عنصريون حتى الفلسفة

انخرط الفيلسوف المارتينيكي الفرنسي “فرانز فانون” في صفوف جيش “فرنسا” الحرة ضد الاحتلال النازي، ثم انضم لجبهة التحرير الجزائريّة في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وفي الحالتين عاين المفكر الأسمر عنصريّة استخلص أنّها أبعد من أنّ تكون مرتبطة بخطاب معين أو أيديولوجيّة نازيّة أو فاشيّة، بل هي خصيصة ثقافيّة، قد تسم ثقافة بعينها، وتخلو منها أخرى.

انطلاقًا من هذه الفرضيّة يمكن التقدم لرواية حكاية العنصريّة في الثقافة الغربيّة وتحديدًا الفلسفة، وهي حكاية تبدأ أحداثها منذ الأزل، والأزل لدى الغرب هو بلاد الإغريق، مبتدأ الفلسفة، والموطن الأول للمنطق، والرياضيات، والهندسة.

كان “أرسطو” يتمشى مع مُريديه في شوراع “أثينا”، ليُلَقِّنهم أنّ هناك أناسًا عبيدًا بطبيعتهم، وهناك سادة حكام، وعلى المجتمع تقبل تلك الحقيقة، فأي خروج عليها هو اعتداء على الحرية.

قبله كان “أفلاطون” يُحادث تلامذته في الأكاديميّة عن مدينته الفاضلة، واضعًا خطًا فاصلًا لتمييز مواطنيها على أساس عراقة الأصل، مُفوضًا الدولة المُتخيلة في مهمة تزويج أبناء الطبقة الراقية؛ من أجل الحفاظ على جودة النسل، بينما لم يرَ الفيلسوف اليوناني أنّه على الدولة الاهتمام بزواج أبناء الجنس الأدنى في المقابل، كذلك بالنسبة للأطفال، فأطفال الطبقات الدُّنيا، ومن يُولدون بعيوب، أو تشوهات خُلُقيّة ينبغي إخفاؤهم بعيدًا عن الأعين.

"القديس أوغسطين" (345- 430م)

الانتقال من عصر لآخر، وتبديل دين بدين مُغاير لم يتبعه احتجاب العنصريّة، فـ”أوغسطين” (345- 430) فيلسوف العصور الوسطى الأبرز، روّج لها عبر تفسيرٍ للإنجيل، استند فيه إلى العهد القديم، يُبيح كراهية الأجانب، ويُشجع على التخلص منهم، وقادت تلك الأفكار بعد جمعها في كتاب “قبيل الحرب الصليبيّة الأولى”، إلى سلسلة الحملات التي دعا لها الباباوات لتحرير بيت المقدس من “الأعراق النجسة”.

وبجوار “أوغسطين” يقف “توما الإكويني”، كأبرز اسمين بين فلاسفة العصور الوسطى، داعيًّا إلى وصاية الرجل على المرأة، لأنّه أكثر تبصرًا وتعقلًا منها، وأشاع الراهب الدومينيكاني، أنّه لا يوجد غير جنسٍ واحد، المُذكر وما المرأة إلا ذكر ناقص، هي مخلوق مُعيب، وجدير بالازدراء.

هذا الخطاب العنصري ضد المرأة لم يتراجع مع عصر الإصلاح الديني، فيُنقل عن “مارتن لوثر”، أنّه رأى في الزواج عقابًا للمرأة على خطيئة حواء، فينبغي أنّ تصبر على ما يُكلفها به زوجها مهما كان، “مثل المسمار الذي يُدق في الحائط”، تبقى أبدًا في المنزل، لترعى شؤونه لا أبعد من ذلك.

وأوغل المُصلح الديني أكثر في خطابه العنصري، فصوّر التركي المسلم شيطانًا رجيمًا، في حين دعا إلى منع الحاخامات اليهود من إقامة صلواتهم، وإحراق كنائسهم، واصفًا اليهود بصفة عامة بأنّهم “ديدان سامة” إما أنّ تعمل أو تُطرد من المدن الألمانيّة، ومن الخطأ تركهم على قيد الحياة.

مدافعة “العنصريّة” بدعوات “التسامح” مع هبوب رياح “التنوير”، لم تنجح في إقصاء تلك السمة الثقافيّة المتأصلة في الفكر الغربي، فيمكن أنّ تُبصرها بوضوح، تطل برأسها في اعتداد من بين كتابات نُخَب ذاك العصر، منهم المفكر الأبرز للتنوير “إيمانويل كانط”، الذي أوعز أنّ الأمم غير الغربية لا يملك أبناؤها قدرةً على التفلسف، معتبرًا الفلسفة مشروعًا أوروبيًّا.

"إيمانويل كانط" (1724- 1804م)

وتقدم الفيلسوف الألماني بعد ذلك، فقسم في كتاباته الأنثروبولوجيّة البشريّة إلى 4 أجناس: الأبيض، وهو الجنس الأرقى والأكثر قدرة على بناء الحضارات، يليه الجنس الأصفر الآسيوي، وهؤلاء لديهم قابلية للتعلم، لكن لا يملكون أي قدرة على التفكير المجرد اللازم للتفلسف، يأتي بعدهم الأفارقة، وأولئك يمكن تعليمهم لكن ليعملوا كعبيد وخدم فقط، أما المرتبة الأخيرة فيحتلها الهنود الحمر، وهم بحسب “كانط” “كسالى لا يهتمون بشيء”.

تلقف تلامذة “كانط” تلك الرؤية؛ ليُخرجوا “الهند” و”إفريقيا” من تاريخ الفلسفة، ويحصروها في خطٍ ممتد من “اليونان” القديم وصولًا إلى “كانط”، وشاع هذا التوجه لدى الفلاسفة الغربيين، حتى اعتبروا الشرقيين عاجزين عن إنتاج الفلسفة (وهو الرأي الغالب إلى اليوم في الأكاديميّة الغربيّة؛ حيث تقتصر دراسة الفلسفة والفكر بالشرق الأوسط على أقسام الدراسات الشرقيّة، لا أقسام الفلسفة).

حاصرت العنصريّة أفكار منارة أخرى من منارات “التنوير”، الفيلسوف الاسكتلندي “ديفيد هيوم”، فاتّهم الزنوج، والأجناس الأخرى كافةً، بأنّهم أدنى مستوى من الرجل الأبيض، في حين ذهب المُنظر الدستوري الأبرز “مونتسكيو” إلى مشروعيّة جلب السود من “إفريقيا” إلى الولايات المتحدة واسترقاقهم، محذرًا وقتها من الإلغاء السريع لنظام العبوديّة.

الفيلسوف البريطاني "جون ستيوارت ميل" (1806- 1873)

الرأي نفسه ردده نبي الليبراليّة “جون ستيوارت ميل”؛ حيث نسب للشعوب غير الأوروبيّة، انعدام الكفاءة وافتقاد الرشد، مبررًا للاستعمار مساعيه في السيطرة على البلدان الشرقيّة، ولم يمانع في اعتماد نظام الحكم الاستبدادي لإدارة تلك البلاد، فالطغيان هو الوضع الشرعي للحكومة التي تتعامل مع البرابرة.

أما رائد علم الاجتماع “ماكس فيبر”، فأرسي قاعدة من أجل مناهضة السود وعزلهم اجتماعيًّا، أسماها “نقطة الدم الواحدة”، مُقرًا من خلالها أنّ أقل امتزاج بالدم الزنجي، يجعل الشخص غير مؤهلٍ ومستبعد تحت أي ظرفٍ من الظروف.

تبلور هذا النزوع العنصري بحلول القرن الـ19 في المشروعات الفكريّة للفلاسفة الألمان، “فيخته”، و”نيتشه”، و”شوبنهاور”، فآذن ذلك بظهور نظريات علميّة من قبيل “فراسة الدماغ”، التي ربطت حجم الجمجمة بدرجة الذكاء، والتفوق الحضاري، لتحظى بصدى واسع في الأوساط العلميّة وغير العلميّة.

ويروج الأنثربولوجي الألماني “يوجين فيشر” لفكرة تعقيم البشر، بغية بقاء الأفضل، والتخلص من الأجناس الأدنى، كل هذا مَهَّد لظهور النازيّة، التي وضعت تلك الأفكار موضع التطبيق (وقد سبقت الولايات المتحدة النظام النازي بتشريع قانون للتعقيم سنة 1927).

رغم إسقاط هذه النظريات غير العلميّة والمبتذلة، والإقرار- في أواخر القرن الـ20-، بأنّ العرق البيولوجي مجرد خرافة أو اختراع ثقافي لم يقم يومًا على أي أساس علمي، ما زالت الثقافة الغربيّة تتعاطى مع العنصريّة، ولكن بصورة أبعد ما يكون عن المباشرة، وأقرب ما يكون إلى الضمنيّة، تقع عليها في ثنايا المفاهيم والتعبيرات المُستعملة بالساحة الثقافيّة مثل: “القيم الغربيّة”، “الأسلوب الثقافي”، “الثقافة الرائدة”.

مفاهيم تسلطت على واحد من أهم فلاسفة الما بعد حداثيين “جاك دريدا”، ففي موقف فاضح أثناء محاضرة له بـ”الصين” (2001)، زعم المفكر الفرنسي أنّ لا وجود للفلسفة خارج الغرب، وما سوى ذلك هو فكر غير فلسفي، صادمًا الحضور الذي ألقى “دريدا” إنتاج فلاسفتهم عبر التاريخ بعيدًا عن معبد الفلسفة الذي رآه غربيًّا خالصًا.

مجاهرة فيلسوف اللغة الأبرز لعالم ما بعد الحداثة بهذا الرأي الذي لا يخلو من العنصريّة، ناقض الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الما بعد حداثيّة، الداعيّة إلى تجاوز مركزيّة الثقافة الغربيّة، ومنح الهامش أو الأطراف مساحةً أكبر في الفضاء الثقافي، في دلالة على مدى إحكام هذه الخصيصة سيطرتها على الثقافة الغربيّة وممثليها.

حكاية العنصريّة الممتدة على مدار تاريخ الفلسفة الغربيّة تقول: بإنّ ما تنقله الشاشات من مشاهد ترشح عنصريّة ليس جملةً اعتراضيّةً، ولا خروجًا عن النص، فلا يزال لهذه السمة الثقافيّة حضورها في الفكر الغربي، حضورًا لن ينفيه إلا التعاطي مع الثقافات الأخرى، بعيدًا عن منطق التعالي الثقافي والمعرفي، فكما أنّ حياة السود مهمة كذلك ثقافات الآخرين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search