زوايا

القاضي الفاضل ويعقوب بن كلس.. صراع على هامش التاريخ

ذات صباح، وقف الناصر صلاح الدين الأيوبي وسط جمع من رجالاته في بهو قصره مزخرف الأركان، والذي احتضن، حتى وقت قريب، آخر خلفاء الفاطميين، لكنه الآن وقد أوقف الدعاء للخليفة الفاطمي الشيعي “العاضد لدين الله” سنة 546- 567هـ، وأمر بالدعاء للخليفة العباسي في بغداد، وأمر بإغلاق الجامع الأزهر مركز الدعوة الشيعية ونواة أفكارها، قد استقر رأيه على حرق المكتبة الفاطمية الشهيرة في القاهرة، والتي كانت تحوي ما يزيد على مليون ونصف مليون كتاب، في علوم شتّى، هكذا تقر دراسات وبحوث العديد من المختصين بتاريخ الدولة الفاطمية، غير أن روايات أخرى أكثر دقة تصف لنا المصير الحقيقي لمكتبة الفاطميين العامرة.

يعقوب بن كلس

فإلى جوار صلاح الدين كان يقف وزيره وصفيه القاضي عبدالرحيم البيساني، المعروف بالقاضي الفاضل (526هـ – 596هـ)، ينظر في مصير المكتبة العامرة التي تزخر بعيون التراث الإنساني، إنه ليذكر الآن إلى أي حد سيغتاظ الوزير (يعقوب بن كلس)، وزير الفاطميين وعقلهم المدبر، حين يستشعر مصير  المكتبة التي أوعز إلى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ببنائها لتكون نواة ومركزا لنشر الفكر الشيعي الباطني.

صلاح الدين الأيوبي – رسوم من الإنترنت

كان  يعقوب بن كٍلس، حسب ما يروي صاحب “سير أعلام النبلاء”، قد وُلد لأسرة يهودية ببغداد، داهية، ماكرا، فطنا، من رجال العلم والسياسة، وقد جاء إلى مصر فارا من الدَّين  في عهد كافور الأخشيدي فاقترب من حاشيته، وأشهر إسلامه على مذهب أهل السنة تزلفا وصار من رجالاته، ثم فر إلى بلاد المغرب ليعتنق المذهب الشيعي، ويصير وزير “المعز لدين الله”، لكن الرجل الذي أدرك ثراء بلاد النيل في ثناء عمله ببلاط كافور الإخشيدي ما لبث أن أغرى المعز بالسيطرة على مصر لتكون معقلا للعقائد الشيعية الباطنية في المشرق الإسلامي، وقد تعاظم دوره ونما خطره إلى الحد الذي جعل شخصيته تطغى فيما بعد على أكثر رجال المعز شأنا، حتى أولئك الذين كان لهم الفضل العسكري في نشوء دولة الفاطميين بمصر مثل القائد جوهر الصقلي.

عندما قدم يعقوب بن كلس إلى مصر كان يدرك خطورة الكلمة، وأهمية الفكر والحجاج في التبشير بالمذهب الجديد، كما كان يدرك طبيعة الحياة العلمية في القاهرة التي طالما دارت من خلال مسجدَي “عمرو بن العاص” و”أحمد بن طولون”، اللذين سيطرت على حلقاتهما الدراسة السنية، فكان كل شيخ أو عالم يحدد له عمودا أو رواقا يعرف باسمه ويتردد عليه الطلاب الراغبون في التعلم حتى يحصلون على الإجازة.

حاول الفاطميون في البداية تسريب أفكارهم من خلال حلقات تلك المساجد لكنهم فشلوا لما لاحظوه من رسوخ المذهب السني في نفوس المصريين، ولما ابتنى جوهر الصقلي القاهرة  كما أمر المعز لدين الله بجوار عواصم مصر القديمة (الفسطاط، والعسكر، والقطائع)، وابتنى للمدينة الجديدة مسجدا جلس للقضاء في أروقته، أصبح للمذهب الدخيل مدينة ومسجد، وبات على جوهر أن يلتفت إلى دخول الفكرة إلى أروقته، وخروجها إلى الناس منه، والتفكير في استقطاب الناس إليه، ولم يكن هناك أمهر من يعقوب بن كلس للقيام بهذا الدور.

في البداية قرر يعقوب التقريب بين الفواطم وعامة المصريين عن طريق الدراسة والندوات العلمية، التي كانت تعقد في قصره في شتى مناحس العلوم والفنون، وصارت مجالسه -بعدما أنفق عليها ببذخ- من أحب المجالس إلى نفوس المصريين الذين رغبوا فى معرفة أسرار الدعوة الجديدة، حينئذ طلب ابن كلس من الخليفة العزيز بالله نقل تلك المجالس الأدبية إلى صحن الجامع الأزهر ليصبح دار علم وتثقيف فى فقه الشيعة الإسماعيلية، وقد ظل الأزهر الساحة الأولى لنشر الفكر الشيعي والعقائد الباطنية، وباتت مكتبته عامرة بأمهات كتب الفقة الشيعي ومنبرا لاجتهادات الفقهاء والمؤولين الباطنيين، ثم ازدادت مكتبات القاهرة ثراء بكتب الشيعة بعدما تأسست دار الحكمة عام 395 في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، لتكون من رموز الدعوة الشيعية، وكان المسؤول عنها داعي الدعاة، فأصبحت دار الحكمة منافسا كبيرا للأزهر، بعدما انفض الطلاب والأساتذة إلى الجامعة الجديدة.

الدولة الفاطمية – رسوم من الإنترنت

لحظة النصر والانتقام

ظلت الأمور تسير وفق ما خطط يعقوب وحلم إلى أن أشار وزير صلاح الدين عليه بضرورة الاستيلاء على مصر لتخليصها من حالة الحياد السلبي التي ألبسها إياها الفاطميون في الصراع الإسلامي- الصليبي، وضرورة تكوين محور دمشق/ القاهرة لحسم قضية القدس التي أرهقت أجيالا من المجاهدين، لم يكن غريبا إذا ما روي عن صلاح الدين في حق القاضي الفاضل: “لا تظنّوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم القاضي الفاضل”، وهو المعنى نفسه الذي يؤكده المؤرخون حين يصفه صاحب سير النبلاء في ترجمته:

“قضى سعيدا، ولم يبق عملا صالحا إلا قدمه، ولا عهدا في الجنة إلا أحكمه، ولا عقد بر إلا أبرمه، فإن صنائعه في الرقاب، وأوقافه متجاوزة الحساب، لا سيما أوقافه لفكاك الأسرى، وأعان المالكية والشافعية بالمدرسة، والأيتام بالكتاب، كان للحقوق قاضيا، وفي الحقائق ماضيا، والسلطان له مطيع، ما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه”.

كان الأهم ما خطط القاضي الفاضل في سبيل تخليص مصر من بقايا المذهب الشيعي، فعزل قضاة الشيعة وحل محلهم قضاة شافعيون، وألغى مجالس الدعوة الشيعية وأزال أصول المذهب الشيعي الإسماعيلي، وأبطل الأذان بـ”حي على خير العمل محمد وعلي خير البشر”، وأمر بأن يذكر في خطبة الجمعة الخلفاء الراشدون جميعًا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

لكن إجراءات أخرى اتخذت للعودة بالمجتمع الاسلامي في مصر إلى ما كان عليه قبل قدوم الفاطميين، وتأسيسهم لمدينتهم وأزهرهم، فكان قراره بإغلاق الأزهر، واستبدال دوره ببعض المدارس التي قامت بنشر المذهب السني، فأنشأ صلاح الدين مدارس عدة، منها المدرسة الناصرية عام 566هـ بجوار المسجد الجامع –مسجد عمرو بن العاص- لتدريس الفقه الشافعي، وفي العام نفسه، أنشأ المدرسة القمحية لتدريس الفقه المالكي على مقربة من المدرسة الناصرية، كما أنشا المدرسة الصلاحية بجوار قبر الإمام الشافعي، وكان اختيار المذهب الشافعي دون غيره من المذاهب مقصودا، ربما لما مثله من أهمية في مواجهة المذهب الشيعي في الزمن الأول، فصارت عادة الحكام الأيوبيين منذ ذلك الحين تعيين قاض للقضاة من الشافعية يمثل المرجعية لسائر المذاهب، وسرعان ما استقطبت هذه المدارس النازحين والفارين من علماء أقطار العالم الإسلامي أمام الزحف الصليبي والهجمات المغولية.

مسجد عمرو بن العاص

صار بناء المدارس وتعليم الطلاب والقيام بدور في نصرة المذهب السني مفخرة النبلاء في العصر الأيوبي، فلم يقف إنشاء هذه المدارس على السلاطين وحدهم وإنما نافسهم في إنشائها الأمراء والقضاة والعلماء والتجار، وهو ما جعل مؤرخا مثل ابن بطوطة يقول إن  “المدارس بمصر لا يحيط أحد بحصرها لكثرتها”، بينما يقول القلقشندي: “لقد بُني فيها من المدارس ما ملأ الأخطاط وشحنها”.

أما عن مكتبة الفاطميين العامرة، التي بلغ عدد مصنفاتها، بحسب المقريزي، مليونا و600 ألف مجلد، منها 100 ألف مجلّد فاخر الطبع والتجليد، فقد تضاربت أقوال المؤرخين حول مصيرها، إذ حاول عدد من المؤرخين الذين حملوا ضغائن لصلاح الدين ودولته إما لأسباب شخصية كابن الأثير أو لميول مذهبية، إلصاق تهمة حرق كتب الفاطميين لصلاح الدين، أو بيعها في مزادات علنية بين القاهرة والشام، ويكاد يقع الإجماع بين المؤرخين على نصيب القاضي الفاضل الوافر من تلك المصنفات، سواء كان ذلك عن طريق الشراء أو حصوله عليها كهدايا من صلاح الدين، فبحسب روايات ابن خلكان، والمقريزي، وابن تغري بردي، سمح صلاح الدين للقاضي الفاضل بأخذ كل ما يلزمه ويريده منها، ثم عرض بقية المؤلفات للبيع للجمهور، هكذا يمكن استيعاب ما نقله ابن خلكان عن مكتبة القاضي الفاضل: “وبلغنا أن كتبه التي ملكها بلغت مائة ألف مجلد، وكان يحصلها من سائر البلاد”.

بلال مؤمن

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى