وجهات نظر

القنّب الهندي والضمير الإخواني

فلنتخيل معا أن الحكومة في مصر سمحت بزراعة نبات “القنب الهندي” المخدر، وقننت بيعه وشراءه واستخدامه، ثم نتخيل كيف سيكون رد فعل إعلام جماعة الإخوان وأنصارهم.. إذ ليس هناك من شك في أنهم سيشنون حملة ضارية ضد السلطة في مصر، ويتهمونها بنشر المخدرات، وتيسير الحصول عليها، بغرض تغييب وعي الشباب عن قضاياه الكبرى، وإيقاعه فريسة للإدمان وليالي “الأنس والمزاج”، ضمن مؤامرة نظام الحكم على الإسلام والمسلمين، ووفقا لخطة مرسومة لإبعاد الشباب عن طريق الاستقامة والعلم والاهتمام بالشأن العام.

لكن هذا الموقف الإخواني، الذي لا يشك فيه أحد، لم يكن له وجود حينما أصدرت الحكومة المغربية، التي يهيمن عليها تنظيم الإخوان، ويقودها أحد أبرز رموز الجماعة، وهو الدكتور سعيد العثماني، عندما سمحت بمشروعية زراعة مخدر “القنب الهندي” ووفرت له التقنين اللازم.

الكيل بمكيالين نهج إخواني ثابت، فمواقفهم من الأشخاص والهيئات والحكومات لا يحكمها معيار ديني أو أخلاقي، وإنما تصدر أحكامهم وفقا لموقف الشخص من الجماعة، أو موقفه من خصومها.. فمثلا، حين يجدون فنانا مؤيدا لثورة الشعب المصري في الثلاثين من يونيو فإنهم يصفونه بـ”الساقط وناشر الرذيلة والفواحش”، وإن كانت فنانة أطلقوا عليها أوصاف العهر والتعري.. لكنهم يسكتون تماما ويكفون ألسنتهم عن نفس الفنان أو عن زميل له إذا كان من أنصارهم والمدافعين عنهم.

وعبر تاريخ التنظيم، وجدنا الإخوان يحتفون بشخصيات ويرفعون قدرها ويمدحون أخلاقها وتقواها وعلمها وثقافتها طالما بقي هذا الشخص عضوا في التنظيم، أو دائرا في فلكه، فإذا خرج من صفوفهم سبوه ولعنوه واتهموه بـ”التساقط على طريق الدعوة”.. ولعل مثال الشيخ أحمد حسن الباقوري يوضح هذا النهج الانتهازي للجماعة.

ويحفظ التاريخ موقف الإخوان المؤيد لثورة يوليو عام 1952 في بدايتها، ودفاعهم المستميت عنها، وتأييدهم لكل إجراءاتها الاستثنائية، من الإصلاح الزراعي إلى حل الأحزاب، وكان مُنظّر الجماعة، سيد قطب، أول من سمّى حركة الضباط الأحرار بـ”الثورة” وكتب في جريدة “الأخبار” سيلا من المقالات المؤيدة للحركة، والمدافعة عن إجراءاتها، بل والمحرضة على الشدة والقمع، حتى وصل به الأمر إلى التحريض على إعدام العاملين الشابين الصغيرين، خميس والبقري.

لكن بمجرد أن لاح الصدام مع الضباط الأحرار، وأيقنوا أن الرئيس جمال عبد الناصر لن يمنحهم ما يريدون من سيطرة على مقدرات الحكم الجديد، انقلب تأييدهم عداء، وحاولوا اغتيال ناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وأصبحت الثورة “انقلابا”، وتباكوا على حل الأحزاب، وعلى الديمقراطية التي أجهضها ضباط يوليو، وذرفوا الدموع على عمال كفر الدوار الذين أيدوا إعدامهم من قبل.

وعبر تاريخ التنظيم، تعتبر الجماعة كل من انشق عنها أو خرج عن قيادتها “ناكثا بالبيعة”، لم يصبر على أعباء الطريق والابتلاءات والمحن التي يضعها الله في طريق أصحاب الدعوات، ثم تبدأ حملة الشتائم والكذب والافتراءات والتشويه والاتهام بالعمالة للأجهزة الأمنية، وشراء الدنيا بالآخرة.

هذه الانتهازية الإخوانية ترجع في أساسها إلى أن التنظيم الإخواني يعتبر نفسه “جماعة المسلمين” وليس مجرد جماعة من المسلمين كما يدّعون، فممارساتهم العملية تؤكد أنهم يعتبرون المنشق عن الجماعة أو المواجه لخططها في الهيمنة على الحكم والمجتمع “أشبه بالمرتد”، مع فتح الباب لاستباحة سيرته وعرضه وصولا إلى استباحة دمه، كما حاولوا مع عبد الناصر، أو كما نفذوا فعلا مع النقراشي باشا والقاضي أحمد الخازندار.

وبالطبع، كلنا نتذكر احتفاءهم بتعيين اللواء عبد الفتاح السيسي قائدا عاما للقوات المسلحة المصرية وزيرا للدفاع، فلما انحاز الرجل إلى ثورة الشعب والملايين الغاضبة المطالبة بإزاحة مرسي من السلطة، صار الرجل أعدى أعدائهم، لا يتوقفون لحظة عن إعلان كراهيتهم له، ولا يتورعون عن تفسير كل كلمة منه أو قرار يصدره بتفسيرات وهمية لا تعتمد على أساس من منطق أو ضمير.

قسّم حسن البنا الناس إلى أربعة أقسام بحسب موقفهم من الانتماء لتنظيمه، ووصف مَن قبل الانضمام لجماعته بأنه “مؤمن”، وألقى على مَن لم يحسم موقفه من عضوية الإخوان صفة “متردد”، واختار لقب “نفعي” لمن أعرض عن جماعته بسبب عدم انتفاعه منها، وأما من أدار ظهره للإخوان ورفض الانضمام لتنظيمهم، فهو في نظر البنا “متحامل” ينظر للإخوان بمنظار أسود، ولا يرى الخير الذي تحمله الجماعة.

ثم تضافرت مناهج الإخوان على أهمية الانضمام للجماعة، والانخراط في تنظيمها، فنجد فتحي يكن في كتابه “ماذا يعني انتمائي للإسلام”، يقول: “الانتماء للحركة الإسلامية انتماء لهذا الدين، وامتثال لأمر الله، وطمع في رحمته ورضاه”.

أما القيادي السوري سعيد حوى، فيقول في كتابه “المدخل إلى جماعة الإخوان”: لا بد للمسلم من الارتباط بجماعة منظمة، ولا بد أن يكون التنظيم صالحا، ومَن تأمل وجد أن الإخوان هم الذين فطنوا لهذا الطريق وساروا فيه”… ويستدل “حوى” لكلامه عن وجوب الانتماء للتنظيم بقول تعالى “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم”.. ويضيف في نفس الكتاب: “لا بد أن يكون التنظيم هو العقل المفكر والمحرك للمسلمين… وعلى المسلمين أن يوالوا بعضهم، والولاء الكامل لا يتحقق إلا ضمن جماعة”.

وهكذا يتضح بجلاء أن الجماعة لا تنطلق في أحكامها على الأشخاص والحكومات من أرضية دينية أو أخلاقية، وإنما هي في أحكامها تكيل بمكيالين، فتقبل الفعل أو القول إذا صدر عن أحد أنصارها، وترفض نفس الفعل أو القول إذا صدر عن أحد خصومها، مع تكرار مستمر لا ينقطع لشعارات “الجماعة الربانية” و”أستاذية العالم” و”السياسة الشرعية”.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى