سياسة

العنف في الإقليم السواحلي.. من النزعة الانفصالية إلى السلفية الراديكالية

إن الكشف عن اتهام أحد الأعضاء الكينيين المنتمين لـ”حركة الشباب” بالتخطيط لشن هجمات على الولايات المتحدة، على غرار هجمات 11 سبتمبر، يؤكد الحضور الدائم للجماعة الإرهابية الصومالية في منطقة شرق إفريقيا، وعلى الأهمية الشديدة لإقليم الساحل بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي.

لأكثر من عقد من الزمان، روّعت حركة الشباب المناطق الشمالية من الساحل الإفريقي، الذي يمتد من جنوب الصومال حتى شمال موزمبيق.. وفي الفترة الأخيرة، ظهر تمرد جهادي عنيف على الأطراف الجنوبية من الساحل.

كثّفت جماعة أنصار السنة، المعروفة من بين أسماء أخرى باسم “سنّة الساحل”، أنشطتها العنيفة في محافظة “كابو ديلغادو” في موزمبيق عام 2017، قبل أن تمتد أنشطتها مؤخراً إلى تنزانيا..

إن مخاطر تصاعد الحركات الجهادية على طول الساحل الإفريقي مسألة خطيرة ومتنامية، فطالما عُرِفت منطقة الساحل بأنها إقليم غني بالثقافات المتنوعة التي شكلتها التفاعلات مع التجار وغالبيتهم من العرب. (حيث خضع جزء كبير من إقليم الساحل لحكم سلطان عمان).

نشاط حركة الشباب الصومالية داخل كينيا

وقد تأثر الإقليم بالإسلام على نحو كبير، بخلاف منطقة البحيرات العظمى ذات الأغلبية المسيحية في الغرب، علاوة على ذلك، تُهيمن شعوب “البانتو” العرقية على أجزاء كبيرة من إفريقيا الوسطى، بينما يحتفظ العديد من سكان الساحل بهوية متمايزة عن أقرانهم القاريين، وكما هو الحال في معظم أنحاء إفريقيا، فإن الحدود التعسفية المرسومة خلال حقبة الاستعمار الأوروبي تفصل بين حدود المنطقة، وتجمع سكان الساحل والبر الرئيسي معاً عبر عدة دول.

لقد أرسى انفصال الساحل الإفريقي الأسس لعودة ظهور مشاعر التهميش التي كانت سائدة قبل الاستقلال، ودعا العديد من سكان الساحل، الناقمين على المؤسسات الحكومية والسياسات الاقتصادية التي يُنظر إليها على أنها تُحابي المسيحيين والوابارا (شعب البر الرئيسي)، إلى لا مركزية السلطة، بل إلى الانفصال عن دولهم القومية.

وقد اشتعل هذا الحماس الانفصالي القوي، على نحو خاص في منطقة مومباسا-زنجبار، على يد حركات انفصالية مثل مجلس مومباسا الجمهوري (MRC) وأومشو Uamsho (وتعني “الصحوة” في لغات البانتو السواحلية).

وبينما عانت هذه الحركات من الاجتثاث أو الخمول بعد الحملات القمعية على قيادتهما، فإن الجهود المزمعة لإعادة إحياء دور مجلس مومباسا الجمهوري -والتي قوبلت بالفعل بحملة اعتقالات من قبل الشرطة الكينية- توضّح أن حالة السخط والاستياء لا زالت قائمة إلى حد كبير على طول الساحل.

في هذا السياق، يعتبر الرواج المتزايد للأيديولوجيا السلفية في شرق إفريقيا أمراً باعثاً على القلق، حيث أدت هذه النزعة، التي سهّلتها عمليات الانتقال التاريخي للأفراد والأفكار بين الدول الساحلية الأخرى في إفريقيا والشرق الأوسط، إلى إزاحة الإسلام الصوفي المتسامح، الذي ساد لفترات طويلة إقليم الساحل الإفريقي.

تُبدِي المقاربة السلفية الصارمة العديد من الاعتراضات على الطريقة الصوفية، وهو ما تم توظيفه لتحفيز هجمات حركة “أهل السنة والجماعة” ASWJ في شمال موزمبيق وحركة “الشباب” في الصومال. وتعتبر المنافسة الصوفية-السلفية أقل عنفاً مقارنةً ببقية التيارات، ولكنها تشهد تصاعدا لمستوى العنف أحياناً، كما هو الحال في تنزانيا حالياً.

تنظيم أهل السنة والجماعة في الصومال

وتشير عوامل عدة إلى أن أهل الساحل الساخطين، خاصة الشباب منهم، مُعرَّضون بشكل متزايد لخطر التطرف السلفي، وأول هذه العوامل: حالة البطالة المنتشرة على طول الساحل.

وتتركز البطالة بين الشباب والمتعلمين، وهي التركيبة السكانية التي انخرطت بحماس شديد في التعاليم السلفية على مستوى العالم.. في محافظة كابو ديلغادو، اشتبك مقاتلو حركة “أهل السنة والجماعة” مع شيوخ الصوفية الذين اعتبرتهم الجماعة السلفية الجهادية مبتدعين، إضافة إلى ذلك، ينخرط الشباب في الجماعة السفلية تحت إغراء الحوافز المالية، والتي تأتي في صورة قروض صغيرة لبدء عمل تجاري أو لدفع مهر العروس.

وفي حين اكتسبت حركة الشباب وحركة أهل السنة والجماعة سمعة دولية سيئة بسبب أنشطتهما، فإن الجماعات المتحالفة معهما والتي تركز على تجنيد الشباب في شرق إفريقيا تلعب دوراً خبيثاً في تمكين نجاحاتهما، حيث نجد جماعات مثل مركز الشباب المسلمين (MYC) في كينيا -والذي أعيد تسميته لاحقاً بجماعة الهجرة- وأنصار مركز الشباب المسلمين (AMYCقد قاموا بإرسال مقاتلين إلى الصومال، ومنحوا حق اللجوء للجهاديين العائدين.

وفي تنجا، وهي منطقة ساحلية في تنزانيا، حيث تأسست جماعة أنصار مركز الشباب المسلمين، ظهرت تقارير عن شن هجمات صغيرة بواسطة إسلاميين من حين لآخر، وكشفت الشرطة في الماضي عن معسكرات لتنشئة الأطفال مرتبطة بحركة الشباب.

أيضاً تساعد اللغة السواحلية، كلغة مشتركة في منطقة شرق إفريقيا، الجماعات الإسلاموية على الانتشار في المنطقة، فنجد أن زعيم مركز الشباب المسلمين، “عبود روغو محمد”، وهو إمام كيني متطرف، يستهدف المتحدثين باللغة السواحلية بدعواته المتكررة لإقامة خلافة في شرق إفريقيا.

وسمحت تسجيلات روغو التي يعظ فيها باللغة السواحلية بوصول الآراء الراديكالية إلى الشباب الناقمين في كابو ديلغادو، وكثير منهم يتحدثون اللغة السواحلية، وبعضهم يعرف اللغة العربية بشكل ضعيف أو لا يعرفها على الإطلاق، وهو ما أدى إلى تسارع الانخراط في الراديكالية.

الآن، يستفيد الجهاديون من الروابط اللغوية والثقافية والتجارية لـ كابو ديلغادو مع المجتمعات الساحلية الأخرى -في تنزانيا على وجه الخصوص- لتجنيد الشباب وتوسيع عمليات حركة “أهل السنة والجماعة”. وفي الوقت ذاته، تستخدم حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية، التي انضمت إليه حركة “أهل السنة والجماعة” رسمياً منذ يونيو 2019، اللغة السواحلية في منشوراتهم الإعلامية الأصلية والمترجمة.

أدت العديد من الردود على مثل هذه الأنشطة إلى نتائج عكسية، فبين عامي 2012 و2014، قُتل روغو واثنان من خلفائه في ثلاث عمليات إطلاق نار منفصلة خارج نطاق القانون نُسبت إلى الشرطة الكينية. تسببت عمليات القتل هذه في إشعال أعمال الشغب في مومباسا، ويشير تأثير روغو بعد وفاته إلى عدم جدوى أسلوب “لعبة اضرب الخلد بالمطرقة” التي تحاول إسكات المشاغبين، خاصة أنه تم اتباعها بمداهمة العديد من المساجد والمنازل في مومباسا بشكل مثير للجدل واعتقال المئات.

الإرهاب في موزمبيق

ومع ذلك، وبحسب مجموعة الأزمات الدولية، فإن التحول في الاستراتيجية منذ عام 2015، من “الوطأة الشرطية الشديدة” إلى الاعتماد على “عمليات التواصل المجتمعي”، قد نجح في الحد من تجنيد الجهاديين على طول الساحل الكيني.

لكننا نجد أن تنزانيا وموزمبيق تكرران أخطاء كينيا، فقد فشلت الاستجابة العسكرية المفرطة ضد حركة “أهل السنة والجماعة” في قمع عمليات التمرد المتسارعة.

وفي زنجبار، حيث تطورت حركة “أومشو” من مؤسسة خيرية دينية إلى حركة انفصالية إلى جماعة إسلامية متشددة وليدة، أدت عمليات القمع والاعتقال المتواصل لقادة أومشو إلى حالة من عدم الاستقرار، وحتى الأراضي التنزانية، التي يُنظر إليها على أنها أكثر هدوءًا من زنجبار، شهدت مؤخراً ارتفاعاً في أعمال العنف الإرهابية، وقد ردت قوات الأمن التنزانية، بحسب مجموعة الأزمات الدولية، بحملة اعتقالات تعسفية واختفاء قسري بحق مسلمي الساحل.

لا ينبغي أن تؤدي مواجهة النشاط المتزايد للعنف الإسلاموي في شرق إفريقيا إلى التوقف عن جهود استيعاب الدعوات الانفصالية، فالحركات الانفصالية يمكن أن تتحول بالطبع إلى ممارسة العنف. ومع ذلك، فإن حملات القمع ضد الدعاة المسلمين وأتباعهم قد تؤدي إلى تعزيز موقف المتطرفين في المناطق التي تنتشر فيها النزعة الانفصالية، وكما حذر الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” فإن “نقطة التحول الأخيرة” إلى الراديكالية غالباً ما تكون مدفوعة بعنف الدولة وإساءة استخدام السلطة.

إن التحول من النزعة الانفصالية إلى السلفية الراديكالية المستديمة من شأنه أن يعيد صياغة سرديات الإقصاء الساحلي على أسس دينية أكثر وضوحاً، مما قد يتسبب في مشاكل جديدة للحكومات.

وبينما تعتمد دعوات الحكم الذاتي والاستقلال بقوة على مسائل الهوية، فإنها تظل دعوات سياسية، وبالتالي فهي منفتحة على عمليات الحوار والتسوية. وفي الوقت ذاته، سيؤدي وجود حركة إسلاموية متنامية إلى إعادة صياغة مثل هذه النقاشات بمصطلحات ذات صبغة أيديولوجية صارمة، مما يؤدي إلى سيناريو محصلته صفرية يكون فيه الحوار شبه مستحيل.

المصدر: Council on Foreign Relations

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى