زوايا

سوق محيرة.. من أين تتولد القوى الشرائية للعقارات في مصر؟

بعروض لا يمكن تفويتها، تداعب شركات العقارات العملاء بحزم إغراءات ترافق كل تجمعٍ سكنيٍّ جديد، من تسهيلات شراء وأنظمة تقسيط تصل لـ15 عامًا، وصور مساحات خضراء تداعب الخيال.

ولا تكاد أيامٌ تمر إلا ويعلن عن تجمع سكني جديد، فيما يبدو أن بناء العقارات وبيعها عملية مربحة وزبائنها كُثر، ما يدفع إلى طرح سؤال: من أين تتولد القوى الشرائية؟

العقارات “أفضل استثمار”

يبدو هذا السؤال ملحًا في ظل حديث مطورين عقاريين كبار عن انتهاء تسويق مراحل كاملة من المشروعات الجديدة خلال يومين فقط، دون وضع لبنة واحد في البناء، والاعتماد في التسويق على النماذج المصغرة (الماكيتات) لمشروعات من المقرر تسليمها للحاجزين بعد أكثر من عامين على الأقل.

وخلال الربع الأول من العام الحالي، حققت أربعة شركات عقارية ضخمة مقيدة في البورصة المصرية، مبيعات بقيمة 8.7 مليار جنيه مقارنة بـ6.9 مليار جنيه في الفترة ذاتها من عام 2020. في مقدمة تلك الشركات مجموعة طلعت مصطفى القابضة، التي حققت 2.90 مليار جنيه، مقارنة بـ2.29 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بالتوازي مع إعلانها عن مشروع جديد هو مدينة نور، المواجهة للعاصمة الإدارية الجديدة، بمتوسط سعر متر 30 ألف جنيه.

العقارات في مصر
يقول خبراء العقارات إن العائد من العقار يظل الأفضل

يقول خبراء العقارات إن العائد من العقار يظل الأفضل حتى في الوقت الذي وصلت فيه نسبة فائدة الشهادات البنكية إلى 20%، فعلى سبيل المثال سعر المتر في مشروع “هايد بارك”، شرق القاهرة، كان في البداية عند أربعة آلاف جنيه، ليقفز خلال ست سنوات وصولًا إلى 18 ألف جنيه مصر، في حين أن استثمار نفس المبلغ لنفس المدة، في شهادات مصرفية مرتفعة العائدة، فلن يتجاوز عائدها ثمانية آلاف جنيه، هذا بالإضافة إلى أن قيمة العقار لا يتم تسديدها مرة واحدة على عكس الشهادات التي يدفع كامل قيمتها وقت الشراء.

نهم شرائي نحو العقارات

“الأغنياء في مصر لديهم نهم شرائي للعقارات”، يعلق رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة على كثرة المشاريع العقارية في مصر، مضيفًا في حديثه لـ”ذات مصر”: “إنهم لا يكتفون بامتلاك وحدة عقارية واحدة للعيش، بل إن بعضهم يملك عدة منازل في مدن مختلفة، وذلك كوسيلة لحفظ قيمة المدخرات”.

اقرأ أيضًا: الصكوك السيادية .. ملاذ حكومي للإنعاش وسد عجز الموازنة

يرى عبده أن هذا قد يكون السبب وراء استمرار الشركات العقارية في قبول الدفع نقدًا دون شيكات مصرفية، بما يحمي خصوصية تلك الفئة “النهمة للعقار”، وفقًا لتعبيره، والتي تفضل عادة التعامل بعيدًا عن الشيكات البنكية.

يقول عبده إن هذه الفئة التي تقدم على شراء العقارات بدافع حفظ القيمة دون توجه مضاربي، تبلغ نسبتها ما بين 1% إلى 3% من عدد السكان، بمتوسط مليون ونصف نسمة، يعملون على تنويع استثماراتهم داخل نفس القطاع، ما يشجع الشركات على المزيد من عمليات البناء الفاخر.

وتحمل القوى الشرائية قدًرا كبيرًا من هواة السمسرة وقناصي الفرص، الذين يحجزون في عدة مشروعات في نفس الوقت، ويتخارجون منها خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر إلى عام واحد، مع تحقيق هامش ربح معقول يتولد من الارتفاع المستمر لأسعار العقارات، على أن يكمل المشتري الجديد الأقساط للشركة وباقي التزامات المالك الأصلي.

وتعتبر مشروعات الحي السادس عشر في مدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، مثالًا على ذلك، فالوحدات التي خصصت لمهنيين بمقدمات لا تتجاوز 35 ألف جنيه وأقساط تمتد لـ10 أعوام، أعيد بيعها بعد سنوات بمقدمات تصل إلى 90 ألفًا، مع استكمال المشتري الجديد باقي الأقساط.، قبل أن يعاد بيع نفس الوحدات للمرة الثالثة وبمقدمات تصل لـ120 ألفًا مع بقاء باقي الالتزامات.

مبادرات التمويل العقاري

وتنبع خطورة السمسرة في منحها مؤشرات غير حقيقية عن معدل الإقبال على حجز المشروعات في مصر، وإغراء الشركات على تنفيذ المزيد من المشروعات التي تُموّل بقروض مصرفية أو بحصيلة مبالغ الحجز. وخلال السنوات الأخيرة، تنامت القطاعات النشطة في السمسر لتضم مختلف المهن وليس فقط المعنيين أو المهتمين بسوق العقارات.

وقبل أشهر، طرحت نقابة الصحفيين وحدات إسكان في مشروع لأحد أكبر المطورين في السوق. تنافس الآلاف من الصحفيين لحجز عشرات الوحدات المطروحة، رغم الفارق الشاسع بين أسعار هذه الوحدات وبين مستوى دخول غالبية العاملية في مهنة الصحافة بمصر. لاحقًا يتضح السبب، وهو نشوء سوق نشطة لبيع إيصالات حجز الفائزين في القرعة، بهامش ربح يصل إلى 25% زائد مبلغ الحجز.

قوة العاملين في الخارج

تتولد في مصر قوى شرائية نابعة من المستثمرين الخليجيين والعاملين في الخارج، فشركة مثل “كاسيل لاند مارك” المالكة لثلاثة مشروعات في العاصمة الإدارية، حققت حجم مبيعات بنسبة 60% للأجانب و40% للمصريين خلال عام 2018، فيما سجلت في 2019 مبيعات تراوحت ما بين 10% إلى 15% للأجانب و50% إلى 60% للمصريين المقيمين في الخارج.

هذا ويبلغ عدد المصريين في الخارح نحو 9.1 مليون نسمة، يتواجد غالبيتهم في دول الخليج العربي، وتتركز معظم استثماراتهم في العقارات، حتى أن بعض الشركات تؤجل إقامة معارضها العقارية إلى فصل الصيف للاستفادة من موسم الإجازة حيث يعود المقيمين في الخارج إلى مصر.

اضطراب عالمي

حذرت وكالة بلومبيرج من أن أسعار العقارات المضطربة حول العالم تنبئ بفقاعة عقارية قادمة لم نشهدها منذ الأزمة المالية عام 2008 حين تسببت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، بأزمة مالية ضربت العالم كله.

واستخدمت بلومبيرج في تقديرها لمستوى الفقاعة خمس مؤشرات لكل دولة، تشمل نسبة السعر إلى الإيجار والسعر إلى الدخل.

وتدخل العديد من العوامل في احتمالية حدوث فقاعة عقارية عالمية، من بينها معدلات الفائدة المتدنية بصورة قياسية، والتحفيز المالي، والمدخرات التي تجمعت خلال فترة الإغلاق التي تسببت فيها جائحة كورونا.

العقارات في مصر
تشهد سوق العقارات المحلية منافسة شرسة تؤدي لغربلة الشركات الأضعف

ويقول خبراء عقاريون مصريون، إن الرهن العقاري في مصر، أي التمويل العقاري، لا يزال تجربة بكر، كما تحيطها العديد من الشروط التي تفرضها البنوك، والتي لا تتحقق على أرض الواقع في معظم الحالات.

من هؤلاء فتح الله فوزي، رئيس لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال، ورئيس مجلس إدارة شركة “مينا جروب”، والذي يرى أن التمويل العقاري في مصر “غير فعال”، قائلًا إنه في حال تقسيم إجمالي المبالغ التي ضخها القطاع المصرفي لذلك لنمط من التمويل على إجمالي الوحدات، فلن تزيد حصة كل منها عن 100 ألف جنيه فقط.

وكان البنك المركزي قرر مضاعفة الحد الأقصى المسموح للبنوك أن تخصصه لصالح التمويل العقاري، إلى ما يعادل 10% من إجمالي محفظة القروض لدى البنك، وذلك بدلًا من 5%. جاء ذلك ضمن مبادرة البنك المركزي لتخصيص 50 مليار جنيه للتمويل العقاري للشريحة المتوسطة.

وبحسب فوزي فإن التعثر الذي تعاني منه بعض الشركات العقارية في السوق حاليًا، “ناجم عن قلة الخبرة وعدم وجود دراسات جدوى أو لافتقار هياكل تمويلية قوية للمشروعات”.

لكن ذلك لا يعني إمكانية حدوث فقاعة عقارية في مصر، والتي تحتاج إلى 500 ألف وحدة سكنية سنويًا، في حين أن كل ما يتم توفيره لا يزيد عن 300 ألف فقط، ما يعني وجود فجوة متراكمة لا تقل عن 200 ألف سنوًيا، وفقًا لفوزي في حديثه لـ”ذات مصر”.

رهاب التعثر في السداد

في الوقت الحالي تشهد السوق المحلية منافسة شرسة تؤدي لغربلة الشركات الأضعف، فالمشتري عادة لا يقدم إلا على الأسماء الكبيرة المعروفة ذات الأعمال السابقة، خوفًا من تعرض أمواله للضياع، وخاصة مع قدرة الشركات الكبير على الالتزام بمواعيد التسليم.

وفي العادة لا تفصح الشركات عن مقدار التعثر في السداد لديها، وتعتبره سًرا لا يجب للكشف عنه، خوفًا من أن يتسبب ذلك في قلق باقي الحاجزين، فضلًا عن السعي المستمر لمطورين عقاريين كبار نحو القروض البنكية لتمويل المشاريع التجارية، وفي مقدمتها تسع شركات عقارية، أعلنت مؤخرًا سعيها للحصول على قروض بقيمة 15 مليار جنيه. في تلك الحالة، لا يفضل عادة الكشف عن مقدار التعثر في السداد.

لكن وفقًا لفتح الله فوزي، فإن نسبة تعثر العملاء عن السداد خلال فترة أزمة كورونا، وصلت إلى 30%، قبل أن تتراجع بنسبة كبيرة. ويرجع فوزي الأمر إلى مدى التزام الشركة بمواعيد التسليم، موضحًا: “بعض العملاء قد يتراخون عن السداد في حال شعورهم بعدم حدوث تقدم في المشروع على أرض الواقع”.

اقرأ أيضًا: “الفؤوس أهم من الفلوس”.. كورونا تغير توجه العرب الاقتصادي

هذا وكان المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، حذر من أزمة في سوق العقارات، بسبب الزيادة الضخمة في الوحدات العقارية المعروضة، مع تراجع القدرة الشرائية، وتباطؤ البيع في السوق الثانوية حيث تقتصر عمليات البيع بشكل أكبر على السوق الأولية، فضلًا عن عدم استعلام الشركات عن قدرة المشتري على السداد.

وبحسب مصدر مطلع في بنك التعمير والإسكان الضالع في التمويل العقاري بمصر، فإن المبادرات التي ترعاها الدولة ترفض قبول طلبات العملاء المتعثرين المسجلين في الشركة المصرية للاستعلام الائتماني  (آي سكور)، كما حدد البنك المركزي أقساط قروض العميل بحد أقصى 50% من إجمالي دخله الشهر وذلك لمنع زيادة التعثر.

المبادرات العقارية التي ترعاها الدولة ترفض قبول طلبات العملاء المتعثرين
المبادرات العقارية التي ترعاها الدولة ترفض قبول طلبات العملاء المتعثرين

هذا وانخفضت نسبة الديون غير المنتظمة في كل القطاع المصري إلى 3.4% مقارنة بـ4.2% خلال نفس الفترة من العام الماضي.

ووفقًا للمصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن الديون الرديئة داخل بنك التعمير والإسكان، انخفضت بنسبة 2%، لتصل إلى 7% خلال الشهور التسعة الأولى من 2020 مقابل 9% في 2019.

نهايةً، يمكن القول إن الفقاعة العقارية بعيدة عن السوق المصرية، غير أن ذلك لا يمنه الحاجة إلى ضبط السوق وآليات البيع والشراء، وفقًا للخبراء العقاريين الذين تواصلت معهم “ذات مصر”، فضلًا عن الإجراءات اللازمة لضمان عدم تعثر العملاء، وضمان استدامة الموارد.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى