“الفاتنات Cuties”.. “إيمي تنطّ الحبل” في عصر “الصوابية السياسية”

محمد عمر جنادي

كاتب مصري

عزيزي القارئ: إيمي تنطّ الحبل، ومع كل قفزة ترتفع أكثر فأكثر. إنها تبدو على وشك الطيران، لكن إلى أي مكان يا تُرى؟!.

عزيزي، ستجد الجملة السابقة في ثنايا هذا المقال الذي ستضطر غالبًا إلى قراءته مرتين: الأولى جارية الآن، والثانية عقب مشاهدة فيلم “الفاتنات” الذي يثير جدلًا جديدًا قديمًا.

هناك حدث بالفعل. شبكة نتفليكس واجهت في الأسابيع الأخيرة موجة عنيفة من الانتقادات والاتهامات.. قد لا توحي الجملة الأخيرة بأي جديد؛ إذ مثلت “نتفليكس” هدفًا دائمًا لشتى أنواع النقد، سواء أكان هذا النقد قائمًا على رؤى محافظة أو متحررة، أو كان موجهًا لسياسة الشبكة أو مسائلًا لجودة وأصالة إنتاجها الفني، لكن الانتقادات التي أثارها طرح نتفليكس للإعلان والملصق الدعائي للفيلم الفرنسي “Cuties/ Mignonnes“، أو “الفاتنات”، وصلت إلى حد اتهام الشبكة بإضفاء طابع جنسي على فتيات في سن الطفولة، و”التطبيع” مع البيدوفيليا (الانجذاب الجنسي نحو الأطفال) أو الترويج لها. ورغم اعتذار الشبكة وسحبها للدعاية التي وصفتها بأنها كانت “غير موفقة” أو مُعبّرة عن روح الفيلم، فإن ردود الفعل المستنكرة لا تزال مستمرة.

عريضة توقيعات

وتضمنت الردود التوقيع على عريضة عبر الإنترنت لمنع عرض الفيلم (تجاوزت نصف مليون توقيع)، وكذلك دعوة عالمية إلى إلغاء الاشتراك في الشبكة. إضافًة إلى تلقي مخرجة وكاتبة الفيلم ميمونة دوكوريه رسائل وتهديدات بالقتل، كما صرحت المخرجة الفرنسية الشابة ذات الأصول السنغالية. ومع كل هذا فإن الفيلم حائز على جائزة الإخراج من مهرجان “صندانس”، كما قوبل بحفاوة أثناء عرضه في مهرجان برلين.

تهم الترويج للبيدوفيليا

قائمة التهم الخاصة بإضفاء الطابع الجنسي على الأطفال وإساءة استخدامهم، أو الترويج لـ”البيدوفيليا”، يمكنها أن تُطلق، وفق الوضع الراهن، على أعمال عظيمة في تاريخ الفن مثل طبل الصفيح فيلم المخرج الألماني شولندوروف المأخوذ عن رواية “جونتر جراس”، ورواية لوليتا لفلادمير نابوكوف والمعالجات السينمائية المختلفة لها.

وكما اعتدنا في دعاوى المنع والمصادرة، فإن العمل الفني يكون عُرضة لمختلف ضروب إساءة الفهم، أو وسيلة لتصفية الحسابات بين قوى سياسية اجتماعية متصارعة.

والسؤال الآن: كيف وُجهت مثل هذه الاتهامات إلى منصة معروفة بامتثالها إلى الكود الخاص بـ”الصوابية السياسية” وفق المنظور الليبرالي؟.. اتهامات شاع توجيهها، وإثباتها، على مؤسسات أمريكية أكثر يمينية كالكنيسة الكاثوليكية مثلًا؟

بعد مشاهدة الفيلم، يمكننا أن نتحدث عن حقيقة تلك الادعاءات، وهل يُشجع الفيلم على إضفاء الجاذبية الجنسية على مجموعة من الأطفال، أم يحاول أن يقدم نقدًا للواقع الاجتماعي بوجهيه، الحقيقي والافتراضي، الذي يعمل على التسليع الجنسي للنساء في مختلف مراحلهن العمرية؟.

تشريح الأنثوية

يحكي الفيلم قصة “إيمي ديوب” طفلة في الحادية عشرة من عمرها، من أسرة سنغالية مسلمة تعيش في باريس. تتمزق إيمي بين عالمين/ثقافتين: العالم المتزمت للمجتمع السنغالي المسلم في فرنسا، حيث العديد من التعليمات التي يجب على الفتاة الالتزام بها، وحيث تتشرّب من الدروس الدينية التي تصحبها إليها أمها أن “النساء أكثر أهل النار” وأن “الشر يكمن في النساء العاريات”.

أما الجانب الآخر فهو العالم المتحرر الذي تراه من حولها في المدرسة والشارع. بما في ذلك من تناقض صارخ في القيم والثقافة وطبيعة الحرية الممنوحة للفتيات.

ترى إيمي تعامُل أمها بخنوع واستسلام مع إقدام أبيها على الزواج من امرأة أخرى، بل ويبقى لزامًا على الأم وفق التقاليد أن تبارك الأمر وتبلغه لمعارفها في رضا، وتُشاهد تجهيز المنزل استعدادًا لاستقبال أبيها وزوجته.

موقف إيمي من العالم

في المقابل، تجاهد إيمي من أجل قبولها ضمن فريق رقص مكون من زميلاتها في المدرسة. أربع فتيات في نفس عمرها. تتوطد صداقتهن، ويتدربن من أجل مسابقة الرقص. ويبدأن معًا في تقليد النساء الأكبر سنًا، في اكتشاف الأنوثة والتقرب من الجنس الآخر. منطقة بينية حرجة بين نهاية الطفولة وبدايات المراهقة.

إلا أن إصرار إيمي على الرقص ليس مجرد رغبة في تقليد الراقصات في كليبات الأغاني، بل فعل تمرد على صمت الأم وسلبيتها إزاء ما تتعرض له من إهانة، وصيحة للإعلان عن الذات بشكل رافض لما تمثله ثقافة الأم.

ونتيجة لمشاكل بيئتها الأسرية، تتفاقم ملامح الاضطراب، وتزداد انفعالاتها وأفعالها حدة وعنفًا إلى حد كونها تجاوزت نزق رفيقاتها وجرأتهن، مما يدفعهن للنأي عنها.

تعمد الفتيات إلى تقليد النساء البالغات، ومحاكاة نجمات الموضة أمر قريب من مشاهدتنا تقليد الصبية الصغار لنجوم المصارعة وأفلام الأكشن، كمحاولة للتقرب من نموذج “مثالي” معطى سلفًا للذكورة والأنوثة. وإذا كانت محاولات الصبي الصغير لتقليد الذكور الكبار تثير الضحك أو المرح، فإن محاولة البنت الصغيرة فعل الأمر ذاته والتصرف كامرأة ناضجة لا يثير فينا إلا القلق والخوف.

لا يولد المرء امرأة

 تقول الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار “لا يولد المرء امرأة، بل يصير كذلك” أي إن الجندر (نوعنا الاجتماعي: ذكرًا أو أنثى) ليس هوية ثابتة بل مجموعة من الأفعال المتكررة. وتوضح جوديث بتلر أن الجندر يجب أن يُفهم “بوصفه الطريقة البسيطة التي تكوّن بها شتى الإيماءات والحركات والأداءات الجسدية” الصورة الجندرية للذات.

فصورة الجندر تخضع لتصورات تاريخية اجتماعية، لذلك فإن “بوفوار” تشدد على التمييز بين “الجنس” بوصفه “واقعة بيولوجية”، و”الجندر” بوصفه “التأويل أو الاستدلال الثقافي لتلك الواقعة”.

في كلمات أخرى، فإن رغبة “إيمي” في أن تصبح امرأة تحظى بالإعجاب والاهتمام ربما ترجع إلى ميول فطرية أو غريزية، لكن “الشكل” الذي تتخذه تلك الرغبة أو تلك الميول ليس كذلك.

إيمي حائرة هذه المرة

كانت إيمي في سعيها كي تصير “امرأة حقيقية” أمام طريقين: طريق الأم المُهانة، وطريق النجمة المحبوبة المرغوبة، كما تصوغه وسائل “السوشيال ميديا” وثقافة “البوب”، والطريقان كلاهما يقسر جسد المرأة على الامتثال لأفكار وأداءات محددة.

وحياة “إيمي” الحافلة بالصراع والتقلبات النفسية والأسرية تدفعها إلى اختيار أكثر الأفعال حدة مثل سرقة أمها، ونشر صورة عارية لنفسها.

في مشهد شديد الدلالة، تلحظ “العمة” بداية الحيض عند “إيمي”، فتضحك هازئة وتخبرها أن “هذا لا شيء” وتمر به جميع الإناث، وأنها كانت مخطوبة حين كانت في مثل سنها وتزوجت بعد بضعة أعوام.

تقول: “غسلوني وغطوني بقطعة قماش بيضاء من رأسي حتى أخمص قدمي وأخذوني إلى زوجي.. كان عرسًا فخمًا. أتمنى أن يرزقك الله المصير نفسه”. هكذا تخلق المجتمعات المتدينة الرافضة لصور التسليع الجنسي الغربية نمطها الخاص من الاستغلال.

حرية الفرد.. والسلطة الإلزامية

لا يخلق الفيلم ثنائية تبسيطية عن القامع والمقموع. ربما المقصود من عدم ظهور الأب طوال الفيلم هو تعزيز هيمنته، لكن باستثناء شخصية “العمة”، التي تشكل سلطة رمزية قوامها الحفاظ على التقاليد والأعراف، فإن الفيلم يوجه النقد للأفكار السائدة الحاكمة لعقل المرأة نفسها.

والأهم أنه يؤكد على أن حرية الفرد يجب أن تحظى بالأسبقية بدلًا من حضور فكرة الطائفة أو الجماعة، وهو ما يتعارض مع “سياسات الهوية” المتفاقمة في الثقافة الأمريكية.

يعتمد التمثيل الثقافي في معظم الأعمال الفنية الأمريكية الحديثة على منطق “سياسات الهوية”، ورؤية إكزوتيكية (ثابتة) للجماعات الإثنية والعرقية، ووفق هذا المنطق، قد يرى البعض أن “إيمي” يجب أن تكون أكثر إخلاصًا لجذورها الثقافية، وأن عليها البحث عن وسيلة ﻟ”تسكين” الصراع بدلًا من التعبير عنه.

وربما تتمادى بعض الأصوات “الليبرالية” حد اعتبار أفعال مثل زواج القاصرات من “العلامات” الثقافية الخاصة بجماعة ما، وليست جريمة ضد حقوق الإنسان، خوفًا من الاتهام بازدراء “الآخر” أو فرض لمعايير “خارجية” عليه.

أول ما يتبادر إلى أذهان المستنكرين لدعوات المنع والرقابة في عالمنا العربي أن “الصوابية السياسية” هي المسئولة عن تلك الأحداث، إلا أنها ليست وحدها المُحركة للهجمة الأمريكية على الفيلم الفرنسي.

ترامب.. هنا أيضًا؟!

تقف العديد من الائتلافات والدعوات اليمينية خلف ذلك الهجوم، والطريف أن منها بعض الصفحات والمواقع على الإنترنت التي تروج لنظرية مؤامرة حيث تزعم بوجود عصبة سرية من “البيدوفيليين عبدة الشيطان”، تتآمر على الرئيس ترامب، وتدير شبكة عالمية من الاتجار في الأطفال.

يؤمن أتباع تلك النظرية أن من ضمن تلك العصبة أسماء مثل: هيلاري كلينتون، وباراك أوباما، وجورج سورس، وبعض مشاهير الإعلام وهوليود، مثل: توم هانكس، وأوبرا وينفري، ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية، كان الهجوم على “نتفليكس” جزءًا من الهجوم على معسكر الديمقراطيين.

بالطبع، فإن نسبة غير قليلة من الموقعين على عريضة المنع مجرد آباء وأمهات وأرباب أسر يشعرون بالقلق والخطر على حياة ومستقبل أطفالهم.

حديث المُصادرة

لكن خطيئة “الصوابية السياسية” تتمثل في أنها مهدت الطريق لدعوات المصادرة والرقابة، وأكسبت تلك الدعوات سمات “الإنسانية” و”الصحوة الضميرية”.

ولا زالت واقعة متحف المتروبوليتان في نيويورك ماثلة في الأذهان. حين وقّع سبعة آلاف فرد على عريضة لإزالة لوحة الرسام بالتوس تيريز الحالمة من المتحف بحجة أنها تدعو إلى البيدوفيلية.

رفض المتحف الإذعان لهذا الطلب القمعي، وكتب “جوناثان جونز” في صحيفة الجارديان يدافع عن موقف المتحف، ويصف منع الفن بأنه “فاشية”، مفرقًا بين احتدام الجدل حول العمل الفني ومحاولة منعه. وكانت “ميا ميريل”، ناشطة ثقافية من نيويورك، هي من صاغت عريضة المنع.

يؤكد جونز أنه دائمًا ما كان لدى الناس أسباب لحجب الأعمال الفنية، وكانت تبدوا أسبابًا وجيهة في كل مرة، ففي فترة ألمانية النازية، نُظر إلى الفن الحداثي بوصفه منحطًّا، وفي أوروبا الإصلاحية، دُمِّرت أعمال فنية لأنها كاثوليكية.

لا وقت للطفولة

يتنقل الفيلم في تصويره للبنات الصغار بين مشاهد الرقص واللعب. تُظهر مشاهد اللعب والمرح وأكل الحلوى الجانب الطفولي الآخذ في الضمور، لكنه يظل موجودًا، يتحين الفرصة للظهور.

تنتصر المخرجة “ميمونة دوكوريه” لفكرة “اللعب” من خلال مشهد النهاية، الذي تنط فيه “إيمي” الحبل، ومع كل قفزة ترتفع أكثر وتبدو على وشك الطيران. تؤكد “دوكوريه” على أهمية عيش الطفولة. وتقول إنه يجب أن تحظى الفتيات الصغيرات بالوقت الكافي للاستمتاع بطفولتهن، واختيار ما يردن أن يصبحن عليه بعد ذلك.

تكمن “الزلة الأسلوبية” للفيلم في محاكاة الكاميرا لأسلوب الكليبات التجارية في تصوير بعض مشاهد الرقص، ويعتمد الفيلم على اللقطات المقربة لأجساد الفتيات. ربما كان من الممكن الاعتماد على نوع من التغريب في تصوير تلك اللقطات، أي إنه على الفيلم ألا يتوحد أو يتماهى أسلوبيًا مع ما أراد أن ينقده. وقد يتحقق ذلك من خلال أسلوب أقرب إلى الواقعية التسجيلية المتقشفة على غرار سينما الأخوة داردين، أو من خلال الباروديا/المحاكاة الساخرة، لكن الباروديا ربما كانت لتحمل قدرًا من التعالي على جدية الفتيات في التماهي مع منظومة تسليعهم.

في كتابه السينما التدميرية، يوضح الناقد والمؤرخ السينمائي “أموس فوغل” أن “الصورة المستهجنة تعكس واقعًا كامنًا تحت وعي الأفراد”، ويبين فوغل أن “الذي يصدم بشكل خاص هو الانتقال المفاجئ –عبر المونتاج- من الصور الأليفة إلى الصور المحرمة”.

ربما كان تنقل “دوكوريه” بين صور الأطفال “الأليفة” وصور الرقص “المستهجنة” هو محاولة لإعادة خلق “الصدمة” التي اختبرتها حين شاهدت خلال أحد الأحداث الاحتفالية في باريس، مجموعة من الفتيات الصغيرات، في سن الحادية عشرة، يؤدين رقصًا جنسيًا. ومن تلك الصدمة جاءت فكرة الفيلم، كما تقول في لقائها خلال مهرجان “صندانس”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram