القصبجي.. أرستقراطية التجديد الموسيقي

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كان عام 1892 ميمونًا على الموسيقى العربية، وحين كان الموسيقيون غارقين في أدوار محمد عثمان وعبده الحامولي كانت السنة الحُبلى تضع وليدين سينقلان الموسيقى العربية بما يفوق أعتى خيال وقتئذ.

وضعَت السنةُ (سيد درويش) و(محمد القصبجي)، وبعد قرابة عشرين سنة كان الغناء العربي يقطع عقودًا من التطور في أعوام معدودة، فبينما كان سيد درويش يغترف إلهامه من أنغام الناس وغناء الشعب ويرفعه إلى مسامع النخبة، ويملأ الدنيا ويشغل الناس سني عمره القصير قبل أن يرحل مبكرًا، كان القصبجي يحشد ذخيرته من الموسيقى العالمية ويربي مهارات التفكير الموسيقي في ذهنه وروحه، منتظرًا هدوء الضجة الغامرة التي أثارها سيد درويش، ليرتقيَ برجه العاجي ويبني للموسيقى العربية قمتها الأرستقراطية، ويغير كل شيء على مستوى الغاية والشكل والمضمون، تغييرًا سيتدفق في ألحان الملحنين بعده بلا انقطاع.

القصبحي في شبابه

نشأة مشيخية

كسائر موسيقيي جيله، بدأ القصبجي شيخًا، ونبت من غرس المشايخ، فأبوه الشيخ علي القصبجي (1854-1924) من مشايخ الغناء القدامى الذين سجلوا القصائد لشركات الأسطوانات بداية القرن العشرين، أما هو فبدأ شيخًا بعمامة وقفطان، وحفظ القرآن وجوّده على الشيخ أحمد الحملاوي، ومن هذه الأجواء المشيخية خرج مشبعًا بفنون التلاوة والإنشاد والطرب العربي الكلاسيكي، ليقتحم بأساس عربي متين عالم الموسيقى الأوربية مستكشفًا وباحثًا، ومازجًا ومُطوِّرًا للموسيقى العربية.

مع والده.. الشيخ علي القصبجي

لحّن القصبجي القوالب التراثية، على أن باعه فيها لا يطاول سيد درويش وزكريا أحمد، فنعرف له اثني عشر دورًا، وموشحًا وحيدًا، وعشرات القصائد التي لحّنها لعشرات المطربات والمطربين بامتداد رحلته الغنائية وتطور مذهبه التلحيني فيها، وهو يحكي – في حوار إذاعي – أن أول ما لحّنه لأم كلثوم قصيدة (إن حالي في هواها عجب) من شعر رامي، كما نعرف آخر قصيدة لحّنها (إياك نعبد ما حيينا) وهي نشيد ديني غنته وردة الجزائرية في الستينيات من كلمات أحمد مخيمر.

التعبيرية والمونولوج

اتكأ غناء عصر النهضة قبل القصبجي على قيمة الطرب، لتحقيق أقصى قدر ممكن من التناسق الجمالي في الجُملة اللحنية، يشعر معه المتلقي بنوع من السعادة النفسية اصطُلح على تسميته (الطرب)، ولم يكتفِ مُطرب عصر النهضة بهذا، بل عمل على استغلال كافة إمكانات الجملة اللحنية بإضافة ما تحتمله من زخارف وعُرب في الإعادات، وأجرى عليها كل التعديلات الجزئية التي لا تغير صيغتها الأساسية، وهو ما ضاعف قيمة الطرب في الإعادات فوق ما هي عليه في أصل الجُملة.

هذا التدفق الطربي لم يترك الجملة اللحنية خالية من التعبير عن المشاعر ولا عاجزة عنه، لأن المقامات العربية بتنوعها الثري واختلافها الدقيق بأرباع النغمات عبرت عن عدد لا محدود من المشاعر الإنسانية المتباينة والمتداخلة، لكن الغاية الأولى من وضع الجملة اللحنية وأدائها لم تكن التعبير عن معنى الكلام، بل تقديم قيمة الطرب وتعظيمها، لذا لا يستغرب السمّيعة أن الأدوار وهي أثقل أشكال الغناء القديم طربا وأشدها دسامة به، كانت كلماتها بسيطة وسطحية ولا توحي بمشاعر دقيقة، لأن قيمة الطرب تنسي المستمع كل شيء سواها.

بالقيمة المقابلة ثار القصبجي.. قيمة التعبير عن معاني الكلام، وتخديم الطرب لها، وشيئًا فشيئًا صار اللحن وسيلة للمعاني، وصار الطرب حواشيه بعد أن كان متنه وقلبه.

إن حالي في هواها عجب.. أول ألحان القصبجي لأم كلثوم

لم يكن للقصبجي أن يُنجز هذه النقلة بنمط الكلام السائد في غناء ما بعد الحرب العالمية الأولى، والذي كان (يتدرّك) من البساطة والسطحية إلى التفاهة والإفحاش، لذا كان عليه أن ينتظر لقاءه بأم كلثوم، لتجتمع ألحانه من خلالها بشعر أحمد رامي، الرومانسي العاشق الحالم، والذي لم تلبث أم كلثوم أن أقنعته بكتابة معانيه السامية بالعامية، ليجد القصبجي نفسه أمام نهر متدفق من الرومانسية يبحر فيه بسفينته التعبيرية.

انت رومانسية رامي وتعبيرية القصبجي وجهين لعملة ذهبية واحدة، فنقلة الشعر من البلاغة الكلاسيكية إلى الرومانسية، ونقلة التلحين من الإطراب إلى التعبير، كلتاهما ثورة على قيمة جمال التشكيل (الجزالة/الطرب) لصالح التعبير عن مشاعر النفس ودقائق إحساساتها.

رامي والقصبجي وأم كلثوم

لن يسع منصفًا هنا أن يتجاهل أثر رامي المؤسس لمذهب التعبيرية ولفكر القصبجي التلحيني، وفي شكل الألحان المصرية عند القصبجي، وعند عبد الوهاب والسنباطي ومن بعدهم، كما لن يسعه أن يتجاهل أثر المذهب التلحيني الجديد الذي أرساه القصبجي في تراجع قوالب الغناء التراثية وعلى رأسها الدور ثم اختفائها، رغم جناية هذا التراجع على الموسيقى العربية وخسارتها به قدرًا كبيرًا من ثرائها.

كان منطقيًا أن يضيق القصبجي بالتقاليد الكثيرة الثابتة لشكل الموشح والدور، ويبحث عن قالب جديد يفسح لانطلاق التعبير، وينساب كشعر رامي، فكان (المونولوج).

والمونولوج غناء فردي تنساب فيه الكلمات سردًا معبرًا عن مشاعر المتكلم، ويتبعها اللحن غير ملتزم بتكرار مذهب أو مقاطع أو جمل موسيقية بعينها.

انطلق رامي بالقصبجي، وانطلق القصبجي بأم كلثوم، وتوالت المونولوجات، ولحّنها عبد الوهاب والسنباطي وحتى زكريا أحمد، وفي المقابل انزوت أشكال قديمة من الغناء، وكان للمونولوج الفضل في رفع أم كلثوم إلى القمة وحسم منافسة السنوات الأولى بينها وبين منيرة المهدية، بفضل (إن كنت أسامح وأنسى الأسية) المونولوج الذي غنّته ثومة بلحن القصبجي عام 1928 وحقق مبيعات أسطورية، ولم يعد الغناء بعده كما كان قبله.

منولوج إن كنت أسامح.. مثل نقلة كبرى في مسيرة أم كلثوم

لحّن القصبجي عشرات المونولوجات لأم كلثوم وغيرها، كان أشهرها وآخرها لثومة (رق الحبيب) عام 1941، كما كان له فضل في تطوير الطقطوقة، حيث دمج نهاية المذهب بآخر الغصن كما في طقطوقة (إنتِ فاكراني ولا ناسياني) 1936، وأكسب هذا الدمج لحن الطقطوقة تماسكا أسلوبيا لم يشهده من قبل.

لم يعرف طموح القصبجي التجديدي حدودا، فخاض تجربة التوزيع السيمفوني لألحان فيلم (نشيد الأمل) عام 1937 واتبعه فيها رياض السنباطي، وكانت نتائجها مدهشة، واقتحم محاولة الأوبرا العربية معتمدًا أولًا على رهافة صوت أسمهان في تجربة الأداء الأوبرالي في مونولوج (يا طيور) 1940، ثم خاض التجربة بأم كلثوم في فيلم (عايدة) مُشركًا معه رياض السنباطي في المخاطرة، غير أن التجربة لم تكلل بالنجاح، وكان أن عاقبته أم كلثوم بحذف الفصل الذي لحنه من الأوبرا من نسخة الفيلم والاكتفاء بالفصل الثاني الذي لحنه السنباطي، وضاع لحنه لأوبرا عايدة رغم أنه صاحب الفكرة.

يا طيور.. من أهم ألحان القصبجي لأسمهان
القصبجي وعوده

خلافة محتمة

القليل الذي وصلنا من ألحان السنباطي قبل تلحينه لأم كلثوم عام 1936 لا يوحي بتأثر قوي بالقصبجي، لكن دخوله عالم التلحين الكلثومي سيعقبه سريعا دخول في مذهب القصبجي التعبيري، وببراعة فائقة أدهش السنباطي المستمع بألحانه التعبيرية، وصار منافسًا شرسًا للقصبجي.

اعترف السنباطي غير مرة بأستاذية القصبجي وفضله عليه وعلى التلحين عموما، ولا يختلف نقاد الموسيقى على ظهور أثر القصبجي بوضوح في كثير من ألحان السنباطي في الثلاثينيات والأربعينيات، وإذا أمكننا رد الطابع التعبيري العام لألحان السنباطي إلى كلمات رامي الرومانسية، فإننا لن نستطيع تجاهل أجزاء من جُمل القصبجي تتناثر في ألحانه في تلك الحقبة، بل ويطل بعضها في ألحان الستينيات أيضًا، ولا يختص هذا بالسنباطي، فأجزاء جُمل القصبجي ظلت معينًا لا ينضب، ينساب في ألحان الملحنين حتى جيل الموجي وكمال الطويل.

لكن مصير الحظوظ سار في الاتجاه المعاكس، وخلال أقل من عشر سنوات نحّى السنباطي القصبجي عن صدارة التلحين الكلثومي واحتل مكانه، قبل أن تعتزل ثومة ألحان القصبجي بعد عام 1947 ويصبح في حياته جزءًا من ماضيها.
لم يكن السنباطي مجرد محظوظ، لكن القصبجي كان سيئ الحظ، فقد كان السنباطي جديرًا بصدارة التلحين الكلثومي، ولم يكن يحتاج إلا الأثر القصبجي الأول لينطلق ويسبق أستاذه.

رق الحبيب.. آخر ألحانه الكبيرة لسيدة الغناء

يقول النقاد إن التفكير الموسيقي عند القصبجي أعلى، لكن جملة السنباطي أجمل، وتُطل هذه الحقيقة من الألحان، فعبقرية التفكير الموسيقي عند القصبجي هدته إلى التعبيرية وإلى المونولوج، وأطلّت بوضوح في البناء الهندسي لجُملة اللحنية، لم يضرّ هذا السنباطيَّ واستفاد به، لكنه امتلك قدرة أعلى على إنتاج جملة جميلة تثير في نفس المستمع شعور الطرب، تلك السعادة القديمة التي يحلم بها مستمع الغناء، ملك السنباطي القدرة الفائقة على ضبط مقاديره بين القصبجي، الراهب في دير التعبير، وزكريا أحمد، الدرويش في حضرة الطرب، فسبقهما ثم نحاهما وانفرد بأم كلثوم.

وإذا صلحت ميزات السنباطي مبررًا ممكنًا لاستغناء الست عن ألحان القصبجي، فإنها لن تصلح مبررًا للتراجع التاريخي الذي دخله القصبجي بعد عام 1948، حيث قلّت ألحانه لجميع المطربين، وبين منتصف الخمسينيات ووفاته في 25 مارس 1966 لا نعرف من ألحانه ما يتجاوز أصابع اليدين، وكأن الغناء العربي استغنى عن خدماته، بعد أن كان مجدده الأعظم ومؤسس أنماطه السائدة.

بعيدًا عن الأسباب المباشرة التي يتقاذفها المؤرخون رجمًا بالغيب، فإن هذا التراجع لا يخلو على الأرجح من خلفية اجتماعية ضاغطة. كان القصبجي صاحب مذهب أرستقراطي في التلحين، يعبر عما يريد التعبير عنه ولا يلبي رغبات الجماهير، ويُجرب الجديد، ويصدر عن ثقافة موسيقية متبحرة شرقًا وغربًا، هذه الأرستقراطية كانت أنسب شيء للحقبة الليبرالية بعد الاستقلال عام 1922، ومجتمع الباشوات والهوانم، والنخبة الثقافية محدودة العدد واسعة الأثر، كانت ألحان القصبجي الأسعد حظًا حين كان ذوق هذه الطبقات منفردًا بسلطة الاختيار.

بنهاية الثلاثينيات، ومع تتابع الأجيال المتخرجة من الجامعة، وازدهار السينما والإذاعة، واتساعهما لمختلف أشكال الغناء، نشأت طبقة جديدة من أبناء الشعب المتعلمين، وتغيرت الطبقة المتحكمة في الطلب على الغناء، وقصرت تعبيرية القصبجي الحالمة عن إرضاء أذواق الطبقات الصاعدة من أبناء الشعب، وعجزت عن منافسة الغنائين الطربي والشعبي اللذين أطلا بقوة عبر الإذاعة وشاشات السينما، وضمنا جمهورهما من الطبقات الصاعدة، كما ظهرت أجيال جديدة من الملحنين أقرب فكرًا إلى الناس وإلى رغباتهم وفرضت أغانيها، ومع التحولات الناصرية الكبرى منتصف الخمسينيات سقطت الأرستقراطية إلى الأبد، وسادت الطبقات الوسطى والفقيرة بسلطة التأميم والاشتراكية، وكان على الغناء أن يرجع بالتدريج إلى منابعه الشعبية يستقي منها، فالشعارات كانت أقوى من كل شيء. مع هذا كله كان منطقيًا أن ينزوي القصبجي بعيدًا، لأن مُنتجَه الموسيقي بات أعلى بكثير مما يطلبه الجمهور، وأن يَقنع بمنجزه التجديدي الأهم خلال القرن، ويُخلِد إلى مكانته العظيمة في التاريخ، حيث لا تتغير الظروف ولا يزعجه المنافسون.

قصة

عبدالرحمن الطويل

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram