وجهات نظر

الفن حرام؟.. مساحاتٌ بين اللهو والتجارة

مصطفى علي

هل يجوز لي أن أضحك وأمزح وأفرح وأقول نكاتا وطرائف دون أن أوصم بأنني شخص ألهو عن ذكر الله؟

تجيبنا النصوص، التي قرأناها أو سمعناها من بعض الوعاظ والخطباء، وفهمنا منها أن الإسلام لا يرحب بالضحك والفرح والمزاح، فـ”كثرة الضحك تميت القلب”، ونقل القرآن على لسان قوم قارون نصيحة: “لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين” القصص: 76

لكن مبدأ الاعتدال، الذي جاء به دين الإسلام، يتنافى حسبما أصدق مع هذه النظرة الضيقة للتأويل، فالضحك، كأي نوع من الترفيه والمرح، من خصائص الإنسان وفطرته، والإسلام ـبوصفه دين فطرةـ لا يُتصوَّر منه أن يُصادر نزوع الإنسان الفطري إلى “الانبساط”.

كثيرا ما أتساءل وأتحير.. وأنت مثلي معني بتلك الحيرة، التي أشكوها، محاولا محوها من صدري.. تماما كمن يتأذَّون من قرارات “الفن حرام”، التي يصدرها في وجوهنا القريبون والبعيدون.

لا أُفتي ولا أجتهد، لكن يُلح عليّ السؤال: “هل ما أقوم به يُعد لهوا عن ذكر الله؟”.. هل مشاهدتي مباريات الكرة حرام؟ هل متابعتي مسلسلي المفضل لهو؟ هل الاستماع إلى أم كلثوم يقود أذنيّ إلى صب الرصاص المغلي (الأنك) فيهما يوم القيامة، بحسب الحديث “الموضوع المركب الفضيحة”، الذي يقول “مَن جلس إلى قينة صُب في أذنه الآنك يوم القيامة”؟

أتساءل وأشكو..

وهناك من يجيبونني باستنكارهم الفنون عموما تحت شعار “ما لهذا خُلقنا”..

فأعود إلى السؤال الطفولي: لماذا خُلقنا إذن؟

يقولون: للعبادة وخلافة الله في أرضه..

وهل تستقيم العبادة، أو الخلافة، 24 ساعة مع كائن يُحب اللهو بفطرته وباعتراف النص السماوي؟..

لم يستقبح النص القرآني “اللهو”، بل يقنّنه..

لقد قضى الإنسان سنوات عمره الأولى -حتى 15 سنة- وهو غير مكلف.. لا تنطبق عليه مسؤولية دينية أمام إلهه.. إنه يلعب.. فقط يلعب ويلهو..

في مديح اللهو

إن حاجة الإنسان السويّ إلى اللهو فطرية.. فالإمام الغزالي قال لمن أفتى بأن الغناء مثلا “لهو ولعب”: “هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب”.

ولعلنا نرى أن المواظب على التفكر ينبغي أن يتعطَّل يوم الجمعة ليستعيد عقله نشاطه في سائر الأيام، والمواظب على نوافل الصلوات ينبغي أن يتعطل بعض الوقت، وربما من أجل ذلك كُرهت الصلاة في أوقات بعينها، فاللهو دواء القلب من الإعياء ومتاعب الدنيا، لذا وجب منطقيا أن يكون مباحًا..

وربما يستدل محرّمو متعة الإنسان باللهو بآية “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ..”.

أي

إذا رأى المؤمنون عِيْرَ تجارة أو لهوًا “انْفَضُّوا إِلَيْهَا”، يعني أسرعوا إلى التجارة “وَتَرَكُوكَ قَائِمًا” يا مُحمد على المنبر..

كانت التجارة المُشار إليها في الآية 11 من سورة الجمعة “زيتًا قدم به دحية بن خليفة من الشام”.

وهنا تقول لنا معاجم اللغة في تعريف كلمة “خير” إنه “ضد الشر، وجمعُه خُيور”، و”خارَهُ على صاحبه خَيْراً وخِيَرَةً وخَيَّرَهُ: فَضَّله”، فإِن أَردتَ معنى التفضيل قُلتَ: فلانة خَيْرُ الناسِ ولم تقل خَيْرَةُ، وفلانٌ خَيْرُ الناس ولم تقل أَخْيَرُ، لا يثنى ولا يجمع لأَنه في معنى “أفعل”.

فحين نفضّل شيئا على شيء، فإن الأخير ليس قبيحًا ولا حراما ولكن الأول أكثر فضلا، إذا ما تزامن وقت حدوثهما، ففي اللهو والتسلية والترويح عن النفس خير أيضا، ولستَ آثمًا إن استمتعتَ بفسحة الوقت، دون وضع المقدس في حال مقارنة مع ما سواه من الملاهي والمُتَع..

ما أستنتجه، فأومن به، أن الإسلام دين لا يحارب الفن ولا يُعادي الجمال والفرحة، بل ينوّه به في مواضع متعددة من القرآن والسنة النبوية، فقد ورد في الحديث النبوي أن “الله جميل يحب الجمال”، ومن ذلك أيضا تلك الآيات التي تؤكد أن الله خلق الكون في قمة الجمال وبث فيه من آياته الباهرة ما يدهش العقول: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) الآية 4 من سورة التين، و”أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَت”، الآيات 17 و18 من سورة الغاشية، وأيضا “وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ” الآية 6 من سورة النحل.

إذن، فالفن يعلو لكونه حالة تعبير عن الجمال والحُسن الذي يتراءى في أرجاء الكون ويغمر وجدان الإنسان بالإحساس بوجود علاقة بينه وبين هذا الجمال.

لكن استقباح حالة النشوة تلك، التي تصيب البشريَّ حين ينعم بصوت ينضح جاذبية وعذوبة، يأتي من عقول تحجرت بها أفكارها، لا ترى في الإنسان مشاعر، بل طحْنَ آلات تؤدي حركات العبادة، لكن روحها لا تتعبّد.

ولعلنا نرى في جذور الدين والفن وحدة مبدئية، فالدراما ذات أصل ديني، سواء من ناحية الموضوع، أو من ناحية التاريخ، والفن، كأداة تعبير وإحساس بكل جمالي في الكون وإظهاره والتفاعل معه، يكون نمطًا من أنماط العبادة، أو يكون -حسب قول “كافكا”- “نوعًا من الصلاة”.

اختلافات في الرأي

البعض يقول إن الفن ليس كله حلالا، لكن التاريخ يقول إن هناك فنا إسلاميا وُجد في روح الحضارة الإسلامية، التي انتشرت في أرجاء العالم على مدى 14 قرنا، وكان فنا متميزا في شكله وجوهره يتركز على رؤية عقدية تحكم صناعته وترسم مساره العام وتحدد أهدافه الكبرى من غير أن تلزم الفنان المسلم بوسيلة واحدة للتعبير الفني.. هنا لا مكان لمن يقول إن هناك تعارضا بين الفن والإسلام، لأن الإسلام عندما يقول إن هذا الأمر حرام أو حلال فلا بد أن يكون هناك دليل نصّي، وليس هناك دليل قاطع يجعلنا نؤكد حرمانية الفنون، فما يشيع فضائيا مثلا عن أن التماثيل حرام، لكونها كانت تُعبد قديما، صار ضد المنطق، فعصر المعلومات الذي نحياه ربما لا يكون عقلانيا فيه أن يعبد الناس حجرا، ولو عبدوه لما صار ذلك دليلا على حرمانية التمثال وصناعته، بل على ضيق أفق العقل الذي ذهب إليه باعتباره إلها..

الموسيقى ولعبة الإجماع

جهات دينية رسمية ومفكرون إسلاميون اتفقوا على جواز سماع الموسيقى، لأنه “لا توجد أي علة لتحريمها”، إذ يذكر أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني الحسني في كتابه “مواهب الأرب المبرئة من الجرب في السماع وآلات الطرب 1-2 ج1″، عن تحريم الموسيقى والغناء، تفنيده في نقاط عدة، منها: انتفاء وجود إجماع على حكم الموسيقى والغناء اجتماعا وافتراقا، كذلك انتفاء وجود نص من القرآن الكريم تكلم عنهما، بالإضافة إلى انتفاء وجود نص ثابت من السنة قاطع بمنع الموسيقى أو الغناء، مشيرًا إلى أن نسبة القول بالتحريم بإطلاق قول واحد إلى الفقهاء الأربعة في شأن الموسيقى أو الغناء، ليس دقيقًا.

الدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي، تطرق في كتابه “الغناء والموسيقى حلال.. أم حرام؟” إلى حرمانية الغناء، حيث قال: “إذا كان الغناء في جوهره: صوت جميل تصاحبه ألحان وأنغام مؤتلفة تزيده جمالا، فلقد عرض الفكر الإسلامي لهذا الغناء باعتباره فطرة إنسانية تحاكي بها الصنعة الإسلامية الخلقة الإلهية التي أبدعها الله وخلقها في الطيور والأشجار، فالصوت الجميل الصادر من حنجرة الإنسان هو محاكاة للأصوات الجميلة الصادرة من حناجر البلبل والعندليب والكروان.. ومعزوفات الأوتار التي تثمر الألحان المؤتلفة والجميلة هي محاكاة الصنعة الإنسانية لما تعزفه الأشجار والأغصان والأوراق في الحدائق الغنّاء عندما تهب عليها الرياح والنسمات، وإذا كان غير وارد ولا جائز ولا معقول تحريم الأصوات الجميلة إذا جاءت من حناجر الطيور، فلا منطق يحرمها إذا صدرت من حنجرة الإنسان”.

الشيخ سيد سابق، أحد علماء الأزهر، قال في كتابه الشهير “فقه السنة” في باب “بيع آلات الغناء” “إن الغناء في مواضعه جائز، والذي يقصد به فائدة مُباحة حلالٌ وسماعه حلال، وبهذا يكون منفعة شرعية يجوز بيع آلاته وشراؤها”..

أما الحديث الذي رواه أحمد والترمذي عن عقبة بن عامر أن النبي قال: “كل ما يلهو به الرجل المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهنَّ مِن الحق”، فلا يعني حرمانيةغير ذلك من اللهو، فمعنى “باطل” هنا أنه “لا يُؤجَر عليه لكن لا يلحقه إثمٌ”، وقد دلَّ على ذلك ما قاله الإمام ابن تيميَّة في “الاستقامة”: “والباطل مِن الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع”.

إن المعقول في هذه الحياة هو ما يتوافق مع رحابتها لا مع ضيقها.. استنادًا إلى قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”، باعتبارها قاعدة تتحدث باسم عقلانية الدين وانفتاحه، ولا ينتظر إنسان هذا العصر، المضغوط بالفقر والقهر، إلا أن يجد فسحة من ترفيه ومسحة من أمل وبحبوحة في تقديرات المنْع.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى