ثقافة وفن

“القلب يعشق”.. حج المتمتع بالنغم

بالرغم من كثرة الأغاني التي تتناول شعيرة الحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن أغنية “القلب يعشق كل جميل” احتفظت بمكانة أيقونية في الدلالة على تلك الشعيرة الكبرى، حتى إن سماع مقدمتها الموسيقية، كاف لينقل المستمع إلى أجواء الحرمين، وضراعة الحجيج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
والأغنية كتبها بيرم التونسي، وهي فريدة بين الأعمال الغنائية الدينية، وهي أيضا غير اعتيادية في الأعمال الدينية المكتوبة بالعامية.. ويوحي استهلالها وعباراتها الأولى بأنها عمل عاطفي، يتحدث على عشق الجمال، وقلة من يصدق في حبه، وقصر عمر هذا الحب.. “القلب يعشق كل جميل.. وياما شفتي جمال يا عين.. واللي صدق في الحب قليل.. وإن دام يدوم يوم ولا يومين”.. ثم تبدأ الجمل القصيرة في التمهيد للهدف المدخر، بكلمات تحتمل أن يُقصد بها المعشوق الإنساني، وتحتمل أيضا أن يُقصد بها الذات العلية: “واللي هويته اليوم.. دايم وصاله دوم”.. ثم تأتي عبارات أكثر وضوحا، لكنها ليست قطعية في دلالتها: “لا يعاتب اللي يتوب.. ولا في طبعه اللوم”.. وبعد هذا التمهيد تنهمر العبارات الصريحة: “واحد مفيش غيره.. ملا الوجود نوره.. دعاني لبيته.. لحد باب بيته.. واما تجلالي.. بالدمع ناجيته”.

الشاعر بيرم التونسي

صحيح أن بيرم هو إمام السهل الممتنع، لكنه في هذا النص، بدا كصياد يضع الطعم للإيقاع بفريسته.. مارس نوعا من “المكر” الفني اللذيذ.. فصار المستمع الذي سمع الأغنية مرارا، وربما حفظها عن ظهر قلب، يستعذب “الخدعة”.. يسير مع الكلمات العاطفية ويصدقها، ويترك نفسه لحيلة بيرم كي تجره جرا طوعيا إلى ساحة التصوف والحب الإلهي الدائم، والانطلاق مع الحجيج إلى مهبط الوحي ومهد الرسالة.
بيرم التونسي، شاعر السهل الممتنع
بيرم التونسي، شاعر السهل الممتنع
لحنيا، اختار رياض السنباطي أن تكون المقدمة إيقاعية لا مرسلة، ومن أول حرف فيها.. وموسيقى المقدمة نشطة تفيض بالبهجة والفرح.. وهي أيضا سهلة، شعبية، لا تحتاج من المستمع إلى أي قدر من “الثقافة الموسيقية”.. لكنها في الوقت عينه تحتفظ بجلال ورفعة، فنشاطها وبهجتها لا يسمحان لها أن تكون موسيقى “أفراح” أو “ليال ملاح”.. إذ هي مقدمة لفرحة إيمانية ستأتي قريبا.
والحقيقة أن اللحن كله يتسم بالبساطة، والخلو من التعقيد المعتاد من السنباطي، والمقاطع الغنائية تكاد تكون مقسومة بين مقامي البياتي والراست، وقد تأتي جمل اعتراضية من النهاوند.. ثم لا شيء بعد ذلك، إلا ذلك الرصف السنباطي، القادر على بناء القصور من كل مادة يجدها في طريقه، والإصرار على أن يكون البناء قويا متماسكا، وألا تكون القوة والتماسك على حساب الرونق والنضارة.

رياض السنباطي

والأغنية في بنائها النصي، تأخذ شكل الطقطوقة، وهي مكونة من مذهب، وثلاثة أغصان، والجزء المتكرر من المذهب هو الجزء الأخير: دعاني لبيته.. لحد باب بيته.. واما تجلالي.. بالدمع ناجيته.. والغصن الأول يتناول ابتعاد العبد عن الرب، ونداء الرب له بالعودة والإنابة وتذكر النعم: كنت ابتعد عنه.. وكان يناديني.. ويقول مسيرك يوم تخضع لي وتجيني..  ويتناول الغصن الثاني زيارة مكة المكرمة، والمسجد الحرام، ووعد ضيوف الرحمن بالمغفرة والرحمة: مكة وفيها جبال النور.. طلة على البيت المعمور.. دخلنا باب السلام.. غمر قلوبنا السلام.. بعفو رب غفور.
وفي الغصن الثالث، يتناول بيرم زيارة المسجد النبوي والروضة الشريفة، وما يستشعره الحاج من فيض النور النبوي، واستجابة الدعاء، واحتفاء الملائكة: جينا على روضة هلا من الجنة.. فيها الأحبة تنول كل اللي تتمنى.. فيها طرب وسرور.. وفيها نور على نور.. وكاس محبة يدور.. واللي شرب غنى.
الملحن رياض السنباطي
الملحن رياض السنباطي

أم كلثوم تقدم الأغنية للمرة الأولى

قدمت أم كلثوم الأغنية للمرة الأولى في حفلها يوم 4 فبراير 1971 بدار سينما قصر النيل.. ولاقت نجاحا كبيرا، بعد أن جرى صوت سيدة الغناء بكلمات بيرم وألحان السنباطي.. ورغم تقدم أم كلثوم في سن، حيث تجاوزت حينها سبعين عاما، إلا أن غناءها اتسم بالهيبة والجلال، وصدق التعبير.. ويمكن لمن يستمع إلى تسجيل الحفل الأول أن يلمس التجاوب الجماهيري الكبير مع الأغنية، ومع موسيقى السنباطي.
وبسبب تقدم السن، وتدهور الحالة الصحية لأم كلثوم، لم نحظ من محافل هذه الأغنية إلا بأربع مرات: ففي خلال عام 1971 قدمت سيدة الغناء الأغنية 3 مرات، وكانت المرة الثالثة خارج مصر، وتحديدا على مسرح وزارة الدفاع بالعاصمة الإماراتية “أبو ظبي”.. ولم تغن السيدة هذا العمل خلال عام 1972 كله، ثم قدمته، في حفلها الأخير، يوم 5 يناير 1972، وهو لقاؤها الأخير بالجمهور.. فقد قدمت في وصلتها الأولى أغنية “ليلة حب” من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبد الوهاب، واستغرق غناؤها ساعتين، وبعد انتهاء الوصلة كانت السيدة في غاية التعب والإجهاد، واقترح عليها مساعدوها أن تلغي الوصلة الثانية فرفضت بشدة.. ثم خرجت إلى الجماهير، وبدأت وصلتها الثانية.. الثانية في هذا المحفل.. والأخيرة في مسيرتها الكبرى الممتدة عبر 6 عقود.
أم كلثوم مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أثناء زيارتها الشهيرة لـ "أبو ظبي"
أم كلثوم مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أثناء زيارتها الشهيرة لـ “أبو ظبي”

أم كلثوم تقدم الأغنية للمرة الأخيرة.. وتودع جماهيرها للأبد

وفي هذه الوصلة الأخيرة، بدا صوت أم كلثوم في أوهن حالاته.. وتناوشتها الحشرجة عدة مرات.. ورغم المرض والإجهاد، كانت السيدة تغني.. تغني بطريقتها المشيخية.. وتطرب الجمهور بتعبيرها وأدائها.. أو تثيره عندما تغير جملة “يا رب واقبلنا” إلى “يا رب وانصرنا”.. اعتبر كثيرون من محبي أم كلثوم أن هذه الوصلة كانت خير ختام لأعظم رحلة فنية في تاريخ العرب.. بل رأى بعضهم أن السيدة نالت “توفيقا إلهيا” بأن كانت تلك الكلمات ختام مسيرتها.
وكان الشيخ زكريا أحمد قد لحن كلمات هذه الأغنية، وغناها بنفسه، والمقارنة بين اللحنين لا تجدي إلا بعد تحديد زاوية النظر إلى الكلمات، فمن يراها نصا صوفيا مؤثرا يعبر عن مشاهد الحج تعبيرا صادقا فإنه حتما سيرى أن السنباطي كان صاحب الترجمة النغمية الأعظم لنص بيرم التونسي.. وإذا أخذنا في الاعتبار أن لحن السنباطي جاء تاليا زمنيا للحن زكريا، وبفترة طويلة جدا، فيمكن أن نقول أن السنباطي أحيا كلمات بيرم، بعدما أماتها لحن زكريا، الذي يشعر المستمع أنه موضوع للجلسات الخاصة.. وهو ما له الأولوية عند دعاة التطريب المحض.. فكأن لكل من اللحنين ميدان مختلف عن ميدان الآخر، وإذا كان لكل لحن ميدانه الصالح، فإن المقارنة حينئذ تفقد معناها وفائدتها.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى