الكنيسة على مذبح السياسة.. مسارات ومآلات

رامي شفيق

كاتب مصري

مثّل عام 2011 عامًا مختلفًا في مصر، ولحظة مرجعية يُمكن الارتكان إلى أحداثها لقراءة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لحقت بها، وتداعياتها على بعض المؤسسات الدينية، خاصة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل “محمد حسني مبارك” جملةً من الأحداث غير المستقرة فيما يخص الأقباط والكنيسة.

ففي شهر أبريل عام 2011، كانت قد انتهت ولاية المجلس الملي، بينما حالت الحالة الصحية لبابا الكنيسة الراحل “البابا شنودة الثالث”، بالإضافة إلى الظروف السياسية التي كانت تمر بها البلاد -وقتذاك- دون إعادة انتخاب المجلس أو تشكيله، إلى أن غيّب الموت البطريرك في مارس عام 2012، فتجمد عمل المجلس بهيئته دون اختصاصات فعلية على أرض الواقع.

ثمة ملاحظة لافتة في تاريخ المجلس الملي، منذ لحظة تأسيسه وحتى الآن، تبدو واضحة في الصلات والروابط العضوية التي تجمع بين نظام الحكم وطبيعته من ناحية، والكنيسة وبطريركها والإكليروس من ناحية أخرى؛ إذ ينعكس ذلك بالضرورة على حال المجلس الملي، ومدى نفوذه وأثره المباشر في مجريات الكنيسة، وواقع الأقباط، فضلًا عن السياق السياسي الحاكم للسلطة الزمنية، وكذا دوره في انعقاد المجلس وتداخله في سياق الكنيسة وقبضة البطريرك على سلطاته. وفي ضوء ذلك، نجد أن المجلس الملي عَبَرَ عدة مراحل منذ لحظة التأسيس.

ومع نمو الحركة الديمقراطية الوطنية التي ألحت على وجود دستور ومجلس نيابي؛ اتجهت البرجوازية القبطية إلى المماثلة في نظام إدارة الكنيسة، وذلك فيما يتعلق بإدارة الشئون غير الدينية؛ كالأوقاف، والمدارس. وفي هذا الإطار، أصدر الباب العالي الأمر في عام 1874 عبر لائحة المجلس الملي، حيث نص على أن يتكون من اثني عشر نائبًا، يتم انتخابهم في جمعية عمومية ويرأس اجتماعها البطريرك.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، ظهر اتجاهان مختلفان؛ الأول اتجاه الكنيسة الذي كان يتزعمه البطريرك “كيرلس الخامس”، واتجاه يرمي إلى تقليص نفوذ البطريرك لصالح المجلس الملي، وكان “بطرس غالي” على رأس الاتجاه المناوئ للبطريرك.

وعليه، تأتي علاقة العلمانيين بالإكليروس في إدارة شئون الكنيسة المصرية من خلال المجلس الملي، في تلك الخبرة التراكمية السلبية التي صاحبت نشأته وعمله منذ البدايات؛ إذ وصل إلى نقطة المواجهة والصدام بين المجلس وقادة الكنيسة دون الوصول إلى شكل متكامل للتعاون والشراكة، وذلك برغم التعديلات التي أُدخلت أكثر من مرة على لائحة المجلس الملي، وبالتالي فإن قضية المشاركة الواسعة للجماهير القبطية في إدارة شئون الكنيسة لم يقدر لها أن تقدم حلًّا جذريًّا حتى اللحظة.

في السادس عشر من يناير عام 1874، تشكل أول مجلس ملي، وانتُخب “بطرس باشا غالي” وكيلًا له، ونصّت لائحة المجلس على أن تكون رئاسة المجلس للبطريرك، وبدأ المجلس في أداء مهامه في فبراير من العام ذاته، بعد أن اعتمد “الخديوي إسماعيل” تشكيله وإصدار قراره بذلك. وقد جاءت المهام الموكلة للمجلس، حسب لائحته، تتمحور حول النظر في كافة المصالح الداخلية للأقباط، ومن بينها: حصر أوقاف الكنيسة، وكذا الكنائس وقساوسها، بالإضافة إلى الأديرة ورهبانها والمدارس، مرورًا بإدارة المدارس والمطبعة، ومساعدة الفقراء، ثم النظر والفصل في منازعات الزواج والطلاق، وكل ما يتعلق بما يُطلق عليه الآن الأحوال الشخصية.

جاء انعقاد المجلس الأول في فترة غياب البطريرك، إذ توفي “الأنبا ديمتريوس الثاني” في عام 1870، في حين ظل الكرسي البابوي شاغرًا، حتى رسم “الراهب يوحنا الناسخ” بطريركًا، في أول نوفمبر عام 1875، وحمل اسم “كيرلس الخامس”.

تحمل علاقة “البابا كيرلس الخامس” بالمجلس الملي التي امتدت إلى لحظة وفاته، في عام 1927، سمات معقدة تعود تفاصيلها إلى كون البطريرك محافظًا لأقصى درجة، ويتمهل كثيرًا في دعوات يراها تهدف إلى تقليص سلطات الإكليروس في مقابل مشاركة العلمانيين، وزيادة مساحة نفوذهم في إدارة شئون الكنيسة. وعلى إثر ذلك الخلاف، حضرت السلطة السياسية في ذلك النزاع، وحلت المجلس الملي غير مرة، وأمام معارضة البطريرك للمجلس نفى “الخديوي إسماعيل” “البطريرك كيرلس الخامس” إلى دير البراموس بوادي النطرون، وظل الأخير بمنفاه حوالي ستة شهور، حتى عاد مع عام 1893.

وقد حفلت مجلة “مدارس الأحد” بما يؤكد الموقف الرافض والسلبي لعمل المجلس الملي، حيث يأتي في افتتاحية المجلة عام 1950 ما يؤكد على مبدأ: “إن من حق الشعب الذي انتخب أعضاء تلك المجالس أن يناقشهم ويرى ماذا فعلوا وماذا أنتجوا”.
وفي السياق ذاته، تذهب المجلة إلى أن هؤلاء انتزعوا لأنفسهم حق إدارة أمور خطيرة في الكنيسة، وغالبيتهم يجهلون قوانين الكنيسة وعقائدها، وتقاليدها وطقوسها. وفي موضع آخر تقول المجلة، إن المجلس الملي، بصورته الحالية، ليس له أساس من تعاليم الكتاب المقدس، أو قوانين الكنيسة؛ وإنما هو وضع عالمي، يستند إلى القوانين المدنية.

هذه المدوّنات التي عبرت عنها جماعة “مدارس الأحد” من خلال أعدادها المنشورة، قبل ثورة 23 يوليو 1952، استطاعت أن تترجمه عبر أبنائها، بعدما أصبحوا قادة الكنيسة، كمثال “البابا شنودة الثالث” (1971-2012) وذلك من خلال تفريغ الدور العلماني من مضمونه، وتكريس كل الصلاحيات في يد الإكليروس وحدهم، وتحول العلمانيون إلى مجرد منفذين لرؤية وتوجهات وقرارات الإكليروس، سواء في مجالس الكنائس أو في المجالس الملية الفرعية.

المجلس الملي مرّ بمرحلتين في العصر الحديث، والذي شهد دخول شباب مدارس الأحد في دائرة القيادة، منذ لحظة اختيارهم ضمن سكرتارية البابا “كيرلس السادس”، ثم أساقفة عموميين؛ حيث تم تجميد المجلس في عصر الرئيس “جمال عبدالناصر” / “كيرلس السادس”. وبحنكة ومهارة سياسية وإدارية، أُعيد تشكيل المجلس الملي في عهد “البابا شنودة الثالث”، من خلال قراره بأن يحظى أعضاء المجلس الملي برتبة دينية هي الـ”شمامسة”، حيث يبدو الشكل مكتملًا، دون الوصول إلى فلسفة المجلس الملي التي ينبغي لها أن تتحقق من خلال المشاركة الحقيقية بين الشعب والكنيسة.

بيد أن المجلس المرتبط بقانون يلزم بخروجه للعلن ويجعله مسألة محسومة، ولا يمكن الرهان فيه على القرار السياسي، جاء المخرج له عبر ترتيب قائمة تضم مَن ترى القيادة فيهم أهلًا للثقة والولاء، ودَفْعهم للترشح وتقديمهم للناخبين، والإيعاز من فوق منابر الكنائس بأن هؤلاء هم أبناء البابا، وعلى كل من يحبه ولا يريد المجيء بمن يعارضه أن ينتخبهم، وتنتهي التوجيهات بأن: “ابن الطاعة تحل عليه البركة”. وذلك برغم إعلان “البابا شنودة الثالث” في أكثر من تصريح بأن لا علاقة له بأي قوائم.

وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة واقع المجلس الملي في عصر “البابا شنودة الثالث”، خلال فترتي حكم “السادات” و”مبارك”، وفق مرتكزين أساسيين؛ تتمثل في حالة الشد والجذب بين البطريرك والرئيس على وقع أحداث محددة، جاء المجلس الملي ليعبر من خلالها عن صوت البابا في تلك القضايا، وكان من أبرزها مذكرة وكيل المجلس الملي “حنا ناروز”، بداية الثمانينيات، ليشرح من خلالها امتناع رجال الكنيسة عن استقبال المسئولين الرسميين في احتفالات عيد القيامة بالكنائس.

بيد أن المجلس الملي خلال عقود حكم الرئيس الراحل “حسني مبارك”، الذي أسس لنسق علاقة تجمعه مع البابا الراحل “شنودة الثالث”، يحيّد فيها كل بؤر التوتر؛ أضحى رجال المجلس الملي أصحاب الياقات البيضاء، والممر الذي تخرج منه اختيارات أعضاء مجلسي الشعب والشورى.

وهكذا، عَكَسَ المجلس الملي عبر العقود الماضية قبضة البابا على سلطة الكنيسة، بما يحوزه من سلطة روحية على الأقباط، سواء علمانيين أو إكليروس، فضلًا عن مدى تداخل السلطة السياسية في تلك العلاقة باعتبار أن الكنيسة واحدة من المؤسسات الدينية التي تئول في نهاية الأمر تحت إدارة الدولة.

وهكذا يستقر المجلس الملي بعيدًا عن فلسفته الحقيقية ورؤيته التي تذهب نحو دمقرطة الكنيسة، ومشاركة العلمانيين للإكليروس في إدارة شئون الكنيسة. وبمعنى أدق، التعامل مع المجلس الملي باعتباره جهة رقابة ومركز ثقل للمعارضة. لذا، يتريث “البابا تواضروس الثاني” كثيرًا ويتمهل بحرص شديد حول مستقبل المجلس الملي، وصيغته الجديدة عند تشكيله، بالإضافة إلى لائحته التنفيذية واسمه المقبل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search