فنمختارات

:”الفرّان” و”النجريدي” مثالان موسيقيون مصريون نسيتهم الفوتوغرافيا!

 

على الرغم من أن مصر عرفت التصوير الفوتوغرافي مبكرًا، غيبت أقدار الفن عنا صورة عدد من الأعلام المشتهرين، ممن تركوا آثارهم خالدة، وكانت أعمالهم سبيلنا إلى معرفتهم، سواء أكانت تلك الأعمال ألحانًا بديعة، أم أداء صوتيًّا يأخذ بالألباب. إلى بعض من هؤلاء الذين رأيناهم بآذاننا.

الشيخ إبراهيم الفران

صوته الرنان يجذب السامع ويبهره، قوة وتمكنًا وأخذًا بعنان النغم.. المعلومات عنه تكاد تنعدم، والصورة التي انتشرت على اعتبارها له ليست كذلك.. كانت تسجيلاته أقل من أصابع اليد الواحدة، ثم أخذت تظهر واحدة تلو الأخرى من خلال المنتديات والمواقع الموسيقية وهواة الأسطوانات القديمة.. وهو على ندرة تسجيلاته، متنوع للغاية، فنجد له الموالد، والمدائح، والغزليات، بل والدور الغنائي العادي.

والغالب أن الشيخ الفران ولد عام 1883 بحي المغربلين بالقاهرة، فكان للمكان أثر كبير في تكوينه الفني، فالمنطقة تزدحم بأساطين المنشدين المتمكنين، ولأنه صاحب موهبة استثنائية، استطاع أن يضع قدمًا راسخة في سوق الفن التي يهيمن عليها الكبار من أمثال الشيخ علي محمود والشيخ إسماعيل سكر.

وتحمل تسجيلات الفران التي وصلت إلينا دلائل عظمة صوت الرجل وعنفوان أدائه، فصوته المعدني الرنان يجلجل في الطبقات العليا بنحو يبلغ حد الإعجاز، كما يتضح ذلك جليًّا في تسجيل قصير لعدد من أبيات الهمزية “وأجمل منك لم تر قط عيني.. وأحسن منك لم تلد النساء”، فالشيخ لا يستغرق إلا ثواني معدودة، قبل أن يرتفع بصوته إلى الدرجات العصية الصعبة.

وفي هذا التسجيل، تلفت المستمع قدرة الشيخ الفران على الزخرفة الصوتية رغم حدة الطبقة التي يؤدي منها الأبيات، كما نجد جمالية “شرخ الصوت” وهي اصطناع بحة سريعة لتكون برهانًا على القوة والتمكن والسيطرة، وهو ما نجده في لفظة “منك”.

سجل الشيخ الفران عددًا معتبرًا من القصائد والتواشيح، منها (هيمتني تيمتني، ألا إن ديني فاعلموه هو الهوى، ما شممت الورد إلا زادني شوقًا إليك).. كما سجل جزءًا من مولد المناوي، المعروف بالتعطيرة الشريفة، وفيها تظهر أيضًا قوة بطانة الشيخ وتمرسها.

وقد غنى الفران بعض الأدوار العاطفية، ومنها دور “ليه يا قلبي تعلم العين ع الجفا”، مقام هُزام، من ألحان داوود حسني، وتسجيله نقي واضح، لكن من الغريب أن هذا الدور لم يصل إلينا بصوت مطرب آخر.

ولا ريب أن غناء الفران للأدوار العاطفية وهو القارئ المتمكن من القراءات، والمنشد الديني صاحب المكانة الرفيعة، ينبئ عن مدى التسامح المجتمعي مع الغناء العاطفي، فلا يجد القارئ أو المنشد الديني حرجًا أو قلقًا من غناء دور عاطفي.

الشيخ محرز سليمان

إذا كانت المعلومات عن الشيخ إبراهيم الفران شحيحة، فإنها عن الشيخ محرز سليمان تكاد تكون معدومة.. ولولا عدة تسجيلات للرجل وصلت إلينا من خلال الأسطوانات لكان كأنه لم يكن.. وتلك التسجيلات على قلتها تؤكد أننا أمام صوت قد حجز مقعدًا مريحًا في الصف الأول لشيخ الإنشاد الديني.

ومن أهم تلك التسجيلات التي خلفها الشيخ محرز سليمان، أسطوانة “جل من طرز الياسمين” وهو توشيح شهير جدًّا، ثم قصيدة أنيري مكان البدر إن أفل البدر، ثم توشيح جرد الفجر على الليل حسامًا.. وفيه يتبدى صوت الشيخ محرز قويا رنانا سلسا كالماء الجاري.. كما تتبدى قدرته على التبادل المحكم مع بطانته تسليمًا وتسلمًا، ويمتلئ التسجيل بالآهات البديعة المؤثرة والقفلات الحراقة.

ووصل إلينا من تسجيلات الشيخ محرز، أداؤه لأبيات من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي “مال واحتجب”، وقصيدة أرى طيرًا على ركن ينادي، وإلى وجهك نور البدر يعتذر، وغيرها.. ومن التواشيح: “مولاي كتبت رحمة الناس عليك”، وإن وجدي كل يوم في ازدياد، وقد سجله لشركة بيضافون، وخلياني ولوعتي وغرامي، وحمدًا لمن نوره قد أظهرك، وغيرها، ما يثير العجب والتساؤل عن سر اختفاء اسم الرجل، وإهماله تمامًا من كل البرامج الموسيقية التراثية. وبينما نجد الشيخ الفران مشتهرًا معروفًا بين محبي الإنشاد الديني على مواقع التواصل، لا نجد إلا قليلين يعرفون الشيخ محرز وصوته وتسجيلاته.

أحمد صبري النجريدي

لعل حالة الملحن المصري أحمد صبري النجريدي، هي الأعجب بين من افتقدنا صورتهم من أهل الفن، لأن الرجل –وبسبب تعاونه المبكر مع أم كلثوم- كان قد نال شهرة كبيرة، لكنه يبقى صاحب أفقر صحيفة بيانات بين المشتغلين بفن التلحين في القرن العشرين، فلا أحد يعرف له تاريخ ميلاد، ولا حتى تاريخ وفاة.. هو فقط الطبيب الهاوي، صاحب عيادة الأسنان في مدينة طنطا.

فخلال 4 سنوات، وتحديدًا بين عامي 1924 و1927 أسفر التعاون الفني بين أم كلثوم وبين النجريدي عن 13 عملاً، تنقسم من حيث الشكل إلى: 3 قصائد، هي: كم بعثنا مع النسيم سلامًا، لي لذة في ذلتي وخضوعي، ما لي فتنت بلحظك الفتاك، و8 طقاطيق هي: الخلاعة والدلاعة، الفل والياسمين والورد، أنا على كيفك، شفت بعيني، يا ستي ليه المكايدة، يا كروان والنبي سلم، الحب كان من سنين، والله ما حدش جنى.. وعملان يحملان إشكالات تصنيفية، هما:  خايف يكون حبك ليا شفقة عليا، وهو نص كتبه رامي بطريقة المنولوج، لكن تلحين النجريدي جعله أشبه بالطقطوقة رغم عدم تكرار أي مقطع فيه.. و”طلع الفجر ولاح”، وهو نص فصيح، لكن تلحين بعض أجزائه تضمن ما يشبه الهنك في الأدوار.

كما لحن النجريدي عددًا لا بأس به من القصائد لصاحبة الصوت القدير فتحية أحمد، ما يعني أن طبيب الأسنان مارس هوايته في التلحين مع أكبر الأصوات وأشهرها، وهو ما يضاعف الدهشة من اختفائه وشح المعلومات عنه، وانعدام أي صورة فوتوغرافية له.

لقد نالت ألحان النجريدي لأم كلثوم نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا، ربما لأن أكثرها طقاطيق خفيفة في كلامها، وبسيطة في ألحانها، وهو عوامل تسهم في الانتشار الشعبي للعمل.. لكنها تثير أسئلة لا تنقضي: ألم يجر النجريدي مقابلة صحفية؟ ألم يحضر مناسبة اجتماعية؟ ألم يتعرض يومًا للوقوف أمام كاميرا التصوير الفتوغرافي لأي سبب؟ لا أحد يعرف.

ولا جدال في أن سجلات الفن تعرف آخرين، ممن بلغنا صوتهم ولم نر صورتهم.. وما اسم الشيخ إبراهيم الفران، أو الشيخ محرز سليمان، أو الملحن أحمد صبري النجريدي إلا أمثلة لأصحاب مواهب كبيرة، لم تحظ أعيننا برؤية صورتهم، فكانت بدائع صنائعم في الفن، سببًا لأن نراهم بآذاننا.

 

 

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى