وجهات نظر

القصبجي.. رحلة مونولوج إلى “رق الحبيب”

قبل عام 1920، لم يعرف الغناء المصري قالب المونولوج إلا بعد أن قدمه سيد درويش للمرة الأولى عندما غنّى “والله تستاهل يا قلبي” من كلمات أمين صدقي.. كانت صورة القالب بدائية لا تكاد تتضح، وكان ميدانا بكرا يحتاج إلى الرعاية والتطوير، وهي المهمة التي قرر محمد القصبجي التصدي لها، فأعطاه جُل وقته وفكره، وعمل على تحديد شخصيته، وترسيخ مكانته، وتسييده على غيره من قوالب الغناء.

عند الرصد التاريخي، نجد أن القصبجي قد تأخر قبل أن تتفجر طاقاته الإبداعية، فالرجل ولد في نفس عام ميلاد سيد درويش (1892)، لكن الشيخ سيد انطلق بإنتاجه الغزير، وتوفي عام 1923 دون أن يكون للقصبجي إنتاج فني مؤثر، وألحان الرجل من غير هذا القالب لم تمثل محطات مهمة في حياته الفنية.. وفسّر إلياس سحاب هذا التأخر النسبي لإبداع القصبجي بأن المناخ الغنائي السائد لم يكن مواتيا، فالفكر التلحيني للقصبجي لا يتناسب مع منيرة المهدية ولا فتحية أحمد، ولم يكن الرجل يملك صوتا جميلا يمكنه من تقديم رؤاه التلحينية، فاختزن أفكاره إلى أن التقى بالصوت القادر على التنفيذ، متمثلا في أم كلثوم.

و”المونولوج” أغنية وجدانية تعبيرية تتمثل في نص سردي، لا يتكرر فيه مذهب، ولو تكررت فيه بعض الجُمل فإنها لا تكون مذهبا، والأصل فيه أن يكون باللهجة العامية، لكن قد يأتي بالفصحى، مع شروط تفرق بينه وبين القصيدة، أهمها اختلاف القوافي والموازين، بل وسوق الكلام سردا دون قافية أو ميزان.

محمد القصبجي

كانت “طقطوقة” “قال إيه حلف ما يكلمنيش”، وقصيدة “إنّ حالي في هواها عجب”، أول عملين صاغهما القصبجي لأم كلثوم، والغالب أن ظهورهما كان متتاليا بين عامي 1924 و1925.. وهو نفس التوقيت الذي بدأ فيه تشكل الثلاثي الغنائي الكبير (رامي والقصبجي وأم كلثوم)، حيث هيمن “المونولوج” على إنتاجهم المشترك مقارنة بكل القوالب الغنائية.

يمكن أن نعتبر “خيالك في المنام” أول مونولوج يلحنه القصبجي لأم كلثوم، أو هو بداية رحلة القصبجي مع تطوير المونولوج، والتي استمرت نحو 15 عاما.. ظهر هذا المونولوج مطبوعا على أسطوانة لشركة جرامافون عام 1925، ورغم بساطة اللحن، فإنه حمل إرهاصا لما سيقدمه القصبجي من أفكار عبر هذا القالب.. ومع دخول عام 1926، توالت مونولوجات القصبجي لأم كلثوم، واتسمت كلها بالتنوع المقامي والثراء النغمي، وأيضا كانت كلها من تأليف أحمد رامي، ومنها “زارني طيفك”، الذي مثّل نبوءة لما فعله القصبجي في لحن “يا طيور” لأسمهان، و”أخدت صوتِك من روحي”، و”قلبك غدربي”، و”الحب كان من سنين”.

عام 1928 أنجز القصبجي لحنه المهم “إن كنت أسامح”، وغنته أم كلثوم ليُحدث دويا غير مسبوق ولا مشهود منذ بدايات النهضة الموسيقية العربية، ويُجمع مؤرخو الفن على أن هذا العمل هو أول مونولوج مكتمل الأركان واضح الشكل في الغناء العربي، ويعتبرونه الميلاد الحقيقي لهذا القالب رغم بعض المحاولات المُستحيية قبله في أعمال لسيد درويش أو محمد عبد الوهاب، أو حتى للقصبجي نفسه.

عرضت شركة “جرامافون” على أم كلثوم نسبة من أرباح الأسطوانات المباعة، مقدارها 5 قروش عن كل أسطوانة، فرفضت المطربة الصاعدة وأصرت على نيل أجرها كاملا، بمقدار 80 جنيها.. لم تكن تعرف ولا تتوقع أن يكون النجاح الجماهيري بهذا الاتساع.. باعت الشركة ربع مليون أسطوانة وفقا لأقل التقديرات.. وفات أم كلثوم مبلغ يتجاوز 12 ألف جنيه.. أنهى لحن القصبجي كل أمل لمنافسة أم كلثوم، فجلست مستريحة على عرش الطرب بلا منافس لنحو نصف قرن.

الدوي الكبير لـ”إن كنت أسامح” كان له أثره السريع على مطرب عصره، محمد عبد الوهاب، حامل راية التجديد الغنائي والتلحيني.. فلم تمر أشهر حتى دخل بقوة على خط “المنافسة المونولوجية” فغنى “أهون عليك” ثم أتبعه “في الليل لما خلي”، والأخير معدود ضمن خوالد الغناء في القرن العشرين.. استقر إذن قالب المونولوج في القبول العربي الجماهيري الواسع.. وبعد سنوات التحق بالمسيرة الشيخ زكريا أحمد، ثم رياض السنباطي.. كان المونولوج بابا واسعا فتحه محمد القصبجي لكبار الملحنين العرب، فساروا جميعا خلفه.

وبكلمات رامي، وصوت أم كلثوم، واصل القصبجي مشروعه في تطوير المونولوج، فقدم أواخر العشرينيات عددا من المونولوجات المتميزة، منها “الشك يحيي الغرام”، و”سكت والدمع اتكلم”، و”بعدت عنك بخاطري”، وفي عام 1931 قدم زكريا أحمد أول مونولوجاته لأم كلثوم “ياما أمرّ الفراق”، متأثرا بهيمنة القالب على الحالة الغنائية.

وخلال السنوات الخمس الأولى من عقد الثلاثينيات استمر القصبجي متدفقا كالشلال في تقديم ألحانه من هذا القالب، ومنها “عنيا فيها الدموع”، و”طالت ليالي البعاد”، و”يا غائبا عن عيوني”، و”ياللي أنت جنبي”، و”يا عشرة الماضي”، و”ياللي جفاك المنام”.. و”فين العيون”.. وبلغ ذروة عليا عام 1934 بلحنه لمونولوج “انظري هذي دموع الفرح” فأظهر جانبا كبيرا من التعقيد النغمي وقوة الحبك.. ثم توج القصبجي هذه المرحلة بواحد من أخلد مونولوجاته، “أيها الفُلك على وشك الرحيل”، وهو من نوادر الفصحى في هذا القالب.

أما النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، فاستهله القصبجي بمونولوج “حيرانة ليه يا دموعي”، وبلحن حمل كثيرا من الأفكار التجديدية للرجل، ثم واصل التدفق: “يا نجم” و”ليه يا زمان” و”يا بهجة العيد”، و”يا طير يا عايش أسير”، و”ياللي ودادي صفالك”، والأربعة الأخيرة كلها من فيلم “وداد”.. واستمر: “ياما ناديت”، و”منّيت شبابي”، و”نامي يا ملاكي”، و”ياللي صنعت الجميل”، و”يا مجد ياما اشتهيتك”، والأربعة الأخيرة من فيلم “نشيد الأمل”، وهو الفيلم الذي قدم فيه السنباطي مونولوجه الأول لأم كلثوم: “قضيت حياتي” ليدخل مع عبد الوهاب وزكريا على خط منافسة القصبجي، لا سيما مع تلحينه لمونولوجه الخالد “النوم يداعب جفون حبيبي” عام 1937.

وفي عام 1938، تغني أم كلثوم بألحان القصبجي أحد أهم مونولوجات رامي “يا قلبي بكرة السفر”، وهو مونولوج طويل نسبيا، مقارنة بسابقيه، لذا يمكن أن نعتبره أول الأغنيات المسرحية الكبيرة التي يقدمها القصبجي لأم كلثوم.

صحيح أن القصبجي لم يكن بعيدا عن تلحين القوالب الغنائية المختلفة، وفي مقدمتها القصيدة والطقطوقة، لكنه كان مُقلا فيها مقارنة بكثافة ألحانه في قالب المونولوج، وليس للرجل محطات مهمة مع “القصيدة” لكنه قدم أكثر من طقطوقة خالدة، على رأسها “مادام تحب بتنكر ليه”.. وفي الإجمال وجّه الرجل جهده وفكره وإبداعه لقالب المونولوج، ولم يكن غريبا أن يصفه الناقد والمؤرخ الموسيقي الكبير الراحل كمال النجمي بقوله: “القصبجي في الأساس ملحن مونولوج”.

مع دخول عام 1940، أصبح من الواضح ميل أم كلثوم وجمهورها إلى الأغنية المسرحية الطويلة، وجاء تلحين رياض السنباطي لمونولوج “هلت ليالي القمر” جديدا متفوقا معبرا لأبعد الحدود، ثم وضعت أم كلثوم كلمات “رق الحبيب” أمام القصبجي، فنظر فيها الرجل، ثم تدفق بالألحان كشلال هادر أو بركان ثائر، حيث أخرج فيها مخزون خبرته المتراكم، وفيض إبداعه المتجدد، وفي خلال 4 ساعات وُلد أشهر مونولوجات القرن العشرين وأعظمها على الإطلاق، في لحن استُهل بالنهاوند، واختُتم بالبياتي، وبين الاستهلال والختام تتعدد المقامات والإيقاعات، وتتفجر الطاقات التعبيرية، وغنى العالم العربي كله: من كتر شوقي سبقت عمري.. وشفت بكرة والوقت بدري.. وإيه يفيد الزمن.. مع اللي عاش في الخيال.. واللي في قلبه سكن.. أنعم عليه بالوصال.

يقترب عمر “رق الحبيب” من ثمانية عقود، وما زالت حية نابضة، يسمعها الكبار والصغار، ويندهش لها المتخصص وغير المتخصص.. كانت تتويجا لمسيرة استمرت 16 عاما، وهبها القصبجي مخلصا لقالب المونولوج.. فأخذه من هُوة العدم إلى سماوات الفن الخالد، بنى صرحه بيده لبنة لبنة، واستطاع أن يفرضه على المشهد الغنائي كله، وأجبر كبار الملحنين العرب على التعامل مع لون جديد غير مطروق تراثيا.

لقد مثلت “رق الحبيب” تحديا تنافسيا كبيرا، واتخذ تلحين المونولوج بعدها مسارات مدهشة، وأصبح القالب محلا لتفكير عميق وجهد كبير، فجاءت مونولوجات كبار الملحنين قطعا فنية خالدة تجمع بين التعبير والتطريب.. قدم السنباطي “غلبت أصالح في روحي”، وقدم “سهران لوحدي” و”جددت حبك ليه”.. وتفنن زكريا أحمد في “الأولة في الغرام” و”الآهات” و”أهل الهوى” و”حلم”.. بل إن تلحين الطقطوقة الطويلة اقترب كثيرا من طرائق تلحين المونولوج، كما نراه في “أنت عمري” و”أنت الحب” لعبد الوهاب، أو “سيرة الحب” و”فات المعاد” لبليغ حمدي.. فعلاقة هذه النصوص بالطقطوقة علاقة شكلية ظاهرية.. وهي عمليا أقرب ما تكون إلى المونولوجات المسرحية.

اتخذ كبار ملحنينا من “رق الحبيب” دافعا للإجادة والإبداع، وقوة للتحدي والمنافسة، لكن مع الأسف، فقد شكلت الأغنية الخالدة عقبة كبرى لصاحبها، فلم يستطع تجاوزها حتى رحيله في مارس 1966، قلّت ألحانه لأم كلثوم وغيرها، ثم توقف تماما عن إنتاج أي لحن جديد، وعبر العقود الماضية غرقنا في بحر خضم من الكتابات التي تحاول تحليل أسباب توقف القصبجي عن التلحين، أو أسباب توقف التعاون الفني بينه وبين أم كلثوم.. كتابات لا يمكن أن نخرج منها بقول قاطع، أو يقين مطمئن.. لكن المؤكد أن محمد قصبجي قال في “رق الحبيب” كلمته الأخيرة.. ثم لم يجد بعدها ما يقوله، فخسره العرب مبكرا.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى