وجهات نظر

الفلسفة الشعبية.. دعوة تبحث عن مدعوين

على مدار سنة كاملة أتاحت لي نافذة “ذات مصر” النشر أسبوعيا لنوعية من الكتابة ليست معروفة بمنصات النشر في بلدنا أو في المشرق عامة، وإن كان لها حضور بالمغرب العربي، وهي كتابة استظلت بمفهوم جيل دولوز، أطلقه سنة 1973، وهو فلسفة البوب أو الفلسفة الشعبية.

ورد المفهوم لأول مرة في مقال كتبه الفيلسوف الفرنسي ردا على نقد وُجّه إلى كتابه “ضد أوديب”، قاصدا بتلك الدعوة تحرير الفلسفة التقليدية من جديتها ومن طابعها المدرسي، وإنقاذا لها من حصار ضربه الأكاديميون حولها، فانحصر دورها على الحواشي والتعليقات والشروح حول نصوص جرى تقديسها، فلا تكاد عنواين تلك الفلسفة التقليدية تخرج عن نماذج مثل: نظرية الحق عند هيجل، نظرية المعرفة عند كانط، قراءة في مفهوم العنف لدى آرندت…

صورة وَصَف ميشيل فوكو أصحابها بـ”الكلاب الصغيرة” التي تتبع تاريخ الفلسفة بدأب، أما الفلسفة الجديدة فتبتعد بدرجة كبيرة عن مثل تلك الموضوعات لتنفتح على إمكانيات غير مسبوقة، وهبها إياها أسلوب للقراءة/الكتابة يحول “اللا شيء” إلى “شيء ما”، لكن كان على الفلسفة قبل ذلك الخروج من تاريخ الفلسفة، ليشدد “دولوز” على مفهوم “الخارج” أي خارج الأكاديمية، و”خارج” حتى الفلسفة التي تتناول الثقافة الشعبية، فالدعوة هي لشكل جديد للفلسفة.

ما يفرق بين الفلسفتين ليس الموضوع فقط، بل أسلوب التفكير الذي يتوقف على “فرق الجهد”، أي مقدار القوة التي تُبذل للانتقال بالفكرة من نقطة إلى أخرى، الأمر يتعلق بـ”شدة التفكير”، لكن تلك الشدة ليست مرتبطة كما قد يبدو بالحصيلة المعرفية، بل بالخارج الذي يتصل به “القابس” أو الفكرة أو المفهوم، كذلك بقوة التيار وما يرتبط به من مفعولات.

تنفر الفلسفة الشعبية بذلك من التفكير بواسطة المفاهيم الكبرى أو الأسنان المسوسة مثلما يوصِّفها دولوز، ففلسفة البوب لا تبحث في دواخل المفهوم، بل فيما يحدث بالخارج، معتبرة أنه ذات قيمة مهما بدا أنه هامشي ودونيٌّ وهش ولا قيمة له، معتقدة أن كل ما هو جدّي وغير جدّي يمكن تناوله أو هو ينتظر لإبراز قيمته من خلال “شدة التفكير”.. هذا الاتجاه جعل الفلسفة تطل على مشاهد مثل: المسلسلات التليفزيونية، الأفلام، الألعاب الرقمية، الأغاني الشعبية…

وفي أطروحة قريبة الشبه، جاءت دعوة رولان بارت إلى إعمال الفكر في اليومي “بما ليس يوميا”، لتصبح الفلسفة معنية بـ: الرياضة، الدايت، مسحوق الغسيل، الكليبات…

ومن خلال أطروحته تلك قدم “بارت” نماذج عديدة في كتاب “أسطوريات”، جاء من بينها نموذج طريف عن مسحوق الغسيل الشهير “أومو”، عن إعلاناته تحديدا التي رأى أنها لم تكن تهتم بعرض المنتج مثلما هو على الحقيقة، فصورت منتجا “يقتل” الوسخ بينما مساحيق الغسيل مواد عازلة تقوم بتحرير الملبس من “عيبه الظرفي” أي الوسخ، لا أن تقتله، وظيفة المسحوق بذلك هي “حفظ النظام العام لا إعلان الحرب”.

ورصد الناقد والفليسوف الفرنسي أن “أومو” اعتمد على اثنين من “الأحوال ـ القيم”، كانا ـ لدى عرض الإعلان أول مرة ـ جديدين بالنسبة لإعلانات المطهرات، هما العمق والرغوة، فالعمق الذي افترضه أصحاب الدعاية في نسيج الملبس غازل ميلا غامضا لدى كل منا إلى التطويق والتربيت، أما الرغوة فإن كانت بلا قيمة عمليا في مسألة التنظيف لكن “التكاثر الوفير والسهل واللا نهائي تقريبا” يدلل على أنه انبثق من جوهر أو بذرة حيوية وماهية قوية.

تابع “بارت” استعراض رؤيته مقارنا بين “أومو” ومسحوق آخر كـ”برسيل” اعتمدت إعلاناته على “بداهة النتيجة”، فكانت تقارن بين قميصين، أحدهما أشد بياضا من الآخر، وفي هذا إثارة لأهمية المظهر الاجتماعي، في حين تنزع دعاية “أومو” إلى أن تشرح للمستهلك كيف يخترق المسحوق نسيج الملابس ويقضي على الوسخ، ليدفع المستهلك إلى الانخراط في شكل من أشكال تجريب المنتج تجريبا حيًّا، ويجعله شريكا في التجربة بدلا من أن يكون مجرد مستفيد منها فقط.

حكاية “بارت” الموجزة تضرب نموذجا لـ”كيف يمكن أن تكون الفلسفة طريفة ومشتبكة مع أدق تفاصيل الحياة اليومية”، أي تتناول اليومي “بما ليس يوميا” من خلال “شدة التفكير”، فلا تقف عند عتبة الموضوعات الكالحة واللغة المتكلسة والتقليد الممجوج.

هي دعوة للانعتاق من ضيق أفق الأكاديمية وفقدان اتصالها بالواقع بعدما جمدت الفلسفة وحصرتها في دور تلقيني محدود يناهض روحها، لتصبح الغالبية الغالبة للإنتاج الفلسفي، بتوصيف الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونوتي “تقل فيها مطالب العمل وتضعف فيها فرص التفكير”.

وفي إطار هذا الشكل الفلسفي الجديد وُلدت فكرة تتناسب ظروف مولدها مع فوضوية واعتباطية فلسفة البوب أو “فلسفة اللا فلسفة”، هي فكرة المقاهي الشعبية، ففي مقابلة إذاعية لـ”روي مارك سوتيه”، أستاذ فلسفة العلوم السياسية، ذكر ساخرا أنه يجتمع وعدد من أصدقائه لممارسة التفلسف في مقهى بساحة الباستيل، وفي اليوم والساعة التي حددهما باللقاء الإذاعي فوجئ بأعداد كبيرة حضرت للاشتراك في حلقة التفلسف المزعومة، وازداد العدد مع تعدد اللقاءات الدورية بغرض المشاركة، ليتم وضع من ضوابط للنقاشات العفوية، ومن هنا ولدت المقاهي الفلسفية خلال النصف الأول من التسعينيات وتمددت الظاهرة بفرنسا لتضم إليها عشرات المقاهي.

بالطبع وقف أساتذة الفلسفة موقفا رافضا من هذه الحلقات، لكن ذلك لم يحُل بينها وبين الانتشار، واستلهم المقهى الفلسفي النموذج الحواري القديم لسقراط، لهذا لم تكن مصادفة تسمية أول مقهى فلسفي بـ”قهوة لسقراط”.

وفق التصور الجديد وانطلاقا من قاعدة “الشعبية”: على الفلسفة أن “تحاكي الواقع لا أن تحاكي الفلسفة”، مبتعدة عن التقليد لأن “التقليد في الفسلفة يقدم تاريخا للفلسفة، لا فلسفة”.

الفلسفة، مثلما يدعو هذا الاتجاه، هي أسلوب للتفكير قبل أن تكون موضوعا له، استراتيجية لا نسقا بعينه، خفة أكثر منها ثقلا، وإن كانت ـ بتعبير بول فاليري ـ خفة الطائر لا الريشة، لتمتلك القدرة على تجاوز الحدود.

ونسْجا على هذا النول، قدمتُ على مدار سنة كاملة قراءات لليومي والهش والدُّوني والهامشي ولما يبدو ذا قيمة ولما يبدو عديم القيمة، في محاولة شق مجرى لهذا النوع من الكتابات، بعيدا عن كتابة المكتوب وقراءة المقروء، وقفزا فوق التقليد والتلقين، وتطلعا إلى ما هو جديد و”خارجي”، فهي وظيفة الفكر حتى لا يصبح “فكر الوظيفة”، وكل ما أرجوه أن يتناسب ما نشرته إلى اليوم وهذا التطلع المزعوم.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنظر أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى