العولمة والإرهاب العالمي.. متلازمة الحداثة التي لن تنتهي

سعود الشرفات

كاتب وباحث أردني

لا أغالي إذا ادّعيت اليوم بأن الحديث عن الآثار السلبية للحداثة – بشكلٍ عام- المُفضية إلى العولمة المعاصرة على ظاهرة الإرهاب العالمي لم تعد مثار جدلٍ أو إنكارٍ كبيرٍ في كافة الأوساط السياسية والفكرية والفلسفية في العالم.

من هنا فإنني ما زلت أُحاجج بأن هناك آثاراً متبادلة بين سيرورة العولمة وظاهرة الإرهاب حيث يتجلى لنا هذا التبادل في الآليات والصيرورات التي تبدأ بها سيرورة العولمة بمساعدة ظاهرة الإرهاب على التوسع والانتشار محمولة على ظهر آليات العولمة التكنولوجية في الاتصالات والمواصلات والفضاءات الافتراضية – الهجينة.

في المقابل فإن ظاهرة الإرهاب العالمي ساعدت أيضاً في نشر وتوسع سيرورة العولمة التكنولوجية، والسياسية، تحديداً عبر إجبارها “الأطراف الفاعلة من الدول” على فتح فضاءاتها الداخلية والخارجية والتنازل – أحياناً – عن سيادتها بغية محاربة الإرهاب والدخول مع العالم في شركات مزعجة في كثير من الأحيان من خلال التحالفات الدولية ضد الإرهاب العالمي.

الإرهاب كان وما زال وسيبقى محايثاً للمقدس، و للبشر والنشاط والتطور الإنساني وللأفكار، والثقافات، والإيديولوجيات، كما للأخطاء البشرية، خاصةً لدى أصحاب القرار والأحزاب السياسية والسياسيين. مثلما إن هناك أياماً في التاريخ لها ما بعدها.

من هنا فإن غزو أفغانستان واحتلال العراق والحرب العالمية على الإرهاب والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وعولمة الإرهاب بالشكل الذي نختبره اليوم، كلها من نتائج ومخالفات أيام الحرب الدامية للمجاهدين الأفغان ضد السوفيات خلال الفترة 1979-1989م.

ففي هذه الحرب الدامية التي امتدت لعقد من الزمان، قتل ما يقدر بــ 1,000,000 مدنياً فضلاً عن 90,000 مقاتلاً من المجاهدين و18,000 من القوات الأفغانية، و14,500 جندياً سوفيتياً. ثم اندلعت الحرب الأهلية بعد الانسحاب ومهّدت السبيل لاستيلاء “حركة طالبان” علي البلاد في 1996م. ومن هذا التاريخ حتى الآن بدأت مأساة الإرهاب بالانغمار في أفغانستان، وضمن هذا السياق فإن الحرب على الإرهاب لم تنته بعد. بل إنها قد بدأت من توّها بالتعولم، فيما أخذ الإرهاب يجدّد كل يوم جلده كما “الحرباء”.

إن هذا ما تؤكد عليه مؤشرات الإرهاب الكمّية في الفترة التي تلت 1996م في أفغانستان، التي

تعتبر من أكثر الدول خطورة كوجهة للسفر حسب مؤشر “مخاطر السفر” في العالم 2019م، حيث تدهور الوضع في خلال عام 2018، وتم تسجيل نحو 1443 عملاً إرهابياً، أدت إلى مقتل نحو 7379 شخصاً، وأصيب 6514 غيرهم، ما جعلها أسوأ البلاد على “مؤشر الإرهاب العالمي” لعام 2019م، الذي يصدره “معهد الاقتصاد والسلام” في سيدني.

إن ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر تماهت تماماً مع حقبة العولمة المعاصرة وهي تستخدم أدواتها في التوسع والانتشار والدعاية والتجنيد وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية، وفي محاولة بناء كيان الدولة حتى لو كانت دولة هجينّة (هيبرد)، كما تجلّى ذلك في دولة داعش المزعومة قبل زوالها.

لعل هذا ما يدفعني هنا لطرح قضية اتجاهات (Trends) الإرهاب العالمي (سواء إرهاب اليمين القومي المتطرف، أو إرهاب القاعدة وداعش) ومستقبل ظاهرة الإرهاب في العالم. ذلك أن كافة المؤشرات؛ خاصةً الكمّية تدل على أن ظاهرة الإرهاب تجذّرت بعمق وتوسع في تماهي مع العولمة، كما أسلفت لتصبح أداة من أدوات “الدبلوماسية الخشنة” عند الجماعات والمنظمات الإرهابية، كوسيلة في غاية الفعالية لتحقيق الأهداف السياسية.

هنا لنا أن نتخيل كيف تقارب وتدرس الجماعات الإرهابية في العالم تجربة بناء الدولة عند داعش قبل هزيمتها في سوريا نهاية عام 2019م، تحت وقع ضربات التحالف الدولي الذي فاق عدد الدول المتحالفة في الحرب العالمية الأولى.

في هذا المثال – الذي لم يلقّ البحث والدراسة لدى مفكرينا وباحثينا العرب – نجح تنظيم داعش في بناء دولة بمساحة تفوق مساحة بريطانيا، وسك العملة، وأقر مناهج تدريسية…الخ بمعنى أنه مارس خلال فترة 2014- 2019م كل أدوار الدولة المستقلة تقريباً باستثناء الاعتراف الدولي!.

المغزى من مثال “دولة داعش” أنه أعطى مثالاً حيًا، ومنح الجماعات الإرهابية الأمل بإمكانية نجاح التجربة مرة أخرى إذا توفرت ظروف مواتية أكثر.

هذا الشعور بالأمل وإمكانية تنفيذ الفكرة؛ هو المخيف والمرعب في المسألة، لماذا؟، لأنه يعني في النهاية أن سيرورة الإرهاب لم ولن تنتهي، لا بنهاية القاعدة وداعش وحتى اليمين المتطرف، بل هي مرشحة للاستمرار بأشكالٍ وأنواعٍ أخرى أكثر حداثة وعولمة ورعباً وفتكاً.

وقد بدأ الخبراء في الغرب منذ الآن يتحدثون عن مخاطر شبح أشكالٍ حديثةٍ للإرهاب المعولم الذي يتبنى ويستخدم آخر منتجات التكنولوجيا الرقمية في عدد من المجالات الخاصة بالدول وجيوشها مثل: استخدام الأنظمة المسيرة في الطائرات بدون طيار، والعملات الرقمية، والذكاء الصناعي.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search