القرن الإفريقي.. فوضى مؤجلة!

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

بات القرن الإفريقي بمعناه الضيق (إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي وصومالي لاند) محورًا لما يمكن أن نطلق عليه  “الحرب الباردة الجديدة”. إنه بحكم الموقع الإستراتيجي يأبى إلا أن يكون في موضع القلب من التفاعلات الدولية، وهو ما يجعله باستمرار منطقة أزمات محتملة، يتداخل مع الشرق الأوسط والمحيط الهندي، ويحيط بالدول الغنية بالنفط في شبه الجزيرة العربية، ويتحكم في مضيق باب المندب الذي يعد بدوره شريانا لحياة الدول المشاطئة للبحر الأحمر ولا سيما مصر وإسرائيل. ناهيك بأن القرن الإفريقي يسيطر على جزء من خليج عدن والمحيط الهندي حيث تتحرك ناقلات النفط باستمرار، ويطل على الممرات التي يلتقي فيها البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.

أهمية جيوسياسية 

هذه الجوانب مجتمعة جعلت هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية الكبرى مسرحًا لتنافس القوى الكبرى. بيد أن الديناميات والتطورات السياسية الداخلية في المنطقة وخاصة في إثيوبيا والصومال وجيبوتي قد دفعت بمنطقة القرن الإفريقي مرة أخرى إلى دائرة التنافس الدولي من أجل اكتساب السلطة والنفوذ.

تاريخيًّا، لم يكن القرن الإفريقي يومًا، بعيدًا عن معارك التكالب الدولي التي شهدتها القارة الإفريقية منذ عصر دبلوماسية البنادق الاستعمارية. ففي معركة التكالب الدولي الأولى على إفريقيا عندما وصلت الجيوش الأوروبية القارة في القرن التاسع عشر، تمت المواجهة بين القوات البريطانية والفرنسية في السودان. عُرفت هذه الحادثة باسم أزمة فشودة عام 1899، وهي نقطة فارقة في تاريخ الاستعمار والعلاقات الإمبراطورية.

في معركة التكالب الثاني على إفريقيا، كان التدخل السوفييتي والأمريكي في حرب الأوجادين عام 1977 بين إثيوبيا والصومال نقطة تحول حاسمة في معارك الحرب الباردة بالوكالة وفي تاريخ القرن العشرين. ومنذ بداية التسعينات، أي مع نهاية الحرب الباردة شهد القرن تكالبًا جديدًا ولكن مع دخول أطراف ولاعبين جدد هذه المرة.

من الشرق، بدأت الصين عودتها إلى القارة الإفريقية بعد إصلاحات الرئيس جيانج زيمين وتبنيه سياسة “الانفتاح الخارجي”. ومن الغرب، صاغت الولايات المتحدة نظامها العالمي الجديد للتدخل الليبرالي الإنساني ومكافحة الإرهاب، وأرسلت قوات المارينز إلى مقديشو وضربت مصنع الشفاء في الخرطوم بصواريخ كروز.

تكالُب الصين وأمريكا

 ويبدو أن التكالب الجديد على القرن الإفريقي اتخذ بعدًا جديدًا منذ عدة سنوات، إذ بات الانقسام الاقتصادي والتكنولوجي بين كل من الولايات المتحدة والصين حاسمًا وينذر بحرب باردة جديدة قد لا يتحمل العالم ثمنها. ومن الصعب تحديد تبعات هذا التدافع الجديد على القرن. هل ستؤدي عودة لعبة الأمم إلى تقويض سيادة الدول التي حصلت عليها بشق الأنفس؟ أو هل يمكن للمنطقة أن تستفيد من حالة التنافس الدولي الجديد لتعظيم مصالحها في ظل نظام عامي يتجه بعيدًا عن حالة القطبية الواحدة؟

 كالعادة، تمارس السياسة الأمريكية دورًا مهمًّا، خاصة عندما يتعلق الأمر بحليفتها إثيوبيا على المدى الطويل، باعتبارها أقوى دول القرن الإفريقي وأكثرها نفوذًا.  فمن المرجح أن يؤثر ما يحدث لإثيوبيا في بقية المنطقة.

 وقد أقامت الولايات المتحدة علاقة ثنائية قوية منذ عهد ميليس زناوي، تستند في المقام الأول إلى دور إثيوبيا كوكيل إقليمي في الحرب على الإرهاب. لكن الإدارة الأمريكية منذ قدوم ترامب تحول تركيزها بعيدًا عن الإرهاب نحو التهديدات السياسية والاقتصادية ولا سيما تزايد التغلغل الصيني في المنطقة.

ولقد انخرطت مجموعات مختلفة من القوى الخارجية في تفاعلات وعلاقات مع دول المنطقة بهدف السعي لتحقيق مصالحها الخاصة. كان بعضها أكثر نجاحًا من البعض الآخر، لكن السؤال بالنسبة إلى الكثيرين هو: هل يسعى التكالب الدولي هذه المرة لتحقيق صالح شعوب المنطقة؟

ساحة للمستعمرين القدامى

ثمة تنافس قديم مدفوع بنفس القوى صاحبة التاريخ الاستعماري، وهي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، التي تتصارع على المنطقة من أجل السيطرة على الممرات المؤدية إلى طريق الشحن الحيوي في قناة السويس. ولكن بينما كانت دول القرن الإفريقي في السابق تتوجس خيفة من التدخل الأجنبي، فإنها اليوم تحتفي بقدوم الغرباء وإن حملوا أسماء أخرى كالشركاء أو المستثمرين الجدد.

من ناحية أخرى، فإن التنافس الجيوسياسي وشبكة التحالفات العنكبوتية في المنطقة تفتح الباب على مصراعيه أمام قوى خطيرة في منطقة مضطربة منذ فترة طويلة. فهناك تنافس على البحر الأحمر واليمن ويُستَخدَم التأثير الاقتصادي كبديل؛ وفي الخلفية لدينا التغلغل التركي والإيراني بهدف تقويض أمن مصر ودول الخليج العربية التي تتمتع بشراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة: إنها ساحة معركة معقدة.

إثيوبيا حاضرة دائمًا

واللافت للانتباه في لعبة الأمم هذه هو مسألة التحيز إلى جانب إثيوبيا، التي كانت تتعامل مع القوى الأجنبية على مدى القرنين الماضيين، وأثبتت براعتها بالحيلة في الإيقاع بينهم تارة، وتبديل الولاءات بما يحقق مصالحها تارة أخرى. في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي (1930-1974) أقامت إثيوبيا علاقات قوية مع الولايات المتحدة. ولكن بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالإمبراطور في عام 1974، تحولت إثيوبيا إلى روسيا السوفييتية. وبعد ثورة ميليس ورفاقه في عام 1991، عادت إلى أحضان الولايات المتحدة مرة أخرى. وقد استمرت تلك العلاقة في التطور إذ مارست إثيوبيا القوة الصلبة والناعمة بفاعلية على الصعيد الإقليمي، وهو ما جعلها حليفًا حيويًّا للولايات المتحدة.

وتمكن الإشارة إلى حالتين ترتبطان بقصة التحول في القرن الإفريقي  لصالح إثيوبيا؛ أولا: تبني رئيس الوزراء آبي أحمد خطط إعادة بناء الأسطول الإثيوبي، والتغلب على مشكلة الهضبة الحبيسة، من خلال الوصول إلى الموانئ الساحلية. وعلى سبيل المثال الاستحواذ على أرض في جزيرة لامو كجزء من مشروع نقل ميناء لامو الكيني- جنوب السودان – إثيوبيا ، وهي خطة لإقامة طرق وبنية تحتية بقيمة 24 مليار دولار  لربط كينيا وإثيوبيا.

 ولكن الدافع، باختصار، وراء طموحات إثيوبيا البحرية، هو اكتساب نفوذ في الشؤون البحرية الإقليمية وتحسين العلاقات التجارية. وبالفعل ذهب 1000 ضابط في الجيش إلى روسيا للتدريب البحري. إلى جانب روسيا، تدعم الولايات المتحدة وفرنسا (التي أسهمت في بناء الأسطول الإمبراطوري الإثيوبي عام 1948) أيضًا جهود إثيوبيا لإعادة قواتها البحرية.

ثانيا: إقامة تكتل “تعاون القرن الإفريقي ” في 27 يناير/كانون الثاني 2020 بين كل من إثيوبيا والصومال وإريتريا، وهو ما يعني عزل دول الإقليم الأخرى. كما أنه يجعل إثيوبيا المستفيد الأكبر نظرًا إلى رغبتها في الوصول إلى البحر، وهو ما يخدم دبلوماسية الموانئ لآبي أحمد.

للقصة بقية

إن قصة التكالب الجديد في القرن الإفريقي هي قصة بالغة التعقيد والتشابك، وينبغي فهم كل أبعادها والتفكير بعقلانية في مآلاتها. إنها ليست، كما يؤكد المسؤولون الأمريكيون، مسألة بسيطة تتعلق بـما يطلقون عليه “الحرب الباردة الجديدة” بين واشنطن وبكين. كما أنها ليست مجرد منافسة بين قوى إقليمية شرق أوسطية بعد أزمة قطر الخليجية عام 2015. كما أنها ليست كذلك النتيجة المباشرة للمنافسات الإقليمية بين دول المنطقة، بصرف النظر عن كثرة عدد القائلين بذلك.

إن التكالب الجديد في القرن الإفريقي هو نتاج خطير للمناورات الجيوسياسية المترابطة والمشابكة، والتي جعلت الإقليم مركزًا أمنيًّا بالغ التعقيد. ففي ظل هذه الظروف، لا تقتصر المواجهات والمنافسات الإقليمية والعالمية على النوايا والأهداف المباشرة. فلا بد لها على المدى المتوسط والبعيد من أن تتراكم مثل كرة الثلج، وتتصادم بما ينذر بحدوث الفوضى القادمة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram