سياسة

الفلاشا ليسوا غرباء.. رواية أخرى عن يهود إثيوبيا: اليمن أرض ميعادهم

لم يكن الفضاء العربي قد سمع بعد بالفلاشا، قبل أن تتوالى عمليات تهجيرهم من إثيوبيا إلى إسرائيل

لم يكن الفضاء العربي قد سمع بعد بالفلاشا، قبل أن تتوالى عمليات تهجيرهم من إثيوبيا إلى إسرائيل، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وإلى لحظة هبوط الفوج الأخير منهم مطار بن جوريون، أكتوبر المنصرم.

ولم تكن الهجرة إلى إسرائيل  نفسها، حُلماً فلاشيّاً قديماً كما هو الحال عند يهود الشتات في العالم بأسره، بل لم يكن طيف واسع منهم يعلم إن ما يدين به هو اليهودية عينها، حتى وصل الرحالة الاسكتلندي جيمس بروس إلى (الحبشة)، قبل نحو 250 عاماً، باحثاً عن منابع نهر النيل، فاكتشف بجانبها شعباً، أشار إليه بشكل خاطف في كتابه الشهير: “سياحة للكشف عن منابع النيل”، قال إنه يمارس شعائر دينية أقرب إلى اليهودية.

منذ لحظة جيمس بروس، بدأ بعض اليهود والمبشرين الغربيين، يولون نوعاً من الاهتمام بهذه المجموعة التي تعيش في أدغال الحبشة، لكنها لم تتخذ صيغة عملية إلا بعد وصول اليهودي البولندي يعقوب فايتلوفيتش إلى مدينة غوندر، شمال غرب إثيوبيا، بتمويل بحثاً عنهم، من أجل تصحيح عقيدتهم التي تعرضت للتشويه والانحراف بسبب انقطاعهم التاريخي عن يهوديتهم، إذ إنهم من قبيلة (دان) اليهودية الضائعة، كما ادّعى وقتها.

أسطرة فايتلوفيتش

لكن فايتلوفيتش نفسه تعرّض لحالة من الشك والريبة والتكذيب، من قبل مجتمع شمال غوندر الذي استهدفه خلال رحلته هذه.. لم يصدقه أحد، قالوا عنه إنه مسيحي تبشيري مُضلل يريد الإيقاع بهم في دينه، بل لم يصدقوا أن هنالك يهوداً بيضا في هذا العالم، وأن أرض الميعاد (القُدس) التي حاولوا الوصول إليها، بمعرفتهم وجهودهم الذاتيّة –  في وقت سابق – اندثرت في ملكوت الله واحتجبت في الغيب منذ زمن ضارب في القدم، ولم يعد لها وجود على الأرض الآن، وإنه لا يجب الوثوق في هذا الأبيض النصّاب!

بيد أن عزيمة الأشكنازي فايتلوفيتش لم تهن ولم تفتر هِمته، إلى أن كسب ثقة بعضهم، فمكث بينهم آمناً، فكانت هذه هي بداية خطة الخروج إلى أرض الميعاد، كما سنرى لاحقاً.

غُربة ثقافية

هنا في شمال إثيوبيا، شرق نهر تيكازي وجنوب جبال سيمين، وهناك شمال غرب إثيوبيا، حيث بحيرة تانا، منبع النيل الأزرق، وليس بعيداً مدينة غوندار، ومقاطعة ولّوو، ومنطقة سقوتّا المجاورة، يعيش شعبا أجاو وكيمينت الكوشيين القويين، حيثُ تمكن الأول من حكم البلاد بشكل متواصل ما بين أعوام 900 و1270 ميلادية، ولفترات متقطعة أخرى حكم الثاني.. من صلب هذين الشعبين خرجت مجموعة (بيتا إسرائيل)، فكيف تكون (فلاشا) ومعناها الغرباء أو الأجانب؟

يقول كل من المؤرخ البريطاني إدوارد أوليندروف والمستشرق الإيطالي كارلو كونتي رُوسين، إن الأجاو والكيمينت هم السكان الأصليون لجزء كبير من المرتفعات الإثيوبية الشمالية، تم إجبارهم في وقت ما على الخروج من بلادهم الأصلية من قبل الناطقين باللغات السامية (التيجراي والأمهرا)، فيما تم استيعاب الطيف الأكبر منهم في الثقافة الجديدة/ الغازية.

ربما يهود، لكنهم ليسوا غرباء، إلا بمقدار اللغة والثقافة والدين، لكن البعض أراد لهم أن يكونوا كذلك بالإحالة إلى معنى اسمهم الذي لم يختاروه، ولم يقبلوا به قط، فلقب فلاشا نعته بهم الأمهرا والتيجراي المُتأخرون، وهو وصف ثقافي أكثر مما يحيل إلى مجموعة مُهاجرة من مكان ما إلى حيثُ هي الآن.

لاحقاً، كرست الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية المصرية، التي تلتحق بها كنائس الحبشة هذا المفهوم، مفهوم المهاجرين الغرباء، فقد أشار العديد من أحبارها إلى أن هنالك يهودا ضائعين في بلاد السودان والحبشة.

الكنيسة المصرية تدعم فايتلوفيتش   

مع ذلك، أشار أكثر من حَبر في مصر إلى وجود يهود “ضائعين” في بلاد السودان وكوش (الحبشة)، يتحدّرون من قبيلة “دان” التوراتية، بل أفتى الحاخام باشي المصري، إبان الحكم العثماني، بأن قبيلة دان التوراتية التائهة تعيش في الحبشة، وكذلك فعل حاخامات في الأندلس قبل انهيارها وتفرقها.

بعض هؤلاء، ممن لم يلقوا بالا للرواية المحلية، رواية أصحاب الشأن، اعتمدوا على اسم ملكة يهودية من سلالة أجاو الكوشية، اسمها (جوديث)، وبالإحالة إليها صار شعب الأجاو كله يهوديا، رغم أنها مشكوك في يهوديتها، فقد بنت الكنائس الفخمة واعتنت بالمسيحية الأرثوذكسية مثلما فعل سلفها الأجاوي الملك لاليبيلا، الذي نحت كنيسة من صخرة واحدة لا تزال معلماً أثرياً ومعمارياً فريداً.

تقول الرواية المحلية لكثيرين من منسوبي الفلاشا، إنهم تهودوا على يد اليمنيين المهاجرين إلى الحبشة، بينما  عبد بعضهم إلهاً خاصاً، كان يُعبد في اليمن أيضاً اسمه (فلشت)، ولم يأبهوا كثيراً بالمسيحية بعد أن أعلنها الإمبراطور الأُكسومي/ الحبشي عيزانا ديناً رسمياً لمملكته الممتدة من الحبشة إلى اليمن وتشمل أجزاء واسعة من السودان الشمال الشرقي، القرن الرابع الميلادي، فأصبحوا بالتالي غرباء وفقاً لديانتيهم اليهودية والفلشتيّة ولغتهم الكوشية، فيما كان جيرانهم الأكسوميون (التيجراي والأمهرا) يتحدثون الجئزية الحِمْيرية السامية، ويدينون بالأرثوذوكسية التوحيدية.

هكذا أصبح بعضهم فلاشا، منسوبين إلى (الفلشتية)، أما اليهود منهم فصاروا (بيتا إسرائيل)، فيما تحول آخرون تحت الضغط والاضطهاد إلى الأرثوذكسية التوحيدية، وعندما قرروا العودة مجدداً قالوا عنهم (فلاشا مورا)، أي المنقطعين عن الوصية الدينية اليهوديّة.. هكذا يعرفون أنفسهم.

إسرائيل ليست أرض ميعادهم

أيّاً كان جدل الروايات واختلافاتها وتضارباتها، فإن اليهود الإثيوبيين لم تكن إسرائيل الحاليّة حلماً لهم يوماً، كانوا يعتقدون أن أرض الميعاد هي اليمن، وأن القدس قائمة هناك.

حتى أن أحد (كهنتهم) الكبار، خرج على رأس مجموعة منهم، من شمال غوندر قاصداً أرض الميعاد، متوجهاً نحو اليمن، ولمّا تقطعت بهم السبل ومات من مات، عاد البقية أدراجهم إلى غوندر، فيما استقر بعضهم في تيجراي وأسسوا مجتمعاً يهودياً صغيراً.

لاحقاً، انصهرت الروايات المتضاربة في رواية واحدة، عنوانها أن اليهود الإثيوبيين هم (بيتا إسرائيل) الذين يطلق عليهم من يجاورونهم  من الأحباش اسم (فلاشا) ومعناها الغرباء أو الأجانب.

مقاربة توراتية

وبالعودة إلى فايتلوفيتش، فقد كان الأكثر تكريساً لأسطورة أن الفلاشا (بيتا إسرائيل)، يختلفون جذرياً عن جوارهم، فهم ساميون ينتمون إلى قبيلة (دان) اليهودية الضائعة منذ آلاف السنوات، وإنه من واجبهم كيهود تصحيح ما فعله بهم الانقطاع الطويل عن أصولهم، وحثّ يهود العالم، ممثلين في الوكالة اليهودية، بإنقاذهم من الاضطهاد ونجدتهم من خطر الانقراض.

الأكاديميون الإثيوبيون، وعلى رأسهم أستاذ التاريخ والحضارة داويد نيقاسو، وباحثون غربيين في مقدمتهم الأمريكي ستيفان كابلان، يرجحون أن الفلاشا برزوا كنتاج لأحداث متسلسلة ومتتالية شهدتها منطقة شمال بين القرنين 16 و17، أكثر منها نتيجة لهجرة يهودية قديمة، سواء كان مصدرها مصر أو اليمن، ويُعضّد ذلك المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي مكسيم رودنسون، إذ يحيل الاحتفاء المفرط بأسفار العهد القديم في الثقافة الإثيوبية بعمومها، إلا أن الكتاب المُقدس المكتوب باللغة الجئزية في أكسوم كان محاكاة نصيّة لتلك الأسفار، نتجت عنها لاحقاً أساطير خاصة بهم أخذت تدريجياً قداسة النصوص، فكتاب (مجد النجاشيّة/ كُبرانجشت) الشهير انبني على مُقاربة توراتيّة، ثم تطويرها وفقاً للثقافة المحلية السائدة، وهو كتاب شديد الاحتفاء بالسلالة السليمانية الناتجة عن زواج، أو حمل مفترض، لملكة سبأ الإثيوبية والنبي سليمان، وبالتالي، ولأن الفلاشا يهود، فإن من الصعب تصديق الرواية المتداولة الآن، هذا فضلاً عن أنهم كانوا ملوكاً على إثيوبيا في فترات تاريخية سابقة، ويبدو أنهم حين خسروا ملكهم وأصبحوا رعايا، تعرضوا لاضطهاد شديد، من ضمنه تحقيرهم بصفة (فلاشا)!

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى