ثقافة وفن

فى بلاط أفندينا.. الحلقة العاشرة من رواية “العملية كيسنجر”

أحداث هذه الرواية “العملية كيسنجر” من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

فى عزبة (دونالي مصطفى أغا باشا) بأسيوط، كان إسحاق خطاب وذريته من بعده على موعد آخر مع قدر ليس مختلفا، والأرجح أنه يشبه في بعض تفاصيله شيئًا مما مضى من تاريخ هذه العائلة.

كان الباشا قائدا مهما في الجيش المصري، معاونا ومساعدا مقربا من القائد التاريخي إبراهيم باشا.. قيل إنهما كانا صديقين مقربين، وإن هذه العزبة بأسيوط كانت إحدى عطايا إبراهيم باشا.

السلطة في ذلك الوقت وربما فى الأوقات اللاحقة، كانت هي الباب الأهم لنيل الثروة، واعتمد كبار الموظفين وقادة الجيش على عطاياها التي كانت تمثل مئات الأفدنة من الأراضي الزراعية.

نال “دونالي أغا” عطيته عزبة أسيوط، ونال عطية أخرى حين تزوج إحدى وصيفات القصر، فصار، ليس فقط صديقا ومساعدا لإبراهيم باشا، وإنما أشبه بعديله، حيث كانت زوجته صديقة ووصيفة خوشيار هانم، زوجة إبراهيم باشا، ومرضعة نجله الأهم والأبرز، الأمير إسماعيل الذي كان يُعد ليكون ولي عهده لو صارت أقدار السلطة على نمطيتها.

سمَّى دونالي أغا نجله إبراهيم تيمنا باسم الباشا، وسمّى نجله الثاني إسماعيل صديق تيمنا باسم الأمير، وتآخى الإسماعيلان في الرضاعة، وتشاركا ثديي الهانم كما تشاركا مساحة شاسعة من العمر.

ظن إسحاق أنه ثالث الإسماعيليَين..

ليس في وجاهتهما، حيث مضى قدر الأول ليكون خديو مصر الأهم، والثاني ليصبح المفتش خازن بيت المال وأشهر وزير مالية في تاريخ البلاد، لكنه ناله من عطف الهانم والدة إسماعيل صديق فيضا غامرا، حتى حدثته نفسه أنه لو كان قد وُجد رضيعا في هذه العزبة لربما شارك الإسماعيليَين صدر أمهما الحنون.

وجدت الهانم في الصبي إسحاق، الذي يُتّم في عزبتها، مأساة تثير شفقتها، خصوصا بعد أن عرفت الكثير من ملامح قصة عائلته ومآسيها، فأولته رعايتها، وألحقته بخدمة ولدها الأثير إسماعيل صديق، فلازمه كظله، وناله حظ من التعليم، على هامش ما نال مخدومه.. ودخل معه بلاط الحكم، واقترب من إسماعيل الأمير بحكم قرب أخيه في الرضاعة.

العملية كيسنجر.. صورة من زواج في العصر الخديوي

وعلى درب من دخلوا القصر.. تزوج من جارية أعتقها له الأمير إسماعيل، وانخرط في أعمال كلها تدور في فلك إسماعيل صديق كحارس شخصي، ومعاون إداري.. وأنجب 3 أبناء ذكور، سمّى الأكبر توفيق، تيمنا باسم الابن الأكبر للأمير إسماعيل (الخديو توفيق فيما بعد)، والثاني والثالث التوأمان موسى وهارون، كامتداد لجزء من تاريخ عائلته.

استقر كما تمنى له والده – أو هكذا ظن – صحيح في وسط إحدى دوائر السلطة، لكنه اعتقد أنها دائرة هادئة، ينال منها عبر المفتش خيرها، ويحجب عنه المفتش ذاته شرها.

تستطيع أن تقول إن إسحاق أفندى خطاب، كان شاهد عيان على رحلة إسماعيل صديق المفتش كاملة، وربما يكون الوحيد الذي تمتع بهذا الوضع حتى في الوفاة الغامضة للمفتش فيما بعد.

تنقل معه ملازما في وظائفه من أول عمله رئيس للإسطبلات “مسير الركائب”  للوالي عباس، ثم مفتشا بالدائرة السنية بمديرية الشرقية.

وهناك اقترب إسحاق من زمام أخواله في سنهوت وراودته نفسه على استثمار وجوده مع المفتش بالشرقية لإعادة طرح قضية ميراثه عن جده السنهوتي، لكنه تذكر نصيحة والده بالابتعاد، واطمأن إلى أن هذا ليس أوان العودة إلى سنهوت.. ومن الشرقية انتقل إسماعيل صديق إلى مدينة (السنطة)، وبعدها صار مفتش عموم الدائرة السنية، وأنعم عليه برتبة الباشوية.

كان إسماعيل صديق حتى ذلك الوقت من كبار الموظفين ليس إلا، ما عزز شعور الاطمئنان عند إسحاق بأن زمن المقامرات والاختيارات والرهانات الصعبة قد انتهى، خصوصا أن أبناءه انفتح أمامهم مستقبل آخر والتحق كبيرهم بالمدرسة الحربية وسيلحقه شقيقاه بدعم من المفتش عند أخيه الأمير، وغدا سيصبحون ضباطا كبارا في الجيش المصري وربما باشاوات وأصحاب عزب.

لكن الاطمئنان كان عابرا غير مقيم.

تغيرت أقدار مصر فتغير معها قدرُه..

مات الأمير أحمد رفعت ابن إبراهيم باشا، والشقيق الأكبر للأمير إسماعيل، وولي عهد ولاية مصر العثمانية، فصعد الأمير إسماعيل ليكون وريثا قانونيا لحكم عمه، سعيد باشا ابن محمد علي، بعد سنوات من تجريب عمه له كولي للعهد بمهام في الإدارة وإعادة تنظيم القضاء والمهام الدبلوماسية والعسكرية أيضا.

لم تمض خمس سنوات حتى صعد الأمير إسماعيل لكرسي الحكم خلفا لعمه سعيد، ليصبح خديو مصر، ويصعد معه إسماعيل صديق بعد تدرج في المواقع والمناصب ليصبح (الخديو الثاني)، كما كان يُقال عنه، كونه الرجل الثاني القوي في هذه البلاد، ويجد إسحاق أفندي خطاب نفسه قريبا جدا من قمة السلطة في مصر.

عاش إسحاق رجلا في فيض كرم إسماعيل المفتش كما كان يعيش صبيا محاطا بعطف الهانم والدته.. منحه المفتش بيتا قريبا من قصره في ميدان لاظوغلي.. وأعطاه 50 فدانا في شبراخيت كانت أول ما تمتلكه العائلة في مصر خالصا مخلصا لها بلا تنازعات ولا إشكالات.

لمس إسحاق كرم المفتش وجزيل عطائه، ليس عليه فقط، وإنما على سائر الأهالي في البلاد.. شاهد أثره في استغلال منصبه فيما ينفع الناس.. صحيح أنه بنى لنفسه، ورفع اسمه حتى صار صاحب حظوة ومكانة عند السلطان العثماني نفسه وليس فقط خديو مصر، وعاش كالخديو في إنفاقه، لكنه اهتم بالتعليم ونظم الجهود الأهلية في تنظيمه وبنى المدارس ودبر تمويلها، واجتهد في تمصير النظارات وإصلاح السكك الحديدية، وتنظيم الري، ومجاراة طموح الخديو إسماعيل في تحديث مصر وفرنجتها.

إسماعيل باشا المفتش
إسماعيل باشا المفتش

لكن لعنة هذا الطموح، كما أصابت أصحابه أصابت إسحاق وأصابت مصر كلها..

فتح ملف الإنفاق والاستدانة خلافا واسعا بين الأخوين، الخديو وناظر ماليته، وحين صارت الديون مبررا للتدخل الأجنبي ومدخلا لصراع إقليمي واسع بين القوى الكبرى وقتها، إنجلترا وفرنسا، وبين السلطان العثماني.. وتصاعد انتقاد الخديو علنا في أرجاء المحروسة بتسببه في تلك الأزمة..

وكان لا بد من كبش فداء

أقنع أبناء الخديو أفندينا بأن الدولة صار لها رأسان.. وأن الرجل الحاصل على النيشان العثماني صار ندا للخديو ولا يمكن لغير السلطان عزله.. وأن أزمة الديون التي تثير غضب الناس في المحروسة تُستغل كباب للإساءة لأفندينا ومقامه.. وأنه يعصي أوامر أفندينا، وإرساله للمحاكمة في الآستانة بعيدا عن نفوذ القاهرة سيفتح الكثير من المسكوت عنه، وقد ينتهي لإدانة الخديو نفسه.

حسم أفندينا أمره

وفي سياق هذا الحسم أدخل إسحاق في دوامة جديدة يوضع فيها على محك اختيار صعب، ليس في صعوبته شيء حتى الموت.

مطلوب منه أن يكرر سيرة أسلافه وأن يختار، وهذه المرة بين الخديو وظله. لمرة ظن أنه ثالث هذين الإسماعيليين في عطف مرضعتهما، فإذا به يقف بينهما الآن، مطلوب منه الإجهاز على أحدهما ليبقى الآخر، ولا بديل أمامه غير الانصياع، حتى لو كان سيقطع اليد التي امتدت له بالخير كله.. ويقضي على ولي نعمته وابن أمه العطوف التي لم تنجبه ولم ترضعه.

حدث كل شيء فى يوم واحد..

استدعى الخديو إسحاق أفندى وطلب منه أن يجلب له الخاتم الخاص بالمفتش.. ووعده بالعطية والبكوية.. واستدعى أبناءه والمجلس الخاص من كبار الأمراء، ومر على المفتش في قصره وأخذه إلى نزهة في سرايا الجزيرة، وهناك عرف المفتش كل شيء.

سأل الخديو إسحاق بوضوح وأمام المفتش:

– أين الخاتم إسحاق بك؟

أخرج إسحاق خاتم المفتش من جيبه وأعطاه للخديو. وقد فهم كلاهما، المفتش وإسحاق، معنى أن ينعم عليه الخديو بالبكوية في تلك اللحظة.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

تجنب إسحاق النظر في عيني المفتش، الذي تصعدت روحه مرات ومرات وكأنها لا تجد منفذا للخروج، وهو يرى ربيب نعمته، إسحاق، يبيعه من أجل البكوية، وشقيقه ورفيق أيامه، الخديو، يجهز لموته.

صعد الخديو الطابق الأعلى تاركا المفتش محبوسا في حجرة، فكتب للمفتش استقالته وختمها بختمه، وأعد مع المجلس الخاص قرارا بنفيه إلى دنقلا، مشمولا بمستندات اتهام بالتخريب عليه ختمه تحرض على الخديو وتدعو للانقلاب عليه، مع تحميله مسؤولية تفاقم الديون.

هبط الخديو ثانية، وأمر نجله حسن، وزير الجهادية، بأن يأمر الجنود باصطحاب المفتش إلى الزورق لنقله إلى الباخرة المتجهة إلى دنقلا.. تحرك الجنود وسط محاولات المفتش طلب العفو من الخديو.

وفي غرفة على متن الباخرة أودع المفتش.. ودخل عليه إسحاق يقدم له كأسا من الخمر.. أمسك المفتش بالكأس وقذفه في وجه إسحاق:

– بتقدم السم بنفسك لربيب نعمتك يا ابن الخطاف

تماسك إسحاق محاولا عدم النظر إلى عينيه وقصد التعامل بخشونة حتى تصل إلى مسامع الضباط الذين أوقفهم الأمير حسن خلف الباب ليجلبوا له إشارة انتهاء المهمة.

كان يقنع نفسه أن قتل المفتش قدر للقاتل والمقتول، وكلاهما لا يملك من الأمر شيئا، وما على كليهما إلا الاستسلام لهذا القدر والإقبال عليه طوعا.

لكن المقتول لم يستسلم..

العملية كيسنجر.. صورة من العهد الخديوي

قاوم المفتش كثيرا بينما يحاول ابن الخطاف أن يخطف روحه، وفي سياق مقاومته قضم قطعة من إبهام إسحاق، حتى فصلها بين فكيه وبصقها في وجهه.. فهجم إسحاق عليه يحركه الألم والغضب والخوف من بنادق الجنود في الخارج، وشل حركته وقبض على خصيتيه بقوة وعنف فاعتصرهما وسحقهما حتى خارت مقاومته وتحشرجت الأنفاس في صدره وأسلم روحه، فأمر الجنود، فحملوا جثته وربطوها بأثقال وألقوا بها في النيل عند منيل الروضة، فاستقرت في عمقه وابتلع النيل معها سره.

استقر المفتش في مثواه، لكن قاتليه لم يستقروا.. صحيح أن إسحاق حصل، إلى جانب البكوية، على عطية كبرى من الخديو، 500 فدان في برك سنهوت بالشرقية، أضيفت إلى 50 في شبراخيت، وعاد معها إلى زمام أخواله منتصرا مزهوا، لكن الثمن كان فادحا، ولعنته استمرت حتى فقد الخديو إسماعيل حكمه وغادر المحروسة منفيا، وفقد إسحاق بك نجله الأكبر (توفيق خطاب الأول) في سقوط قطار من أعلى كوبري كفر الزيات، بالتزامن مع جلوس الخديو محمد توفيق على كرسي الحكم في مصر المحروسة.

ولم تنته عند هذا الحد تلك اللعنة..

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى