ثقافة وفن

«القاهرة كابول».. الصوفية بديل شعبي لإرهاب مستورد

منذ ملحمة «شيخ العرب همام»، ثم «الخواجة عبد القادر»، تعرف محبو الدراما العربية على عبد الرحيم كمال، كاتبًا بنكهة مختلفة، ظهرت بوضوح في أعماله، وهي اللمحة الصوفية الشعبية، بعيدا عن مغالاة المجاذيب، مفاهيم كلها تدور عن معاني التصالح، ورفض الكره، وتجنب التطرف والمغالاة، وعدم الحكم على الآخرين، وهو ما ظهر أخيرا في مسلسل القاهرة كابول.

في منتصف الطريق بين مسجد «سيدي علي أبو شباك الرفاعي»، في القاهرة، ومسجد «سيدي أبو الحسن الشاذلي» في حميثرة بالبحر الأحمر، ولد عبد الرحيم كمال بالعيساوية شرق سوهاج، وحمل روح الجنوب وأصالته وروحانياته، وتخرج في المعهد العالي للسينما قسم السيناريو عام 2000.

«من ذاق عرف»

بعد أن تلمس المشاهدون الملامح الصوفية في أعماله، والتي تجلت في «الخواجة عبد القادر»، التي أنشأها على مبدئي «التحلي» و«التخلي»، المستمدين من كتاب «المنقذ من الضلال» لحجة الإسلام وإمام الصوفية أبي حامد الغزّالي، اعترف «كمال» أنَّه «صوفي الهوى، والصوفية منهج قائم على الحب، وأنا أحب الصالحين ولست منهم، وأحب التقرب من أصحاب الطاقات الإيجابية، وأنا في النهاية في طريقي في رحلة البحث عن النفس، والناس تحكم».

«القاهرة كابول» وحرفية صناعة «المفارقة»

أعاد كل ذلك لأذهان متابعي الدراما، شخصية «الأستاذ حسن» التي جسدها الفنان نبيل الحلفاوي، في مسلسل «القاهرة كابول»، والتي اتسمت بطابع نمطي عن «حكيم القرية» بمعناه التربوي، وتباينت ردود الفعل عن الشخصية مع بداية الحلقات، بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فبعضهم يراها «مبالغ فيها، وفي نصائحها المجانية»، وبعضهم يراها «بطل حقيقي للمكان والزمان يطغى على بطل العمل الأساسي».

المفارقة هو المعنى الثالث المتولد من اجتماع نقيضين، والتي صنعها «كمال» بحرفية بالغة بين شخصية «رمزي» الإمام الطموح الذي يريد «حكم العالم بشرع الله»، بينما يزهق الارواح في كل خطوة، ويدمر الإنسان والإنسانية، وبين الاستاذ «حسن» بحكمته البسيطة، التي ترى الخير في الإنسان طول الوقت، أيا كان مذهبه أو فكره، وأن التسامح والصفاء هما الحل وليس العنف والدماء، ليترك للمشاهد حرية الحكم والاختيار، أمام هذه المفارقة الشاسعة، بعد أن اكتملت اللوحة أمامه، ورأى كل طريق من أين يبدأ وأين ينتهي وما هي علاماته.

القاهرة كابول
مشهد من مسلسل القاهرة كابول

اقرأ أيضا: القاهرة كابول.. حين تتوقف الدراما تبدأ الموعظة

«حسن» إنسانية الصوفية والرحمة في التراث

أجمل ما في أعمال «كمال» هو تزاحم الإشارات والدلالات والزخم الثقافي، بدءا من الأسماء وحتى الجمل الحوارية، مثل ميلاد «رمزي» الذي يرمز للإرهاب في يوم نكسة 1967، لكن جمل «عم حسن» الحوارية كانت تحمل طابعين، الأول الإنسانية السمحاء، والثاني الألفاظ المحددة التي تتماس مع الصوفية دون مباشرة، مثل «قلبك متشعلق» في دلالة على تعلق القلوب، وهو تركيب بسيط عميق، فالكلمتان تستخدمان يوميًا في حياتنا، لكن تركيبهما معا في حديث بنت مع أبيها عن رجل تحبه، صنع منهما «حالة وجدانية» خفيفة عابرة، لا تتوقف عندها، بل تمسك، وتمس أي إنسان، وتمضي لجملة أخرى، «الهداية درجات»، وفيها إحالة لطيفة أيضا لمراتب الصوفية، وهي: النقيب، والنجيب، والبدل، والوتد، والإمام، العارف، والقطب.

 أيضا جملة «أسامح واستحمل أي حاجة إلا تقل الدم»، فإن التركيب المشهور هو «أستحمل أي حاجة إلا كذا..»، لكنه أدخل عليها كلمة «أسامح»، كلمسة بسيطة حملت التركيب معنا روحيا، إضافة للمعنى المادي لكلمة «أستحمل».

في موقف آخر، يجمع الشاب «علي» بـ«عم حسن» حيث ينفحه الأخير طبق «أرز بلبن»، ودلالته ليست في ارتباطه بالصوفية تاريخيًا ولا بنشئة الحلوى الإسلامية، لكن الأرز باللبن هو «أرخص حلوى وغذاء» يمكن صنعه، ما يتناسب مع تقشف وزهد الصوفية، لذلك يميلون إليه دائما. ثم يطلب منه أن «يصلي على النبي ويأكل»، وليس أن يسمي الله ويأكل، وهو من زيادة مرتبة الحب بذكر الرسول الحبيب، على مرتبة الواجب بذكر اسم الله، أو أن التسمية أمر مفروغ منه، فتكون الاستزادة بالصلاة على الحبيب.

ثم يلفت انتباهه على ضرورة «أن يستطعم»، وهي الاستخدام العامي للفظة «يتذوق»، التي تحمل خلفية ثقافية واسعة لدى الصوفية، حتى يصبح «الأكل عبادة»، وهو تطبيق صوفي لقول الله تعالى «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» (الأنعام – 162)، ثم الإشارة إلى اسم الشاب «كثير السؤال»، وتعليقه «لا فتى إلا علي»، فالإمام علي كرم الله وجهه، هو أبو الحسين، أحب أهل بيت رسول الله للصوفيين، دون مغالاة في تمجيده مثل الشيعة، ثم سؤاله المبدوء بـ«حضرة النبي»، وهو أدب صوفي في التحدث عن رسول الله وفي تبسيطه لحديث «الفرقة الناجية» (أخرجه الترمذي 2640، وأبو داود 4596، وأحمد 2|332)، قال «لا يهلك على الله إلا هالك» (أخرجه البخاري6491 9، و«من صمت نجا» (أخرجه الترمذي 2501، وأحمد 6481)،  وهي من الأحاديث النبوية الترغيبية، التي توضح أن من يدخل النار هو من تعمد طوال حياته ارتكاب المعاصي قولا وعملا، وتعمد الابتعاد عن الطاعات قولا وفعلا، كما أن حديث الصمت يوضح فضيلة السكوت، وهي بداية مرحلة التأمل لدى الصوفية، بمقاومة شهوة الجدال، وبخاصة بعد أن أضاف «يعني اللي حاطط لسانه في بقه ومابيفتيش».

اقرأ أيضا: الصوفية كلاعب احتياطي.. بديل الإسلام السياسي جاهز على خط التغيير

«الصوفية» بديل شعبي لإرهاب «مستورد»

ولا شك أن زخم هذه التعبيرات الصوفية، والأحاديث المبشرة كعادتهم دائما، كانت مقدمة لأن يقول «عم حسن» في مسلسل القاهرة كابول، مباشرة في شرح حديث الفرقة الناجية «يجي واحد يقولك أصل الطرق الصوفية دي من الفرق اللي هاتخش النار»، ثم يوضح الفرق بين الفرق والطُرق «الطُرق إلى الله بعدد أنفس البشر»، ويضيف في تفنيد مزاعم المتشددين «يقولك المعتزلة في النار، والشيعة في النار، ويعدلك 15 ألف فرقة، تقوله دول أكتر من 73، يسكت، لأن البعيد جاهل، عايز يدخل أكبر عدد في النار، تقولش هاياخد نسبة».

ثم يحدد فهم عم حسن/الصوفية لمصطلح الفرق «فهمي إنها ناس غيرت وفرقت، عملت فُرقة في أساس الدين، قالت إن في نبي بعد حضرة النبي مثلا»، ويتابع مستنتجا «مش أي حد مختلف معاك في التفاصيل تقوم تحدفه في النار، وبعدين إنت مين أصلا عشان تدخل الناس النار، مش يمكن ربنا يكسفك ويدخله الجنة؟».

ويختم حواره عن الفرق بما بدأه من إشارة إلى «الاستطعام»، وإبراز بساطة الصوفية في العبادة والمعاملة، ويوجه حديثه لعلي قائلاً «كل يا علوة، كل رز بلبن واستطعم واحمد ربك، تاخد ثواب كبير»، وهنا تتجلى حرفية كتابة الدراما، في تجميع خطين متوازيين، وهما خط الحكمة والحديث عن الصوفية، وخط تناول الأرز بلبن، فكأنه حين يحثه على استطعام الأرز بلبن، أن يسقط على تذوق فهم الصوفية لمصطلح الفرق، و«اشكر ربك»، هو الأساس في الحياة، تشكره على نعمة الطعام التي لا حول ولا قوة لك فيها، وعلى نعمة الفهم، التي منحة إلهية وضعها الخالق في العقل والصدر.

حسن معروف

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى