ثقافة وفن

الفنار والشك.. الموتيف بين “زوجتي والكلب” و”The Lighthouse”

منفى بعيد، وفنار يتوسط البحر. موتيفة بصرية ألهمت العديد من الفنانين والأدباء عن معاناة العزلة والوحدة والمخاوف المكبوتة في نفس الإنسان، مثل فيلم The Light Between Oceans الذي جمع بين هذه التيمة بتيمات أخرى منها الحب والغيرة والأمومة، إلا أن هناك تجربتين سينمائيتين باختلاف عصر كل منهما قد حملا تماثلاً في الاعتماد على هذه التيمة وحدها، تجربتان أحدهما قديمة للمخرج المصري”سعيد مرزوق” في فيلمه “زوجتي و الكلب”-1971، والأخرى معاصرة وهي تجربة المخرج الكندي “Robert Eggers” في فيلمه 2019 –The Lighthouse.

“زوجتي والكلب” يقدم معالجة حديثة لمسرحية “عطيل” لشيكسبير ومأساته التي تتلخص في حبه لزوجته وشكه في خيانة صديقه. تدور أحداث الفيلم حول 4 حراس للفنار ومعهم كلبهم وعلى رأسهم “الريس مرسي” الذي يعود إلى العمل بعد إجازة إتمام زواجه على عروسته “سعاد”، لكن سرعان ما تتملكه مشاعر الوحدة وألم الشوق بسبب طيف صورة “سعاد” الذي يحضر في كل تفاصيل يومه في الفنار.

يدخل “مرسي” في صراع نفسي مع “نور” مساعده في الفنار، الشاب الذي يعيش حرمان جنسي، ويؤرقه هوسه بجسد المرأة المجهول له فيحاول فاشلاً التغلب على حرمانه بصورٍ إيروتيكية من المجلات المصورة ولكن فضوله الفج حول علاقة “الريس مرسي” بزوجته وعلاقاته النسائية قبل الزواج يثير شكوكاً داخل “مرسي” حول ما إذا كانت “سعاد” زوجته ستغوي “نور” صديقه إن أرسل معه رسالة إليها.

سعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب
سعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب

يتبدل الجو العام للشخصيات بالتدريج فتقع في هوة عميقة من التساؤلات والشك حول الصداقة والخيانة والحب والجنس مما يؤدي بـ”مرسي” إلى الجنون بفعل الشك دون خلاص.

في المقابل يستعين فيلم Lighthous   (بـ”أسطورة بروميثيوس” في جو من الرعب النفسي لتدور أحداث الفيلم حول “توم” حارس الفنار و”إفرايم” مساعده.

يرى “إفرايم” “توم” كرئيس عمل قاسٍ وإنسان متبلد يصفه بـ”الكلب” في احتقارٍ بالغ، فقد خصص له العمل الشاق واستحوذ على مناورات الفنارة الليلية لنفسه.

ويحاول “إفرايم” فاشلاً أن يصعد إلى الفنار لكن “توم” يمنعه مما يثير فضوله ورغبته الملحة في معرفه ما هو السر الذي يحجبه “توم” في هذا الفنار.

يقعا حبيسين في الفنار حتى نهاية العاصفة التي تهب في موعد رحيلهما، ويدخلان في حالة من الجنون والسكر الدائم والخوف مع معاناة طويلة من اختلاط الهلاوس والكوابيس مع الواقع فتصل بــ”إفرايم” إلى الإنهيار ودخوله في صراع مع “توم” بعد منعه من دخول الفنار ورؤية النور.

ينتهى الصراع بينهما بالقتال ويضرب “إفريم” توم” حتى الموت، ويأخذ المفتاح الفنار ويفتح المصباح ليرى النور، فينتهى به الأمر ملقى على الصخور والنورس تنهش في كبده.

لا يمكن اعتبار الفيلمين متشابهين بالمعنى الحرفي، لكنهما برغم ذلك يلتقي في بنائهما مجموعة من الوحدات البصرية المتكررة وموتيفات في سرد الأحداث ظهرت كخطوط عريضة في الفيلمين يمكن لها أن تدخلنا في مقاربة فنية ممتعة لتكوين خبرة أعمق بهما وفهم كيف تعامل كلا المخرجين في تجربته الفريدة مع هذة الموتيفات باختلاف الهدف من العمل الفني والمدرسة الفنية لكل منهما.

الفنار/المصباح

الفنار
الفنار

حضور ذكوري طاغٍ ملموس في الفيلمين ليس فقط لأن الشخصيات المحورية من الرجال أحدهما ريس العمل والآخر مساعده، فيما لا يحظى الحضور نسائي بنصيب إلا في صورة غائبة مقتطعة، ولكن أيضاً بحضور الفنار كمجال مكاني رئيسي تدور فيه أحداث الفيلمين بغرفه البدائية وبيئة المعيشة القاسية لعمل حراس الفنار كالصيد من أجل الزاد والبرودة القارسة والعواصف والبحر الهائج.

فيقتطع حارس الفنار من حياته فترة زمنية شهرين أو ثلاثة أشهر ويذهب للعمل في منفى بعيد، ويظهر العمل عند الشخصيات في كلا الفيلمين كقرار صعب اضطراري لأنهم في الفنار لا يجدون سوى الوحدة والألم.

فيأخذ الفنار دلالة فنية مختلفة أكثر من كونه محل عمل، إن البناء المخروطي الممتد رأسياً والمنتصب بين الأمواج هو صورة رمزية لقضيب الرجل يتحول إلى موتيفة بصرية تتكرر في أعمال “سعيد مرزوق” وفي تجربة “روبرت إيغرز” فكيف تجلت دلالتها في الفيلمين؟

في “زوجتي و الكلب” يركز سعيد مرزوق في تكوين معاناة “الريس مرسي” عبر تكثيف اللحظات التي تجمعه في حميمية وسعادة بالغة مع زوجته “سعاد” ليعكس فيما بعد وحشة الوحدة والشوق في الفنار بدونها، وفي نفس الوقت يركز على معاناة “نور” مع حرمانه الجنسي الذي يتحول في ما بعد إلى كراهية مطلقة ناحية المرأة.

إن الحالة النفسية للحارسين هي حالة ألم عاطفي ورغبة مكبوتة واختلاط بين مشاعر الحب والرغبة الجنسية في المرأة وبين الخوف والشك في هذا الجنس غير المأمون.

حالة صراع داخلية تجلت فيها المخاوف الدفينة لرجل ينسج فخره الرجولي من علاقاته الجنسية المتعددة مع زوجات أصدقائه وينسج أحلامه من خيالات الحب الأسطوري مع امرأة جميلة يعيش معها للأبد على جزيرة بعيدة.

وصبي آخر فارغ من العاطفة والإيمان بالحب ويبحث فقط عن إرضاء شهوته، فاختار لهما سعيد مرزوق الفنار في وعي بالدلالة الذكورية المحسوسة من شكل هذا البناء بالذات المشيد في وحدة وسط البحر يأخذ شكل شهوانياً ويحمل داخل تجويفه المخاوف المكبوته وراء الرغبة، كحال “الريس مرسي” ومساعده “نور”.

فعندما أراد “الريس مرسي” أن ينتقم، استدرج “نور” إلى أعلى الفنار عند المصباح، وفكر فيما إذا كان مساعده الذي يضعه في مكانة الصديق خائنا، حينها سيلقي به من أعلى الفنار ليسقط صريعاً على الأحجار.

لكن “نور” يسلمه رسالة “سعاد” المفعمة بالحب الصادق تحدثه عن ذكرياتهما معاً ويتجلي صوتها يتلو الرسالة في عقله وكأنها تحضر بجسدها كما صورها (سعيد مرزوق) بين ذراعيه، ويقفا عند مصباح الفنار، ومع ذلك لا يموت الشك داخله، وفي تلك اللحظة يتحول مصباح الفنار من نقطة الهدى في الظلام إلى نقطة الضلال وطريقاً إلى الشك المؤدي للجنون.

يُعطى “مرزوق” دلالات من أشياء أخرى غير الفنار كأسلوب عام في إخراجه ليضفي معاني شاعرية لعناصر الفيلم، فيمنح الأشياء حالة تشخيص مكتسبة من الشخصيات كالخوف والوحدة.

فعقب السجارة يجعل ماء البحر يغلي من شوق أنفاس “الريس مرسي” وتحمل العبوة المعدنية الفارغة التي يعبث بها “نور” فوق الصخور شهوته الخاوية وحيرته فيركلها عبثاً وتتدحرج حتى تقف في نقطة ما عبثاً كذلك، فقد ترك مصيره لعبث الصدفة التي ستتحدد له حكمه النهائي على النساء.

فعندما يوشك على لقاء “سعاد” يترك نفسه لقرارها إما أن تغويه فيستجيب أو تمنعه فيمتنع.

 نور الشربف وسعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب
نور الشربف وسعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب

أما فيلم The Lighthouse فتجربة مختلفة في استخدام الدلالة حيث اعتمد “روبرت إيغرز” على تكوين لوحات رمزية، فالفيلم يبدأ بجو نفسي غرائبي بين الحارس “توم ويك” ومساعده “إفرايم”: صراع السيطرة وفرض السلطة والاستعباد. كذلك يختار (إيغرز) الفنار ليكون محل العمل وأيضا رمزا بدلالة ذكورية. ففي لحظة إيروتيكية لـ”إفرايم” يستمني فيها متأثراً بجسد تمثال حورية البحر ومنساقاً وراء هلاوسه الجنسية.

يقدم “إيغرز” صور لموضوعات مختلفة في ثوانٍ متقطعة ومتلاحمة فيحمل المشهد لدقائق كل ما يلي: “إفرايم” متأوهاً في الظلام ممسكاً بتمثال حورية البحر، يقطع المشهد نحو جسد حورية بحر تشبه التمثال ممسوخة من لحم ودم ملقاه على الشاطيء وتغوي “إفرايم”، يقطع إلى الفنار المائل إلى اليمين ثم ينتصب رأسياً كعضو رجل يتحول قضيبه إلى الانتصاب، يقطع إلى “إفرايم” وهو يجذب حبل مربوط بمصيدة ملقاه في البحر بها رأس مقطوعة لرجل أعور. يقطع ويعود إلى “إفرايم” وقد وصل لحالة نشوته الجنسية. تعبير كثيف فائق القوة.

العلاقة بين “إفرايم” والفنار ليست فقط اعتبار الفنار كصورة رمزية للقضيب المنتصب وإنما أيضاً كهدف يسعى ورراء امتلاكه كما يسعى في تلك اللحظة للوصول إلى ذروة النشوة الجنسية.

فالرمز هنا يتوقف عند تلك اللحظة فقط على عكس ما قدمه “مرزوق” من إكساب المكان والأشياء لحالات شعورية تكتسبها من الشخص دون اللجوء إلى وصل الصورة بالحدث.

عقدة أوديب وثنائية الحارس/المساعد

فيلم The Lighthouse
فيلم The Lighthouse

ثنائية أبطال الحكاية هي موتيفة أدبية قديمة: أحدهما القائد والآخر التابع عن طريق التضاد بين الشخصيتين (الشجاعة/الجبن)، (الخير/الشر)، أو بين مواقعهما الاجتماعية (العالم/طالب العلم)،(الأب/الابن)،(المالك/العبد).

وبالإضافة للأبعاد النفسية التي يمكن أن تكون ممتدة في صراع عميق بين الشخصيات، توجد الفروق الشكلية من حيث السن والبنية الجسمانية، والسلوكيات الفردية التي تعكس فارق التجربة بين الشخصيتين.

في فيلم “زوجتي والكلب” يظهر فارق السن بين الريس ومساعده الصبي، ويظهر فارق التجربة العمرية عندما ينقل “الريس مرسي” تجاربه العاطفية بحكمة عميقة بالحياة السعيدة كما يتصورها إلى “نور” الصبي الذي يتعلم من ريسه عن المرأة فيستمع بإنصات إلى معلمه ويطلب المزيد.

لكن تلك العلاقة التي يستوعب فيها الريس مساعده، ويفشي فيها له أسراره تضع كل من “مرسي” و”نور” في فئة واحدة كالأصدقاء من نفس الفئة العمرية أو كرجل واحد يحدث نفسه وكذلك كرجلان يعشقان نفس المرأة.

يلعب سعيد مرزوق على موتيفة عقدة أوديب ببراعة حين تظهر صورة “سعاد”، وتتحول داخل نفس الصبي “نور” إلى سر مقدس يجب أن يكتشفه، خاصة أنه يضعهاكمثال لكل النساء.

فعندما يتسلل إلى غرفة “الريس مرسي” ليسرق صورتها يكون قد فَقَد ولعه بجسد النساء ليتحول إلى كره عميق لهم، سببّه له في الأساس “الريس مرسي”، ليصبح الصراع بينهما على من منهما ستمنح له “سعاد” جسدها.

 

تجلت عقدة أوديب في فيلم (The Lighthouse) بوضوح منذ اللحظة الأولى التي يلتقي فيها الحارس الأكبر سناً، والذي فَقَد ساقه وعمل في حراسة الفنار سنين، والصبي مساعده الذي يصغره سناً، وهو حديث التجربة بالعمل في الفنار.

فيفرض حارس الفنار “توم” سلطته في إصدار الأوامر وعلى “إفرايم” التنفيذ دون نقاش. مما يعكس العلاقة السلطوية بين الأب وابنه. كما أن سبب الصراع الرئيسي بين الحارسين منذ اللحظة الأولى للقائهما هو من منهما سيفرض سلطته ليستحق أن يخدم مصباح الفنار الذي يعامله الريس “توم” كإمرأته وحبيبته.

وعندما يتسلل “إفرايم” إلى الفنار ليلاً ليحضر سجائره التي قد نسيها يجد “توم” يقف عارياً فاتحاً ذراعيه لنور مصباح الفنار وينزل من تحته سائل لزج ويتحرك حوله ذراع أخطبوط ضحم ويتكرر ذلك في ليال عديدة على مرأى من “إفرايم”.

يتلصص “إفرايم” على رئيسه “توم” في لحظته الإيروتيكية مع المصباح الذي يستخدمه “إيغرز” في ترميزه للمرأة التي يرغب بها الصبي “إفرايم”.

سنعرف فيما بعد أن كل من الريس ومساعده اسمهمها “توماس” وهي دلالة رمزية بالاسم استخدمها “إيغرز” ليرمز إلى أنهما نفس الشخص يرغبان في نفس المرأة “مصباح الفنار”.

تكشُّف السر

 نور الشربف وسعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب
نور الشربف وسعاد حسني في فيلم زوجتي و الكلب

يلتقي الفيلمان في وحدة سردية أخرى متماثلة، وهي “السر المقدس” الذي يثير الفضول  حتى يتكشّف بالتدريج ويكون هو مفتاح بدء الصراع على مستويين داخلي فردي والآخر خارجي بين الحارسين.

كما أن هنالك اتفاق على تميمة ترتبط بهذا السر وتُضفي عليه قداسة إضافية. ففي فيلم “زوجتي و الكلب” كانت صورة “سعاد” المخبأة بين ملابس “مرسي” هي التميمة التي أثارت فضول “نور” منذ اللحظة الأولى وأغوته حول سر قداسة مرأة بعينها يتزوجها ريسه الذي قد سبق وأقنعه أن كل النساء خائنات وأوقع به في ظلام كره عميق لجنس المرأة حتى أنهار ومَزَق كل صورة عارية يملكها انتقاماً وكرهاً بعد أن كان يلهث عليها.

ولكن عندما قابل “سعاد” تبددت أوهامه، وفي طريق عودته إلى الفنار يقرر تمزيق تلك الصورة التي سببت له كل ذلك الألم حتى لا يعرف “الريس مرسي” أبداً أنه من سرقها وبذلك يخفي صراعه الداخلى نحو “سعاد” عن ريسه إلى الأبد.

والصورة هي أيضا تميمة حب “مرسي” لـ”سعاد” يحملها أين ما ذهب. فعندما يكتشف سرقتها يستيقظ وحش الشك والجنون داخله خاصة أنه سريعاً ما يشك أن “نور” هو الذي سرقها فيتوعد بقتله.

أما في (The Lighthouse) “توم ويك” الذي يملك السلطة على عناصر البحر ويهيؤها لخدمته في دلالة ميثولوجية أخرى داخل الفيلم متعلقة بـ”ترايتون ابن بوسيدن” (إله البحر) والعواصف عند الأغريق، القادر على الظهور في شكل عروس بحر نصف جسده بشري والنصف الآخر زيل سمكة أو أخطبوط أو كوحش بحري.

يضع “توم ويك” لمساعده “إفرايم” تمثال حورية بحر عاجي مخبأ في بطانة فراشه، فحورية البحر هي تميمة الغواية التي تأخذ عقل وقلب “إفرايم” إلى الجنون. فيصطاد “توم” فريسته الجديدة “إفرايم” بإيقاعة في الهوة العميقة لغرائزه.

لكن عندما يجد “إفرايم” الرأس المقطوع للرجل الأعور في المصيدة يعرف أن روحه هي التي حلت في النسر الأعور الذي هاجمه في بداية قدومه إلى الفنار. ويعرف حينها أنه إذا تبع غواية ذلك التمثال سيكون الفريسة التالية. فيخلص “إفرايم” نفسه من تميمة الغواية التي تقوده للجنون بتدمير تأثير التمثال بالسكين بعد أن يلقي به في الأرض مهشماً.

فيما يزداد فضوله نحو السر المقدس في مصباح الفنار، ولتحقيق تلك الرغبة يدخل مع “توم” في صراع ينتهي بقتله بالفأس هو أيضاً ليفوز بالسر المخبوء في الفنار.

الزمن: استحضار الماضي

مشهد من فيلم The Lighthouse
مشهد من فيلم The Lighthouse

وحدة سردية أخرى يلتقى عندها الفيلمان وهي استحضار الماضي الخفي للشخصية يجعل من مجال الصراع مجال مرتد بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وعدوه.

فالماضي الذي يستحضره “الريس مرسي” لخيانته لأصدقائه المقربين مع زوجاتهم هو الذي جعله صريع الجنون لأنه يعرف حقيقة الوجه الآخر من الصداقة والوجه الآخر لذاته.

في مشهد يجمع “مرسي” بالكلب في غرفته يدخل في حالة جنون هيستيرية ويُنزل على الكلب غضبه فينهال عليه بالضرب وهنا يبدأ في مواجهة الشر أمامه متمثلاً في نفسه الحقيقة التي يراها في الكلب وفي صديقه الذي يخونه مع زوجته.

محمود مرسي من فيلم زوجتي والكلب

فيما يتكشف ماض “إفرايم وينسلو” الذي ينساق وراء غواية تعويذة “ترايتون” نحو الجنون في مشهد يجمعه مع “توماس ويك” في حالة من السكر وينام على صدر “إفرايم” في مشهد يوحي بعلاقة جنسية مثلية محتمل أنها حدثت بينهما في عدم وعيهما.

وهي دلالة أخرى على الرغبة المكبوتة تحت مخاوف الإنسان، فيعترف “إفرايم” بشخصيته الحقيقة أن أسمه ليس “إفرايم وينسلو” بل “توماس هاورد”.

إن توماس اسم مسيحي يعني التوأم وهو نفس اسم ريسه “توماس ويك” الذي يخبره أنه يناديه فقط “توم”. وهي دلالة رمزية أخرى يضعها “إيغرز” دون اختصار للاسم حتى يبرز جوانب الصراع بين فردين داخل شخص واحد.

أي أنه يواجه الآن مخاوفه الذي تمثل له العدو الحقيقي. فيواجه “إفرايم/توماس” ماضيه معترفاً بشكل تفصيلي كما لو كان يطلب الغفران لأنه ترك زميله يموت في حادث تحت الأشجار ولم ينقذه بل انتحل شخصيته ليبدأ بداية نظيفة.

فيستحضر ماضيه أمامه ويبدأ في سكب أسراره كالحبوب المنثورة من زكيبة مربوطه لا تعرف ما بداخلها إلا بثقبها برغم أن “توم” حذره من الثقة وألا يعترف بالحقيقة فيقول له مرددا “لا تسكب حبوبك” “لماذا تسكب حبوبك؟” ولكن ذلك التحذير لم يكن أكثر من غواية ليرغب أكثر في الاعتراف بسره.

يكمن الشر في داخل نفس “إفرايم/توماس” وخارجه في السلطة الأبوية التي أحاطت به وكبتت رغباته فجعلت منه “كلباً” كما كان يصفه أبوه وزميله في عمله القديم و(توماس ويك). وبتذكر الماضي يعرف عدوه ويواجهه.

أبدية العذاب

Robert Pattinson في فيلم The Lighthouse
Robert Pattinson في فيلم The Lighthouse

كيف ينتهي صراع الإنسان مع حقيقته الخفية؟ يلتقى الفيلمان عند تلك النهاية المحتمة للشخصيات وهي الوقوع في هوة شك وجنون تقودهم إلى ألم لا ينتهي.

ينتهي الحال بـ”الريس مرسي” يقف على لسان في البحر الذي يظهر أخيراً في حالة هدوء  وتلمع الشمس فوق سطحه المستوي كالمرآة ولكن تنغرس الحطام الخشبية لمركبةٍ ما في هذا السطح، تماماً كالشك الذي قتل هدوء وصفاء علاقته بزوجته وصديقه. لم يكتب له سعيد مرزوق الانتحار كـ”عطيل” لينتهي عذابه ولكن تركه ينزف للأبد في معاناة مع مخاوفه.

وينتهي حال “إفرايم/توماس هاورد” تأكل النسور كبده الذي يتجدد بتجدد أنفاسه لأنه حاز المعرفة.

الدلالة الميثولوجية لمصباح الفنار الذي سعى وراءه تعود إلى شرارة النار التي سرقها “بروميثيوس” من كهف “زيوس” ليهديها للبشر، في دلالة على امتلاك المعرفة.

كما حمل “إيغرز” لنا الجانب الآخر لرمزية امتلاك النار أو النور أو المصباح أو المعرفة بإنها أغوت الإنسان لامتلاكها وأن عاقبة امتلاك المعرفة هي الشك الذي يولد الفضول للمعرفة من جديد. المعرفة هي العذاب الدائم المتجدد بتجدد الأنفاس كما حدث لـ”بروميثيوس” و”إفرايم/توماس”.

اقرأ أيضًا: في أثر إيمان مرسال.. خلفَ من سقطوا معذبين

آية بدر

فنانة تشكيلية ومدونة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى