وجهات نظر

القراميط ودار الإفتاء

لا يمكن لأحد أن يوجه اللوم إلى دار الإفتاء بسبب تصديها للإجابة على سؤال معين، مهما بدا هذا السؤال ضئيلا أو كانت إجابته معروفة لفئات واسعة من الناس، فحين يتوجه مستفت بسؤال إلى الدار، فإنها لا تملك إلا الإجابة.

تلك مهمتها التي أنشأت من أجلها، وذلك دورها الذي أناطه بها القانون. وإذا كانت المطعومات (أنواع الأكل) بابا أساسا من أبواب الفقه، فلا معنى للسخرية من إعلان الدار الحكم الشرعي في مطعوم معين، ولو كان هذا المطعوم هو سمكة القرموط، التي اعتاد كثير من الناس أكلها، لا سيما في المناطق الساحلية وقرب البحيرات.

وقد أثير السؤال عن حكم أكل “القراميط” بعد ضبط مزرعة لتربيتها وتغذيتها على الجيف والحيوانات النافقة، في مدينة بني عبيد بمحافظة الدقهلية.. وجاء مضمون إجابة دار الإفتاء يفيد بأن “القراميط” في هذه الحالة هي مما يعرف في كتب الفقه بـ”الجلالة”، وهي الحيوان أو الطائر الذي تغذى على نجاسات تتسبب في تغير رائحته أو لونه أو طعمه، وأفتت الدار بأن “الجلالة” حرام، إلا إذا حبست أياما تتغذى فيها على ما هو طاهر.

لست بصدد مناقشة الحكم بتحريم أكل الجلالة، والتي هي محل خلاف واضح ومعتبر بين الكراهة والتحريم، وإنما لابد من الانتباه إلى أن صيغة الإجابة جاءت مرتبكة، وتسببت في لغط وبلبلة، فقد جاء نص الإجابة يُصَّدر الحكم بتحريم أكل “القراميط” مؤكدا أنها من الأسماك التي تتغذى على القاذورات والجيف، كما قطعت بأنها مضرة بسبب تلوث غذائها، فتكون تحت القاعدة الشهيرة “لا ضرر ولا ضرار”.. ثم بعد كل هذا، تقول الدار إن أكل القراميط يجوز في حالة واحدة، وهي تغذيتها بغذاء نظيف طاهر.

ولا شك أن كلام دار الإفتاء صحيح، لكن هذه الصياغة أدت إلى خلاف ما أرادت الدار قوله، فالأصل في الأشياء الإباحة، وكل ما يخرج من البحر يجوز أكله في أغلب المذاهب الفقهية، والإجابة بهذه الصيغة جعلت أكثر متابعي الدار يفهمون أن الأصل هو تحريم “القراميط” وأن الجواز هو الاستثناء إذ تقول الدار لا يجوز أكلها “إلا في حالة واحدة”.

صدى الارتباك جاء سريعا في عناوين الصحف والمواقع التي نشرت الفتوى، وكلها اختارت عنوانا يقول: “دار الإفتاء: أكل القراميط حرام شرعا”.. وفي متن الخبر يتقدم الحكم بالتحريم وكأنه هو الأصل، مع الإشارة إلى الأضرار الصحية والتلوث، وبعد كلام طويل يأتي الاستثناء: إلا في حالة واحدة، وهي تغذيتها بغذاء نظيف طاهر.

تسبب النشر وصيغته بهجوم شديد ضد دار الإفتاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وحملت آلاف التعليقات سخرية لاذعة، إما من تناول الموضوع أصلا، وإما من تحريم نوع من الأسماك اعتاد كثيرون أكله دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل عن حكمه، فهو في الأخير من طعام البحر، “الطهور ماؤه الحل ميتته”.

اتهم المعلقون دار الإفتاء بأنها تشغل الناس بموضوعات تافهة، وبأنها تبلبل خواطرهم تجاه ما اعتادوا عليه لسنين طويلة، ومع النقد الشديد والسخرية اللاذعة توجه رواد مواقع التواصح بالنصح والتوجيه للقائمين على الدار، إذ عليهم –برأي الجمهور- أن يهتموا بالقضايا ذات الأولوية، والمسائل الملحة.. وكأن الدار والقائمين عليها يستيقظون في الصباح ويقررون أن يشغلوا الجماهير بهذه المسألة أو تلك القضية.

والحقيقة أن الدار إنما تجيب على ما يرد إليها من أسئلة، فجماهير المستفتين هم من يحددون للدار أجندة عملها، ومن مئات الفتاوى التي تصدر كل يوم، يختار الصحفيون للنشر ما يجذب القارئ ويشد انتباهه.. فلن تنشر الصحافة ورقية كانت أم إليكترونية إجابات عن مسألة ميراث معتادة، أو إجابة عن كيفية صلاة الجنازة مثلا.

شباب الصحفيين وافتقاد الثقافة الفقهية

ومع الإقرار بأن الفتاوى تأتي تبعا لما يرد من أسئلة، ومع الاعتراف بحالة التربص الإعلامي والصحفي الساعية وراء الإثارة وزيادة المشاهدات والتفاعل الإليكتروني على مواقع التواصل، ومع الموافقة على أن كثيرا من شباب الصحفيين الذين يغطون أخبار الدار وفتاواها لا يملكون ثقافة فقهية تمكنهم من صياغة علمية تتسم بالجاذبية دون أن تخل بالدقة العلمية، أو تتورط في العناوين المخلة والمضللة.

مع كل هذا، فإن الدار تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه الحالة الجماهيرية والإعلامية، بل وتجاه ما يوجه إلى المؤسسة من سهام النقد والسخرية.

فالدار، لا تبذل أي جهد في ترشيد أسئلة الجمهور، ولا توعية المستفتين بفقه الأولويات، ولا تعلمهم كيفية صياغة الأسئلة.. لقد تركت الدار باحثيها وأمناء الفتوى بها نهبا لسيل جارف من الأسئلة السطحية المكررة، التي أجابت الدار ومشايخها عليها مئات المرات. كما تورط المتصدون للإفتاء المباشر أو الإليكتروني في الإجابة عن كل سؤال، حتى لو كان اقتصاديا أو اجتماعيا.
وفي ظني أن الضغوط تخف كثيرا عن الدار ومشايخها إذا طلبوا من الجمهور أن يتوجه بأسئلته ذات الطابع الاجتماعي إلى المختصين في الاجتماع، وذات الطابع النفسي إلى أخصائيي الطب النفسي.

دار الإفتاء وحماة تكره زوجة ابنتها!

المرء يسأل نفسه: لماذا يورط أمين الفتوى نفسه في الإجابة عن سؤال ورده من سيدة تقول: حماتي لا تحبني، وتتدخل كثيرا في حياة زوجي وطريقة إنفاقه، وتثير المشكلات مع أمي، وتتهمني بمنع الأولاد من زيارتها، بالرغم من أنهم يزورونها كل فترة، لكنهم ينشغلون أحيانا بسبب ضغوط المذاكرة والدروس الخصوصية.. فماذا أفعل؟ ما علاقة الإفتاء بهذا النوع من الأسئلة؟ وما صلة هذا السؤال ونظائره بالفقه؟

لكن الذي يحدث أن الشيخ يبدأ –في بث مباشر- بالإجابة، وفقا لخبرته الاجتماعية الخاصة، ويسوق نصائح من الشرق والغرب، ويتكلم في عموميات لا تفيد السائلة في قليل ولا كثير، فيترتب على ذلك ضرر للسائل يتمثل في أنه يظن أن الإجابة التي سمعها هي حكم الدين، صادر من دار الإفتاء، المؤسسة الرسمية المسؤولة عن الإجابة عن أسئلة الجماهير، وتبيين حكم الشرع في المسألة.. والحقيقة أننا لسنا أمام مسألة فقهية، بل لسنا أمام سؤال أصلا، وكان يجب على الشيخ أن يعتذر عن الإجابة، فهو وبكل بساطة لا يعرف حلا للمشكلة، وما يسوقه ليس إلا خبرته المحدودة المرتبطة بحياته وبيئته وظروفه.

وبالطبع، فلن يتوقف الضرر على خروج السائل صفر اليدين دون إجابة، أو ظنه على غير الحقيقة أن الإجابة التي تلقاها تمثل حكما شرعيا.. وإنما سيمتد الضرر إلى دار الإفتاء نفسها وإلى مشايخها، متمثلا في سيل جارف من هذه الأسئلة ذات الطابع الاجتماعي أو النفسي، فتزداد الورطة عمقا، وتتناقض الإجابات وفق الخبرات المختلفة، فيكون صدى ذلك هجوم ضار من المعلقين على صفحة الدار على فيسبوك، والتطاول على الباحث الشاب الذي تصدى للإجابة، بل والتطاول على مقام فضيلة المفتي، لاسيما عندما تتلقف الصحافة جملة مثيرة جاءت ضمن الإجابة الطويلة، وتصدرها في عنوان: دار الإفتاء تقول كذا، فهنا لا يكاد الجمهور المتسرع يفرق بين “دار الإفتاء” وبين شخص فضيلة المفتي.

دار الإفتاء والفتوى الـ “لايف”

ومن الواجب على مشايخ الدار أن يعلموا أن التصدي للإفتاء على الهواء مباشرة، يختلف تماما عن الفتوى المباشرة لسائل يجلس أمام الشيخ، يستفسر منه ويفهم.  لذا، يدخل في مسؤولية الدار أن تربي جمهورها، وأن تبذل جهدا في توعيته ببعض القواعد المنهجية، وفي مقدمة ذلك أن تعلم رواد صفحتها أن الدراية بنصوص القرآن أو الحديث النبوي لا يكفي ولا يؤهل صاحبه لاستخراج حكم فقهي.

لقد تركت الدار نفسها نهبا لمن يمارسون “الاستنباط” على صفحتها، ويحتجون بالنصوص على فتاواها، كما رأينا في إجابة فضيلة المفتي عن طهارة الكلب. فبالرغم من أن هذا الحكم مشهور معروف في مذهب مالك، ولا يمثل رأيا شاذا أو اجتهادا شخصيا، إلا أن الهجوم كان ضاريا، مصحوبا بما يظنه الجمهور دليلا على خطأ المفتي، وصار كل معترض يسوق حديث “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم…” وكأن فضيلة المفتي لم يسمع بهذا الحديث من قبل، أو كأنه تعمد مخالفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كأن الإمام مالك يجهل ما عرفه المعلقون الغاضبون.

دار الإفتاء والتربص الإعلامي

ولا يمكن أن نتجاوز مسؤولية الدار في تدريب مشايخها على الصيغ المناسبة لمواجهة التربص الصحفي والإعلامي، ففي قضية “القراميط” مثلا، كان الأمر سيختلف لو كانت الصياغة هكذا: “أكل سمك القراميط حلال، ولا شيء فيه، سواء كانت حية أو ميتة، إلا إذا كانت تتغذى على القاذورات والجيف، فإنها تأخذ حكم الجلالة، فتكون مكروهة على قول جمهور العلماء، أو محرمة على قول بعضهم، ويتأكد حكم التحريم إذا جزم البيطريون في وزارة الزراعة بأن ضرر أكلها كبير ومحقق.

بهذه الصيغة، التي تُصَّدر الأصل وهو الإباحة، وتجعل من الكراهة أو التحريم استثناء مشروطا بفساد ما يتغذى عليه الحيوان أو نجاستة، لن يستطيع الصحفي أن يجعل عنوانه “دار الإفتاء تقول: أكل القراميط حرام”.. فالصياغة ستضطره إلى أن يختار بين طريقتين للعنوان، إما أن يقول “دار الإفتاء: أكل القراميط مباح” أو أن يوضح فيقول: “دار الإفتاء: “لا يجوز أكل القراميط المتغذية على الجيف”.. وهنا يتضح أثر الصياغة الصادرة عن الدار في الصياغة التي يختارها الصحفي عنوانا.. لأن الفرق شاسع بين قولنا: القراميط حرام إلا في حالة واحدة وهي أن تتغذى على علف نظيف، وبين قولنا: القراميط حلال إلا في حالة واحدة وهي أن تتغذى على الجيف.

والدار إذا تصدت لواجباتها بهذه الطريقة، سلمت من أغلب النقد السفيه الذي يوجه إليها، ولم يستطع أحد أن يتهما والقائمين عليها بشغل الجماهير بأمور تافهة، وتحريم ما اعتاد الناس على حله، ولن نجد عشرات المواقع تنشر عنوانا يقول: “دار الإفتاء تحسم الجدل: سمك القراميط حرام”.. أو أن يسخر بعضهم مع أصدقائه قائلا: إيه رأيك في قراميط دار الإفتاء.

اقرأ أيضا: قانون تنظيم دار الإفتاء.. مَن المستفيد؟

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى