زوايامختارات

القتل الرحيم.. شعار البشرية المعذّبة: اختر وقت آخرتك

 

ربما يعتقد البعض أن المشهد الذي ظهر فيه سام كلافلن، بطل الفيلم الأمريكي “مي بيفور يو”، في أحد المراكز الطبية في سويسرا ومن حوله أسرته وحبيبته وهو يقضي اللحظات الأخيرة في حياته، والتي اختار بنفسه موعد نهايتها سلفًا، ما هو إلا مشهد درامي رسم ملامحه مخرج الفيلم كي يدفع المشاهدين للبكاء والتعاطف كما هي الحال في معظم الأفلام الرومانسية، ولكن ما لا يعرفونه أن هذا الأمر يحدث في الواقع في الكثير من الدول ويعرف بـ”القتل الرحيم”.

ماذا يعني القتل الرحيم أو Euthanasia؟

القتل الرحيم وفق تعريف موقع “نيوز ميديكال توداي” هو عدة إجراءات تُتَّخذ بمساعدة الأطباء لإنهاء حياة شخص بغرض تخليصه من آلامه أو معاناته المستمرة نتيجة المرض، إما عن طريق حقن المريض بعقار يؤدي إلى وفاته وإما بالتوقف عن إعطائه الأدوية التي يحتاج إليها. أما في حالة المساعدة على الانتحار، فيكون تدخل الطبيب غير مباشر عن طريق إعطاء وسيلة للمريض لينهي بها حياته بنفسه.

القرار، الذي هو واحد من أصعب القرارات التي قد يتخذها إنسان، يكون إما طوعيًّا أي بموافقة المريض نفسه، أو غير طوعي عند تنفيذه على شخص غير قادرعلى إبداء رأيه، وتكون موافقة أهل المريض شرطًا أساسيًّا لتنفيذ إجراءات القتل الرحيم.

وتمكن ممارسة القتل الرحيم على نحو قانوني في هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج وسويسرا وكولومبيا وكندا، في حين يعد الانتحار بمساعدة طبيب أمرًا قانونيًّا في ولايات كاليفورنيا وأوريجون وواشنطن وفيرمونت ومونتانا الأمريكية، وفق ما ذكرته بي بي سي.

إجازة قانونية

وفق منظمة الصحة العالمية، فإن هولندا هي أول دولة أجازت القتل الرحيم قانونيًّا في عام 2002 بعد تصويت مجلس الشيوخ الهولندي على إقرار القانون بغالبية الأعضاء، ويشهد كل عام تنفيذ نحو 3 آلاف حالة قتل رحيم طوعيًّا، إلا أن الأمر وجد معارضة من عدد كبير من المسيحيين وقتها على اعتبار أن الأمر اعتداء على قدسية الحياة.

ومؤخرًا، أقرت الحكومة الهولندية خططًا تسمح بالقتل الرحيم للأطفال دون سن 12 عامًا، من المصابين بأمراض ميؤوس من شفائها، ورغم أن هذا المخطط لن يكن مصحوبًا بتعديل للقوانين المتعلقة بهذا القرار، فإن الأطباء لن يتعرضوا للملاحقة إذا أقدموا على هذ الأمر بناءً على طلب من ذوي المرضى، وهو ما قوبل بمعارضة قوية من الأحزاب المسيحية المحافظة.

قتل متعَمَّد

ويعتبر القتل الرحيم واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل مجتمعيًّا ودينيًّا، ففي عام 2013 نشرت مجلة “نيو إنجلاند” الطبية استطلاعًا للرأي شمل أشخاصًا من 74 دولة حول الانتحار بمساعدة الطبيب، وكانت النتائج صادمة، إذ صوت 65% من المشاركين ضد الانتحار بمساعدة الطبيب، وفي 11 دولة كان التصويت لصالح الأمر، وفي عام 2017 أشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب إلى أن 73% من المستطلعين يؤيدون القتل الرحيم في الولايات المتحدة.

65% من المستطلعة آراؤهم في 74 دولة يرفضون القتل الرحيم

المستطلعة آراؤهم في 11 دولة أيدوا القتل الرحيم

73% من المستطلعة آراؤهم في الولايات المتحدة يؤيدون القتل الرحيم

المصدر: نيو إنجلاند الطبية /2013

والبلدان التي تُجيز القتل الرحيم أو الانتحار بمساعدة، قانونيًّا، تكون مسؤولة عن 0.3 إلى 4.6% من الوفيات سنويًّا، ويكون أكثر من 70% من هؤلاء المقتولين مصابين بالسرطان. وفي ولايتي أوريجون وواشنطن، يكتب أقل من 1% من الأطباء وصفات طبية تساعد على الانتحار كل عام، وفق المكتبة الوطنية الأمريكية للطب.

البلدان التي تُجيز القتل الرحيم مسؤولة عن 0.3 إلى 4.6% من الوفيات سنويًّا

أكثر من 70% من الحالات المقتولة لمصابين بالسرطان

المصدر: المكتبة الوطنية الأمريكية للطب

ويواجه القتل الرحيم معارضة قوية في معظم الأديان، التي تعتبره في منزلة القتل العمد، فاعتبر الفاتيكان في وثيقة أصدرها نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، أن القتل الرحيم “عمل من أعمال القتل” لا يمكن تبريره أو التسامح فيه، ووصفت الوثيقة، التي جاءت في وقت تتزايد فيه أعداد الدول التي تفكر في إضفاء الشرعية على القتل الرحيم والمساعدة على الانتحار، المشرّعين والساسة المؤيدين لمثل هذه القوانين بأنهم “متواطئون في ارتكاب جرائم”.

وفي الإسلام، تعتبر دار الإفتاء المصرية، وهي المرجع الأول للمسلمين في كل ما يتعلق بالدين، أن طلب المريض من طبيبه إنهاء حياته بسبب شدة الألم أو إقدام الطبيب على اتخاذ هذا القرار من تلقاء نفسه، وهو ما يعرف في الحالتين بالقتل الرحيم، هو انتحار أو “قتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق”، بحسب نص القرآن، وهو أمر مُحرم شرعًا، بل يعد كبيرة من الكبائر.

ذهاب دون عودة!

اقتران كلمتي السياحة والموت ربما يكون نادر الحدوث، ولكن في سويسرا، لم يتوقف ما يُعرف بالقتل الرحيم عند مؤسسة تقدم مساعدة في إنهاء حياة شخص تغلفها المعاناة، بل إنها بدأت في الترويج للأمر على أنه سياحة بتذكرة ذهاب دون عودة، واستقبلت زيورخ بين عامي 2008 و2012 نحو 611 سائحًا من 31 دولة بغرض الانتحار، وتساعد 6 منظمات للحق في الموت بسويسرا في نحو 600 حالة مساعدة على الانتحار سنويًّا، وفق ورقة بحثية لمجلة الأخلاقيات الطبية.

وترفع منظمة القتل الرحيم السويسرية، ديجنيتاس، وهي واحدة من أبرز منظمات المساعدة على الانتحار، شعار “للعيش بكرامة.. لتموت بكرامة”، وتقول في التعريف بنفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها مؤسسة غير هادفة للربح تأسست في عام 1998 وتهدف إلى ضمان حياة أو موت بكرامة لأعضائها، كما أنها تشدد على ضرورة احترام حرية الفرد في تقرير مصيره ما دام لا يضر بالمصالح العامة للآخرين.

وتُعتبر المنظمة السويسرية واحدة من 49 منظمة تعمل تحت مظلة الاتحاد العالمي لجمعيات الحق في الموت، الذي تأسس في عام 1980، يضم منظمات من 26 دولة، ويوفر الاتحاد رابطًا دوليًّا للمنظمات التي تعمل على تأمين أو حماية حقوق الأفراد في تقرير المصير في إنهاء حياتهم.

وساعدت منظمة القتل الرحيم أو الانتحار بمساعدة الغير، EXIT، ما يزيد على 1200 شخص في سويسرا لإنهاء حياتهم في عام 2018، وقالت الوحدة الدولية التابعة لهيئة الإذاعة والتليفزيون السويسرية إن 57% ممن وضعوا حدًّا لحياتهم من النساء بمتوسط ​​عمر 78 عامًا، وكان السبب الأكثر شيوعًا لرغبتهن في الموت هو سرطان الثدي (344 حالة) تليها مشكلات صحية مرتبطة بالسن والآلام المزمنة.

 

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى