سياسة

العودة عبر البرقع.. شبكات نسوية تُعيد بناء داعش في سوريا والعراق

بمشاركة نحو 5 آلاف مقاتل ورجل أمن، شنت قوات الأمن الداخلي الكردية حملة تفتيش لمخيم الهول، الواقع في شمال شرق سوريا، والذي يضم عشرات الآلاف من مقاتلي وأسر داعش المحتجزين لدى الإدارة الذاتية، منذ انهيار الخلافة المكانية في 2019.

بعد أيام من الحملة التي شنتها القوات الكردية، أعلنت قوى الأمن الداخلي أنها ألقت القبض على 53 مشتبها، من بينهم 5 مسؤولين عن الخلايا الداعشية في المخيم إضافة لنساء عراقيات منخرطات في أنشطة التنظيم داخل الهول.

لم يكن الإعلان عن ضبط النسوة المشاركات في الشبكات الداعشية أمرًا مفاجئًا، فالمخيم الذي يُعتبر من ضمن أكثر المناطق اكتظاظًا داخل سوريا يُمثل آخر البقع الجغرافية التي يجتمع فيها عدد كبير من أسر ومقاتلي داعش (62 ألفا من بينهم 12 ألف امرأة وطفل)، لكن هؤلاء النسوة حولنه إلى ما يمكن وصفه بالإمارة النسوية- الداعشية الصغيرة.

نساء داعش

إعادة بناء التنظيم بسواعد نسائية

انهارت خلافة داعش رسميًا في مارس 2019، واستسلم آلاف المقاتلين والنساء والأطفال للقوات الكردية المدعومة بالتحالف الدولي لحرب “داعش” (يضم 83 دولة حاليًا)، ونقل أغلبهم لمقرات احتجاز أكبرها “مخيم الهول”، في حين أعلن التنظيم أنه سيستمر في القتال بأسلوب الكر والفر أو أسلوب حرب العصابات لهزيمة أعدائه.

تواصلت هجمات داعش بوتيرة شبه ثابتة منذ ذلك الحين، وارتفعت بشكل ملحوظ في ظل تفشي جائحة كورونا عالميًا، وانشغال عدة دول مشاركة في التحالف الدولي بأوضاعها الداخلية، واضطرارها للانسحاب وإعادة التمركز داخل عدة مناطق في سوريا والعراق.

عملت قيادة داعش على إعادة بناء التنظيم وترميم الضرر الذي أصابه، في السنوات الماضية، واستفادت بشكل واضح من العنصر النسائي في هذه المهمة، وذلك وفقًا لتصريحات صادرة عن مسؤولين عراقيين رسميين.

داخل مثلث الموت العراقي الذي يشمل الأراضي الواقعة في نطاق محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك، نشطت نساء داعش في عمليات الدعم العملياتي واللوجيستي، وأعاد التنظيم تفعيل الخلايا النسوية النائمة وأسند لهن نقل الرسائل والأموال والمواد الغذائية ومستلزمات الإعاشة لخلاياه المنتشرة داخل المثلث وفي تلال حمرين التي تتواجد فيها خلاياه بشكل ملحوظ.

ويقول المسؤولون العراقيون إن تنظيم داعش عمد لتجنيد نساء وأقارب عناصره السابقين والحاليين، لأنه يسهل عليهن اجتذابهن وتجنيدهن مقارنة بغيرهن، خصوصًا في ظل القيود الأمنية والاستخبارية المفروضة على وجوده داخل العراق، واستمرار الحملة ضده.

وألقت قوات الأمن العراقية، في وقت سابق، القبض على 5 نساء كن مكلفات بنقل الأموال والرسائل لصالح عناصر التنظيم في منطقة تلال حمرين بالقرب من محافظة ديالى العراقية.

وعلى الناحية الأخرى من الحدود، واصلت الشبكات النسائية الداعشية، عملها داخل سوريا، وركزت الخلايا الموجودة داخل مخيم الهول وغيره من معسكرات الاحتجاز على فرض نمط الحياة الذي كان موجودًا داخل معاقل داعش المنهارة، وتتبع واستهداف العناصر التي تعمل مع قوات سوريا الديمقراطية، ومعاقبة كل من يخرج على الفكر الداعشي أو يصرح بعدم اقتناعه بأفكار التنظيم.

وحسب تقرير سابق لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فإن نساء داعش شكلن مجالس سرية لمراقبة الحياة الخاصة لسكان المخيم في محاكاة للشرطة الإسلامية أو الحسبة التي أنشاها التنظيم داخل مناطق سيطرته سابقًا، وعملت تلك المجالس على ملاحظة أفكار المتواجدين داخل المخيم الذي لا زال تحت الحراسة والمراقبة الكردية، والتأكد من اعتناق المحتجزين للأفكار الداعشية تمامًا كما كانت تفعل ما تعرف بلجنة أمن المجاهد التابعة لديوان الأمن العام الداعشي سابقًا.

وتشير تقارير سابقة إلى أن نساء داعش يحرصن على تخريج جيل جديد من الإرهابيين، عبر تلقين الأطفال المبادئ والمناهج الداعشية وتحريضهم على القتال عندما يكبرون.

ومنذ بداية عام 2021 شهد المخيم عمليات قتل واغتيال غير مسبوقة، ليسجل خلال 3 أشهر فقط مقتل نحو  47 عراقيًا وسوريًا، مقارنة بمقتل 40 آخرين خلال العام المنصرم، وتزامنت العمليات داخل المخيم السوري مع زيادة واضحة في عدد العمليات الداعشية خارج المخيم، ونجاح التنظيم في الحفاظ على الزخم العملياتي الذي اكتسبه خلال الفترة الماضية، ومواصلة الهجمات داخل مناطق سوريا والعراق وغيرهم.

مقاتلات داعش

شبكات مالية موازية ونشاط تهريبي

وفي ظل الصحوة التي شهدها داعش، ارتفعت عمليات تحويل الأموال لنساء التنظيم داخل المخيم، ونجحن في الحصول على أسلحة ومستلزمات إعاشة، واستخدمن بعضها في دعم العمليات التي تتم داخل المخيم.

ويعتمد التنظيم على شبكات مالية موازية وغير رسمية في نقل الأموال لداخل المخيم، وتتم هذه العمليات عبر نظام الحوالة الذي يتضمن نقل الأموال عبر وسطاء ماليين داخل سوريا والعراق، وتتم التحويلات عبر عمليات رسمية وغير رسمية ويحصل القائمون عليها على نسبة من المبالغ المحولة تُحدد حسب كل مبلغ.

وذكر تقرير سابق لوزارة الخزانة الأمريكية أن داعش حول جزءًا من احتياطياته النقدية التي تُقدر بنحو 100 مليون دولار، إلى نساء وعناصر التنظيم داخل مخيم الهول في سوريا، كما ابتكرت نساءه طرقًا لجمع التبرعات من مناصري ومؤيدي التنظيم، وحثهم على تحويل الأموال لتخليصهن من قبضة القوات الكردية.

ونجحت عضوات بالتنظيم في الفرار من مخيم الهول عبر مهربين محليين، عن طريق تأمين تبرعات مالية بهدف توفير طرق مختلفة لعمليات الفرار والهروب التي تتم مقابل مبالغ مالية كبيرة تتراوح ما بين 3500: 15 ألف دولار.

وقدر مركز معلومات روفاجا الكردي المعني بشؤون الإرهاب عدد الهاربين والهاربات من مخيم الهول في العام الماضي بنحو 200 شخص، في حين اعتبر محللون أمريكيون أن هذا الرقم قد يكون أقل من الرقم الحقيقي.

داعش

تحذيرات من هروب جماعي

على وقع عمليات الهروب المتكرر للنساء والعناصر الداعشية من مخيمات الاحتجاز، ارتفعت التحذيرات الأمريكية والدولية من الخطر الذي يُشكله نساء داعش في الفترة الحالية، وحذر تقرير سابق للمفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون من عمليات هروب جماعي لعناصر داعش وذويهم من سوريا.

وحسب تصريحات أدلى بها مسؤولون أمريكيون لوسائل إعلامية فإن العنف المتزايد داخل مخيم الاحتجاز يًنذر بخروج الاوضاع عن السيطرة في داخل تلك المخيمات.

وقالت ياسمين الجمل، مستشارة الشرق الأوسط السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية، إن الاوضاع في داخل الهول وغيره من مخيمات الاحتجاز مقلقة، مضيفةً أن معدلات العنف والهروب الحالية تؤكد على أن التنظيم ينوي استخدام المخيم كقاعدة عمليات جديدة.

وفي نفس الوقت، حذر تقرير حديث نشرته مجلة “nationalinterest” الأمريكية من أن التعامل الخاطئ مع نساء داعش سيؤدي إلى تنامي خطر الكتائب النسائية الداعشية، خاصةً أن هؤلاء النسوة لا يتم إخضاعهن لنفس التدقيق الذي يمر به نظرائهم من الرجال الذين انخرطوا في صفوف التنظيم، وبالتالي فإن استمرار الأوضاع الحالية سيؤدي إلى مشكلة كبيرة داخل الشرق الأوسط.

محمد كرم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى