الفريضة الغائبة في تونس

9 سنوات على "شغل.. حرية.. كرامة وطنية"

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حتى قبل اندلاع ثورة الحرية والكرامة التونسية يوم 17 ديسمبر 2010، كان الطالب “عبدالحليم حمدي” ذا نفس ثوري ينتفض ضد قرارات وإجراءات نظام الرئيس السابق “زين العابدين بن علي” فيما يخص نظام إجراء الاختبارات للدخول إلى الوظيفة العمومية، ما يُعرف في تونس بـ”الكاباس”.

كان حينها “عبدالحليم”، الطالب القادم من قرية النصر بمنطقة المكناسي بمحافظة سيدي بوزيد، من القلائل الذين لا يهابون قسوة سلطة النظام السابق، وعبّروا عن رفضهم لهذا الإجراء القائم على الرشوة والمحسوبية.

وككل شاب طموح وبعد تخرجه سنة 2000، وحصوله على شهادة الأستاذية في مادة التاريخ، كان يحلم بوظيفة عمومية في اختصاصه وبناء مستقبل زاهر، ولم يكن يعلم أن الواقع المرير سيفرض سلطته عليه إلى درجة أن يُلقّب “عبدالحليم” بـ”عميد العاطلين عن العمل”.

"عميد العاطلين"

“رغم علمي بعدم جدوى مشاركتي في المناظرات العمومية، إلا أني كنت أسجل حضوري فيها كل سنة، آملًا في أن يتم انتدابي. وفي الأثناء لم أترك عملًا يدويًّا لم أشتغله في البناء والزراعة وفي مقاطع الحجارة”، يوضح “عبدالحليم” في حواره مع “ذات مصر”.

20 عامًا من البطالة، يخرج “عبدالحليم” فجر كل يوم ليلتحق بالعمل شتاء وصيفًا، وإحساس كبير بالقهر والظلم يغمره، يزيد في تعميقه لقاؤه وهو يرتدي زي عمال البناء بعددٍ من زملاء الدراسة وهم يحملون حقائب التدريس، إضافةً إلى نظرات التساؤل والأسف التي يرمقه بها شيوخ قريته أصدقاء والده عند عودته من العمل ومروره بأحد المقاهي التي يرتادونها.

ما كان يُخفف حدة هذه القسوة التي كان يلقاها “عبدالحليم” هي أنه يحمل رسالةً آمن بها، وهي تحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع التونسي، وكان محظوظًا حيث منحته الثورة التونسية مساحة شاسعة للدفاع عن هذه الرسالة.

وكانت الولادة الحقيقية لـ”عبدالحليم” كناشط حقوقي في ديسمبر 2010 بعد 3 أيام على حرق “محمد بوعزيزي” نفسه، وهو يوم إجراء مناظرة “الكاباس” في سيدي بوزيد، حيث نظّم برفقة عددٍ من الأصدقاء اجتماعًا كبيرًا في أحد معاهد الجهة، وتم الاتفاق على توسيع دائرة الاحتجاجات.

تتالت الاعتصامات المطالِبة بالتشغيل والتي كان “عبدالحليم” بارزًا فيها من 2011 إلى 2015، ليفجّر الوضع انتحار زميلهم في محافظة القصرين المجاورة “رضا اليحياوي” في 2016 بسبب إزالة اسمه من قائمة الشبان الذين سيتمّ انتدابهم في إحدى المؤسسات العمومية، فعمّت الاحتجاجات مختلف مناطق البلاد المهمّشة.

"هرمنا"

كانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس، فأسس “عميد العاطلين” بمشاركة عددٍ من الأصدقاء اعتصام “هرمنا”، وشَغَلَ منصب ناطقه الرسمي، وضم أصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم، فشاركوا في عديد المسيرات والوقفات الاحتجاجية، فيما لم يتلقوا إلى اليوم إلا وعودًا زائفة من مختلف الحكومات، وفق تأكيده لـ”ذات مصر”.

عبدالحليم في اعتصام هرمنا

بالتوازي مع ذلك، ظهرت عدة حركات احتجاجية، فسعى “عبدالحليم” (46 سنة) إلى التشبيك بينها من أجل تكوين قوة موحدة، وتحقيق نتائج ملموسة، وإلى التواصل مع مختلف الحركات الاجتماعية في بعض المناطق الأخرى، ودعم مطالبها، لتتأسس بذلك التنسيقية المحلية للحركات الاجتماعية.

تجاوزت مطالب تحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف جهات تونس حدود جغرافيا محافظة سيدي بوزيد، لتشمل العديد من المحافظات التي تعاني الإقصاء والتهميش منذ عقود، مثل: القصرين، وقفصة، وجندوبة، والكاف، وقرقنة. وتحولت اعتصامات الشبان إلى تونس أمام وزارة التشغيل وقصر الحكومة بالقصبة.

ساعد تنوع وتزايد عدد التحركات الاحتجاجية في البلاد على تأسيس التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية في سبتمبر 2016، وكان “عبدالحليم” من بين المؤسسين، وهي منظمة مستقلة شعارها “تنوع.. صمود.. تضامن”، ومن أهدافها توحيد صفوف الحركات الاجتماعية، والتضامن مع مختلف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وعود كاذبة

“بالنسبة لي وبعد 20 سنة من البطالة، لم يتحقق شيء من شعار الثورة (شغل.. حرية.. كرامة وطنية)، فأنا عاطل عن العمل، وحريتي مهددة. أتعرض لعمليات الإيقاف وأحكام بالسجن لمجرد مشاركتي ودعمي للحركات الاجتماعية ولحقوق المعطلين عن العمل، كما أنه لا يمكن الحديث عن كرامة وطنية في ظل شعب جائع ومهمش ومفقر”، يقول “عبدالحليم”.

ولا ينتظر “عميد العاطلين” شيئًا من الحكومة الجديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يقول إنها تنتهج نفس الطريقة وهي المفاوضات والوعود الكاذبة.

مشددًا على أن الأمل فقط في مواصلة النضال، إذ لا خيار أمامه إلا ذلك، لأنه لا يملك شيئًا يخسره، حسب تعبيره.
تضامن كبير لقيته قصة “عميد العاطلين في تونس” بلغ حد إطلاق عدد من أصدقائه حملة وطنية تلقائية مستقلة بعنوان “خدّم (شغّل) عبدالحليم” في محاولة للضغط على السلطات لتشغيل “عبدالحليم” في وظيفة عمومية بعد 20 سنة من المعاناة من البطالة.

وتُعد الاعتصامات وسيلة شباب المناطق المحرومة للاحتجاج على أوضاعهم المتدهورة، وللمطالبة بحقهم في التشغيل. ولعل محافظة سيدي بوزيد -شرارة الثورة- من أبرز المناطق التي تضم عددًا قياسيًّا من التحركات التي اجتمعت على شعار واحد هو “شغل.. حرية.. كرامة وطنية”.

فعلى سبيل المثال، تتواصل منذ 4 سنوات اعتصامات “خدّمني (شغلني)، الصمود، ضاع العمر، والحسم.. وغيرها..”، وتواصل نضالها ضد السلطات المحلية والجهوية والمركزية لافتكاك حقوقها بالطرق السلمية الممكنة التي صارت خبزها اليومي، والتي وصلت حد تنفيذ إضرابات الجوع الوحشية ومحاولات الانتحار.

البطالة والفقر

لا يمكن الحديث عن عدد هذه التحركات الاجتماعية القياسي دون البحث في أسبابها المتعلقة أساسًا بالوضع التنموي العام لمحافظة سيدي بوزيد، حيث بلغت فيها نسبة العاطلين عن العمل 16.5 بالمائة، حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء الرسمية لسنة 2017.

ووفق تقرير المعهد لسنة 2015، فقد بلغت نسبة الفقر في سيدي بوزيد 31.7 بالمائة، فيما بلغت فيها نسبة الفقر المدقع 4.1 بالمائة.

وليست سيدي بوزيد المحافظة الوحيدة التي ترتفع فيها نسبة الفقر والفقراء والعاطلين عن العمل، بل إن الإحصائيات الرسمية أكدت تصدر المناطق الداخلية المراتب الأولى، وعلى رأسها محافظة القيروان بنسبة فقر قُدرت بـ34.9 بالمائة، وبنسبة فقر مدقع بلغت 10.3 بالمائة، تليها محافظة القصرين -ثاني المحافظات المنتفضة في الثورة- بنسبة فقر ناهزت 32.8 بالمائة، وبنسبة فقر مدقع قُدرت بـ10.2 بالمائة.

تعمّق المطالب

وعن استمرار الجدل القائم حول عدم تحقيق العدالة الاجتماعية في تونس بعد 9 سنوات على الثورة ضد الإقصاء والتهميش، يوضح المكلف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مستقلة غير حكومية) “رمضان بن عمر” أن مطالب العيش الكريم والتوازن بين المناطق والفئات الاجتماعية لم تعد قائمة فحسب وإنما تعمّقت.

ويتابع حديثه لنا قائلًا: “وكأني بالدولة التونسية رجعت خطوات إلى الخلف، حيث ظهرت عناوين احتجاجية جديدة من المفروض أنها حقوق طبيعية، كمطالبة عديد المناطق بالمياه الصالحة للشرب المحرومة منها لأشهر وسنوات، والاحتجاج على غياب الإطار التربوي والطبي في المناطق المهمشة”.

ويضيف أن مختلف الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لم تلتزم بما جاء في الفصل الـ12 من الدستور التونسي الذي ينص على أن “الدولة تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات، استنادًا إلى مؤشرات التنمية واعتمادًا على مبدأ التمييز الإيجابي. كما تعمل على الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية”.

ويُرجع “بن عمر” إخلال هذه الحكومات بتعهداتها الدستورية لأنها لا تملك برنامجًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا متكاملًا، بل كانت تسعى فقط إلى التموقع السياسي، وملء الفراغ الذي تركه حزب التجمع المنحل، وتعويضه، والتسلل إلى مفاصل الدولة.

كما أوضح أن الحكومات التونسية المتعاقبة لا تملك رؤية اجتماعية واقتصادية وتنموية واضحة، وأن الشعب التونسي لم يلحظ إلا المزايدة السياسية بين الأحزاب المتنافرة فيما بينها، حسب تعبيره.

سلطة قهرية وخطاب جديد

ولكبح جماح الاحتجاجات الاجتماعية المنتشرة في تونس، يرى “رمضان بن عمر” أن على الحكومة الجديدة إعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها، لأن “الدولة أصبحت في نظر الفئات الاجتماعية الفقيرة مجرد سلطة قهرية تنتهك الحقوق ولا تحترم الالتزامات”.

ودعا “بن عمر” إلى احترام الالتزامات الدستورية والاتفاقيات المبرمة بين عددٍ من نواب وممثلي الحركات الاجتماعية بتوفير مواطن شغل، وبإحداث المشاريع التنموية المعطلة في المناطق المحرومة، واعتماد إجراءات ملموسة.

أما الناشط السياسي “محمد العماري الجلالي” فاعتبر أن الدولة لا يمكن أن تحقق مطلب التشغيل إلا في إطار نهضة اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتحقيق زيادة في الإنتاج والصادرات، وتسجيل نقاط نمو محترمة، حتى تتمكن الدولة من إقامة المشاريع والاستثمارات، وبالتالي توفير مواطن الشغل.

وصرح “الجلالي” بأن على الدولة إصلاح المنظومة الاقتصادية القديمة، والقضاء على الفساد، والتشجيع على الاستثمار الخارجي، ومراجعة عقود النفط والغاز، والإصلاح الإداري، وهي مسائل يرى أنها لم تحسم حتى الآن.

ويعيب المتحدث على حكومات ما بعد الثورة استمرارها في التجاذبات السياسية، مع إهمال الجانب الاقتصادي، معتبرًا ذلك “إلهاء سياسيًّا ضيع على الشعب فرصة تسع سنوات لتحسين مستوى عيشه، آملًا في أن تأخذ الحكومة الجديدة هذه المسائل بجدية”.

المحلل فتحي الزغل

ويرى المحلل السياسي “فتحي الزغل” أن الثورة التونسية أدخلت مفهوم العدالة الاجتماعية في الخطاب السياسي الجديد بعد أن كان مسكوتًا عنه في النظام السابق. ويضيف قائلًا: “لكن هذه الممارسة السياسية ظلت إلى اليوم على مستوى الشعارات والخطب الانتخابية، ولم تدرج ضمن الممارسة السياسية التنفيذية الفعلية”.

ويُشير إلى أن الشعب التونسي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية الأفقية، وهي نصيب كل جهة على قدم المساواة مع الجهات الأخرى، وهي عدالة يراها غائبة في الحاضر من خلال تفاوت النسيج الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والتعليمي، والتربوي، والخدمات والامتيازات في مناطق على حساب أخرى.

كما يسعى الشعب إلى تكريس العدالة الاجتماعية العمودية بالقضاء على الطبقات المتنفذة التي تكاثف وجودها بعد الثورة، والتي تكون في عديد الحالات فوق القانون تنهب وتسرق دون محاسبة، وتجوب المحطات التلفزية تنظر للعفة والنزاهة، في مقابل مواطن ضعيف يُطبَّق عليه القانون بحذافيره، حسب وصفه.

وبخصوص تقييمه لتعاطي مختلف الحكومات مع ملف التنمية والعدالة الاجتماعية، يقول “الزغل”: “إنه سلبي، لأنها إما حكومات ثورية لم تستطع أن تنفذ ما أرادته من سياسة فعلية، أو هي حكومات متواطئة مع الفساد”.

ويرى المتحدث أن الحكومة الجديدة برئاسة “إلياس الفخفاخ” لن تستطيع الوفاء بوعودها لشعبها لأنها حكومة فسيفساء، حيث ستكون الترضيات الحزبية ضمن البرلمان والصفقات التي ستجري تحت الطاولة هي الغالبة في مستوى السياسة التنفيذية لهذه الحكومة في المستقبل، على حساب النهوض بأوضاع الشعب الاقتصادية والاجتماعية، حسب تعبيره.

قصة

منيرة حجلاوي

صحفية تونسية

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

محمود أسامة

فيديوجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram