه في لحظة كتلك أن يجد تعاطفا من امرأة هنا أو رجل هناك، وأن يسمع همسا شاردا أو حَسْبنة فيمن يأخذونه منهم.. لكنه لم يزرع لمثل هذا الحصاد.

جاورهم بلا منفعة.. على العكس دخل معهم في صراعات واستولى – بحسب همهماتهم – على مساحات تخصهم، واعتدى على حرم الطريق، وهددهم بنفوذه وكان في يديه أن يستثمر هذا النفوذ لنفع عام، وحرر المحاضر ضد بسطاء منهم، بدعوى أن حميرهم ومواشيهم وهي تعبر الطريق من أمام القصر، تترك روثها أمام البوابات.. واتهمهم في برنامج تليفزيوني أنهم أحد أسباب أزمة الدولار، حيث قال في تحليله لزيادة الطلب عليه، أن أهل القرية التي يسكن إلى جوارها يرفضون تشغيل بناتهم وأبنائهم في قصره، وذلك يضطره لاستقدام خدم من جنوب شرق آسيا يدفع لهم بالدولار!

لذلك يعرف الناس أنه لا يراهم سوى مجرد خدم لا أكثر، لا يواسيهم في حزن، لا يهنئهم في فرح، ولا يدعمهم في محنة.

يتجنبهم ويحصّن أسواره منهم بزعم أنهم الجياع الذين يحقدون عليه بسبب ثرائه، وينتظرون شرارة للسطو عليه.

ويتجنبه الناس أيضا داعين الله أن يكفيهم شره، طالما لم يذوقوا منه طوال جيرته عسلا، واكتفى بقرصهم كلما دفعتهم بعض المصادفات للاقتراب.

لماذا زرع قصره إذن وسط هذا الفقر المدقع؟

ربما كانت مسألة نفسية.. محاولة لاستعادة إحساس الإقطاع وإحياء نموذج العزبة.. وربما كانت اقتصادية بحتة، وهذا قد يكون الأرجح.. أرض أرخص في موقع فريد على النيل مباشرة، في لحظة تاريخية كان الفساد عنوانها والتواطؤ – المدفوع – يسمح له بالتوسع والبناء ولحم جزر نيلية بالشاطئ، وسط أناس بسطاء لا تصل أصواتهم بسهولة، مسدودة أمامهم قنوات الشكوى، مرفوعة في وجوههم العصي الغليظة، وجاهزة ضدهم الاتهامات بالحقد والحسد والابتزاز.

هل كان يمكن أن يجد فرصة للسكن في قلب النيل أرخص من تلك؟!

لقراءة الحلقة الأولى (اضغط) لقراءة الحلقة الثانية (اضغط)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى