الفيلسوفة "أسباسيا"

عظَّمها "سقراط" وكرهها الأثينيون

كانت أشهر امرأة في أثينا، أجلّها كبار فلاسفة عصرها (أمثال: سقراط، وأفلاطون، وأناكساغورس)، وأغوت بعلمها وجمالها أهم سياسيي أثينا. هذا النفوذ دفع المؤرخ الإغريقي “بلوتارخ” لأن يتساءل متعجبًا: أي فن وأي سلطة امتلكتها هذه السيدة لتسيطر على ألمع السياسيين وتلهم الفلاسفة؟.

قدِمت “أسباسيا” مع والدها من “ميليتوس” -البلد اليوناني الصغير- إلى أثينا 450 ق.م، ولأنها من أسرة غنية تلقت تعليمًا عاليًا في الفلسفة والطب امتنع تحصيله على النساء بالمجتمع اليوناني، حيث كُنّ مكرسات لتدبير شئون المنزل ورعاية الأسرة، وكانت معارف كالطب -مثلًا- تُعد علمًا إلهيًّا محرمًا على النساء والعبيد باستنثاءات قليلة، من بينها “أسباسيا”.

في أثينا لم تتمتع ابنة “ميليتوس” بحقوق المواطنة الكاملة، حيث كانت مقصورة على مواطني البلد اليوناني الكبير، ومع ذلك كفل ثراء العائلة لـ”أسباسيا” مخالطة النخبة، إلى جانب أنّ وضعها كأجنبية حررها من قيود كثيرة فُرضت على الأثينيات.

اندمجت “أسباسيا” سريعًا بمجتمعها الجديد، وظهر تفوقها على رجال أثينا، خاصة في الخطابة، وقيل إن كثيرًا منهم عُنوا بتعلم البلاغة في مدرسة أسستها لهذا الغرض، أمّا “سقراط” -أعلم أهل عصره- فكان يقطع دروسه ليستمع إلى خطبها، وأحال إليها في شئون الأسرة باعتبارها الأكثر دراية. وفي محاورة “مينكسينوس” اعترف “سقراط” بأستاذيتها في فن الخطابة. وهناك من ذهب أبعد، فنسب إليها الطريقة السقراطية، وأن الفيلسوف الأشهر نقلها عنها، ليستند هذا الرأي إلى محاورات لها، منها محاورة مع المؤرخ الشهير “زينوفون” وزوجته عندما عهدا إليها بالإصلاح بينهما.

"سقراط" و"أفلاطون"

أبدى “أفلاطون” أيضًا إعجابه البالغ بذكاء “أسباسيا” وحكمتها، وزعم البعض أنها ألهمته شخصية النبية “ديوتيما” في محاورة المائدة، كما استشهد الفيلسوف “أناكساغورس” بآرائها محتفيًا بها. وفي ندوةٍ أَمَّتها تعرفت على “بيركليس” أهم سياسيي أثينا وحاكمها.

مفتونًا بحسنها وذكائها وثقافتها الواسعة، تخلّى “بيركليس” عن زوجته، واصطحب “أسباسيا” إلى بيته خليلة. حال القانونُ دون أن تُمسي زوجة، كونها ليست أثينية، وكانت وضعية الخليلة أو العشيقة شبه قانونية.

سيدة “ميلينوس” المتفوقة أثارت حسد وحقد كثيرين بتحديها وضع المرأة في المجتمع الأثيني، وتشجيعها لهن على مخالطة الرجال، والتمرد على ضوابط وتقاليد عدّتها مجحفة بحق المرأة الأثينية، من بينها عدم السماح لها بتلقي تعليم عالٍ، ثم جاء ارتباط “أسباسيا” بالرجل الأقوى في أثينا “بيركليس” فزاد من التحريض عليها.

اتهمها الأثينيون بالفجور والعهر وبإدارة بيت للدعارة، وهي ادّعاءات تبناها مؤرخون قدامى (أثينيون) ومُحدَثون، لكنّ لهذا البيت قصة أخرى تدحض دعوى الدعارة، نقع عليها في مراجع تؤرخ للطب القديم.

في هذه المراجع تُذكر “أسباسيا” إلى جوار اسم رائدة في مجال الطب مثل “كليوباترا ميترودورا” (طبيبة وجراحة يونانية من أصل مصري ظهرت في القرن الثاني أو السابع الميلادي، وعُدت من أبرز الأسماء بهذا التخصص)، حيث سجل أهم الأطباء البيزنطيين، أمثال “بول إيجينا” (625-692م) و”أيتيوس الأميدي” (القرن السادس الميلادي) إعجابهما البالغ بمعارف “أسباسيا” الطبية وتقنياتها، واعتبرها الأخير عبقرية معادلة لأفضل الجراحين الذكور في عصرها.

صورة متخيلة للفيلسوفة "أسباسيا"

وينسب الأطباء القدامى للفيلسوفة والطبيبة اليونانية وضع أسس عملية التوليد، وابتكار تقنيات الإجهاض، إلى جانب الإدارة الجراحية لفشل الحمل، مدونين أنها كانت سبّاقة في حذرها إزاء عمليات الإجهاض، فلم تُجْرِها إلا لدى تعرض حياة الحامل للخطر أو عند إصابتها باضطراب يُنذر بالخطر في حالة استكمال الحمل.

وأفاض أولئك عن ريادة “أسباسيا” مجموعةً متنوعة من العمليات الجراحية، مثل: القسطرة الوريدية، والبواسير، والفتق، ودوالي الخصية، وهذه العمليات وغيرها اصطنعت خلالها “أسباسيا” تقنيات جراحية سُجلت باسمها.

ما مارسته سيدة “ميليتوس” لم يكن العُهر بل الطب، وما علّمته للفتيات لم يكن الدعارة بل فنون جراحة التوليد، ومن بيت أسسته لتعليم الطب (وقيل لتدريس فنون الخطابة أيضًا) لا لممارسة الفجور، ابتكرت التقنيات الجراحية التي أبهرت الأطباء والجراحين اللاحقين لها. تهمتها الحقيقية كان نمط حياتها المتحرر، وتشجيعها السيدات الأثينيات على مغادرة منازلهن، وتلقي تعليم عالٍ يؤهلهن لمقارعة الرجال في الميادين المختلفة.

وفي زمنها وجّه لها الأثينيون رسميًّا جزاء ذلك تهمة إفساد النساء، وقدموها للمحاكمة، فدافع عنها “بيركليس” في خطبة دامت ثلاث ساعات ليبرئها القضاة، لكن المجتمع أصر على إدانتها وإدانة “بيركليس” معها، فرغم مكانته لم يسلم من السخرية والزراية به بوصفه أنه أمسى ألعوبه في يد عشيقته، وأنها هي التي علمته الخطابة وتُعد له خطبه.

تمثال نصفي للحاكم الأثيني "بيركليس"

طوردت “أسباسيا” أيضًا ومعها “بيركليس” عبر الكوميديا الإغريقية الشهيرة، فزعم الكاتب المسرحي “أريستوفان” ساخرًا في إحدى مسرحياته أن “بيركليس” ورّط أثينا في حرب “أرشيداميان” ضد “ميجار” بسبب اختطاف مجموعة من الميجاريين لفتاتين من بيت الدعارة المملوك لـ”أسباسيا”. ونسب لها كاتب مسرحي آخر “دوريس” التسبب في الهجوم الأثيني على “ساموس”. وتحدث ثالث “يوريبيدس” عن مشاركة السياسي الأثيني الأبرز لـ”أسباسيا” مع رجال آخرين، وأدانها جميع هؤلاء باعتبارها عاهرة وصاحبة ماخور.

ظلم فادح رفعه الأدب الحديث عن كاهل الفيلسوفة والطبيبة اليونانية، فأهدى لها الكاتب والشاعر الإيطالي “جياكومو ليوباردي” (1798-1837م) قصائد تقطر عذوبة وأسى على ما واجهته من عنت، متناولًا قصة حبها مع “بيركليس” التي ألهمت الأديبة “ليديا شيلد” رواية صدرت عام 1863، وقدم الكاتب “جورج كرام كوك” (1873-1924) عملًا مسرحيًّا تناول الحقبة التي عاشت فيها فيلسوفتنا، مستعرضًا حال النساء في المجتمع الأثيني وقتها، راسمًا شخصية “أسباسيا” كمدافعة عن حقوقهن ومناضلة من أجل الحرية.

الاحتفاء الأدبي الحديث غذّاه تفرد “أسباسيا” وريادتها وتراجيديا قصتها التي أكدها القدر بانتزاع حبيبها “بيركليس” من بين يديها بعدما أنجبت ابنًا منه، فمات الحاكم الأثيني حزنًا على وفاة ولديه من زوجته الأولى.

وتقول سيرة “أسباسيا” إنها اقترنت بعد ذلك بالحاكم التالي لروما الجنرال “لاكليس”، لكنه قُتل في إحدى المعارك الحربية، ثم فقدت ابنها حيث أُعدم لسبب غير معلوم في حرب لأثينا. انقطعت أخبارها إثر ذلك حتى سنة وفاتها التي رجّحها المؤرخون بأنها 400 أو 401 ق.م.

كان المجتمع الأثيني يحتفظ بالمرأة في المنزل، ويرفض خروجها مستسلمًا استسلامًا تامًّا لنظام هرمي لا يزعجه تبرم فئات متضررة ولا يقلقله تمرد نخبة على مظلومية تلك الفئات، فأرسطو مثلًا رأى ضرورة خضوع المرأة لسلطة الرجل باعتبارها أقل شأنًا، ورغم تقدمية موقف أفلاطون وعدم تفرقته بين الرجل والمرأة في التعليم والعمل؛ لكنه آمن بأن أحسن ما تأمله المرأة أن تتحول إلى رجل، وسقراط نفسه لم تكن رؤيته للمرأة بأفضل منهما، لهذا من المفهوم مدى عنف وقساوة ما تعرضت له “أسباسيا” في حياتها من رجال عجزوا عن تصديق أن هناك امرأة تفوقهم. ومداراة لخجلهم طاردوها حتى بعد وفاتها بأشنع الاتهامات في محاولة لحجب سيرة طبيبة فيلسوفة علّمت أبرز رجال عصرها، وعلمت الرجل الذي كان يعلم أنه لا يعلم شيئًا لكنه علم العالم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

Mohamed.altanawy1@gmail.com

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram