الكويت هدف ثمين

لـ"داعش"؟

ظل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مدار الأعوام الخمسة المنقضية (تخللتها خسارات وتراجعات جغرافية وعسكرية “ميدانية” فقد خلالها التنظيم أهم حواضره في الموصل والرقة) بعيدًا عن الاشتباك، أو الاقتراب بشكل أو بآخر عن التحولات السياسية والاجتماعية “الكبرى” التى تعايشها دول الخليج عامة والكويت خاصة .

منذ حوادث إطلاق النار والتفجيرات التي طالت دولتي السعودية والكويت عام 2015، على قوتهما وضراوتهما، لم نر للتنظيم عمليات جهادية تنفذ على مستوى مقارب لما حدث سابقًا، أو تعليقًا يذكر على هامش أحداث كبرى، إلى أن جاء حدث وفاة أمير دولة الكويت، جابر الصباح، ليطل التنظيم مرة أخرى بعد طول غياب على المشهد الكويتي، معلقًا ومسهبًا في التنظير، متوعدًا في آن معًا، تدفعه خصومة كبرى وثأر تجاه شخص الأمير الراحل، وهو ما سنوضحه لاحقًا .

بعد أيام ليست بالقليلة من رحيل أمير دولة الكويت، الشيخ جابر الصباح أحمد الصباح، وفي العدد الأخير لصحيفة النبأ الأسبوعية -الناطقة بالعربية- تناول تنظيم داعش حدث وفاة حاكم الكويت بقدر من التشفي، وإبداء الفرح برحيله، ما كشف بقدر كبير رؤية التنظيم وما يضمره لدولة الكويت.

أمير الكويت الراحل جابر الصباح
ذاكرة المواجهة

تعود ذاكرة المواجهة بين تنظيم الدولة “داعش” ودولة الكويت، حين استهدف التنظيم مسجد “الإمام الصادق” عام 2015، الذى يرتاده مسلمو الكويت الشيعة، ما أودى بحياة العشرات من المصلين، فضلاً عن أعداد كبيرة من الإصابات  .

كان تنظيم الدولة الإسلامية آنذاك في أوج صعوده وانطلاقته على كل الأصعدة، منذ إعلان خلافته في 2014، إذ كان يطمح في مزيد من التمدد والانتشار، وكانت دولة الكويت من بين أهدافه التوسعية في الخليج، التي يرنو إلى التموضع داخلها بالقرب من منابع الذهب الأسود، دون وعي بمدى صعوبة ذلك ووعورته.

ونظرًا إلى طبيعة أنظمة الحكم  الخليجية المتماسكة، والتي تختلف بقدر كبير شكلاً وموضوعًا عن نظرائها في الشرق الأوسط، كان له عميق الأثر بعد ذلك في تعثره فضلاً عن  اجتثاث تجربته الناشئة في كل من العراق وسوريا، عقب استنفار المجتمع الدولى  ضده ردًّا على فرط تحركاته الجهادية غير المدروسة عواقبها .

ويمكن القول إن أمير دولة الكويت الراحل قد أفشل مساعي داعش لإرباك المشهد الكويتي، من خلال ضرب نسيجه الطائفي، وبث الفتنة بين أبناء الملة الواحدة شيعة وسنة. وفي جرأة لم تكن متوقعة، بادر حاكم البلاد بالذهاب إلى مكان الحادث دون خوف من هجمات داعشية مباغتة، رغبة في معالجة الأمر بنحوٍ قطع الطريق أمام التنظيم في محاولاته الرامية لاستثمار الحدث، بل وأفشل مخططه لتحقيق خطوات مستقبلية أخرى على النحو ذاته، وهو ما فسر بعد ذلك موقف الخصومة التي أبداها داعش على نحو خاص لشخص الأمير الراحل، متجاوزًا طرائقه الأمنية.

حادث استهدف مسجد الإمام الصادق
الصباح دعم الصليبيين؟!

أبدى داعش في العدد 254 لصحيفته على هامش وفاة أمير دولة الكويت وأصدائها المحلية والإقليمية والدولية، استياءه الكبير لكم العزاءات التي تلقتها أسرة الصباح ودولة الكويت من نظرائهم من الدول العربية والإسلامية على المستويين الدولي والشعبي، معللاً موقفه المعادي للأمير الراحل بأنه حكم بغير ما أنزل الله وبدَل شريعته وحمى الشيعة -الروافض بحسب ما جاء بالصحيفة- وهنا ينكشف السبب الجوهري في الموقف العدائي لتنظيم الدولة للأمير الراحل، وينتقل العداء إلى مساحة أخرى، حين يذكر التنظيم أنه قدم العون لما وصفتهم بالصليبيين -التحالف الدولى الغربي- في حربه على المسلمين في العراق وأفغانستان .

في الواقع وفي محاولة فهم الموقف الداعشي من الأمير الراحل، يمكننا القول إنه نجح بقدر كبير من خلال اتخاذ إجراءات أمنية مشددة وإستراتيجيات مجتمعية في رأب الصدع الناجم عن التفجيرات التي طالت الطائفة الشيعية بالكويت، ما مثل ضربة قاصمة للتنظيم، جعلت مهمة داعش في الكويت شبه مستحيلة .

الكويت تردع داعش

وما يدلل على ذلك ويؤكد عليه، عدم معاودته التفكير مرة أخرى طيلة هذه السنوات الماضية وعدم جرأته في أن يبادر بالهجوم على دولة الكويت، من خلال استهداف الأقلية الشيعية ومساجدهم وحسينياتهم هناك، ولا يعني ذلك أنه لا تراود التنظيم المتشدد الرغبة في معاودة عملياته، ما يدعو إلى مزيد من الحذر، فلربما يقوم تنظيم الدولة بخلق سياسات بديلة وإستراتيجيات مختلفة لضرب استقرار الكويت.

الكويت تضبط شبكة متطرفة تمول داعش
الصراع مع تنظيم القاعدة والإخوان

في خضم منافساته وصراعاته البينية الجهادية مع تنظيم القاعدة، قد يؤدي هذا التنافس إلى أن يفكر “داعش” في استهداف الكويت، إظهارًا منه لقدرته على تحقيق ذلك، وإحراجًا للقاعدة الخاملة التي انطلق في تكوينها الجهادي بالأساس على أرضية الخليج العربي ومواجهة مظاهر الشرك وعدم موالاة أنظمة الكفر وفق أدبياتهم، وهو ما يدق ناقوس الخطر، ويدفع نحو الانتباه دومًا لمحاولات هذه الحركات الجهادية في هذا السياق .

وكما دأب داعش دومًا على توظيف الأحداث من حوله ليضرب في كل اتجاه، انتقد التنظيم “ترحُّم” حركة طالبان على أمير دولة الكويت، وجعل من هذا الحدث تأكيدًا على الخلل العقائدي لدى الحركة، وأنه “يأتي كدلالة واضحة على أن حركة طالبان لا تعير مسألتي الحكم بما أنزل الله، ومظاهرة الكافرين على المسلمين”، أولوية في قاموس عقيدتها الإسلامية، ما جعلها شبيهة للرؤى الأيديولوجية العقدية لجماعة الإخوان المسلمين، التي تشاطرها صفة الردة بحسب وصف تنظيم الدولة.

ويلتقط داعش خيط الإخوان ليشير إلى تموضع الجماعة في الدولة الكويتية، وأنه لولا الشيخ الراحل ما كان لهم وجود، لأنه سمح لهم بالدخول إلى البرلمانات وتولي المناصب والمسؤوليات وفتح الأحزاب والجمعيات، بهدف القيام بأدوار وظيفية في إطار الخطة الأمريكية المرسومة لهم، فضلاً عن علاقة الأمير الراحل بما أسماهم طواغيت تركيا وقطر .

الشرطة الكويتية

يمكننا استقراء زاوية مهمة وجانب جدير بالتأمل في رؤية تنظيم الدولة تجاه دولة الكويت على نحو خاص، انطلاقًا من هذه الديباجة التي تضمنتها الصحيفة الداعشية، فهى ترى أن الكويت مثلت ولا تزال الخزانة المالية التي اعتمد العراق عليها ولا يزال في محاربته لتنظيم الدولة الإسلامية، فهي تشتري مئات الدبابات وتدفع لجنودها الرواتب وتمول عمليات التدريب وما شابه، وذلك كله لتدمير مدن أهل السنة، والمعنّى هنا داعش .

هذا يعني أن دولة الكويت تمثل مركزية في فضاء الصراع مع داعش، لاعتماد الدول الغربية والأمريكية عليها، من حيث الدعم اللوجستي والمالي في كثير من الأحيان من جهة، وما تقدمه للحكومات العربية التي تناصب تنظيم الدولة العداء من دعم ومؤازرة من جهة أخرى، وذلك طيلة السنوات الفائتة، وهو ما يجعلنا نتفهم الموقف العدائي لتنظيم الدولة تجاه الأمير الراحل ودولة الكويت.

خلاصة القول: تراقب الجماعات والتنظيمات الجهادية من كثب ما تعايشه دول الخليج في السنوات الأخيرة من تحولات سياسية ومجتمعية كبيرة، وتتأمل بقدر كبير حجم الجدالات والنقاشات التي تلتف حولها، خاصة أن قدرًا كبيرًا من هذه التحولات يوضع تحت لافتة التحديث والعصرانية، في حين دفع المتغير الأبرز المتمثل في “التطبيع” مع الدولة الإسرائيلية من بعض الدول الخليجية، بتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات وما شابه، إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات الأمنية والتدابير الاحترازية، من جراء المخاوف من أن تستثمر التنظيمات الجهادية هذه الأجواء لصالحها، وتسعى لمزيد من التعبئة والتجنيد في خضم فضاء متغير لم تتضح بعد ملامحه .

وانطلاقًا من ذلك، تمكننا الإشارة إلى أن تنظيمًا مثل داعش قد تجاوز مرحلة إعادة لملمة صفوفه، بعد خسارة مواطن نفوذه القديمة في الموصل والرقة، من خلال فتح جبهات جديدة، وخلق تمركزات جغرافية مغايرة في كل من وسط وغرب إفريقيا ودول الساحل، وهو يفسر لنا بقدر كبير الأسباب التي حالت دون معاودة استهداف التنظيم للخليج، لانشغاله خلال السنوات الفائتة بإعادة ترتيب بيته الداخلي، ما يجعلنا نتوخى الحذر من محاولاته إعادة طرقه أبواب الخليج مرة أخرى، عبر توظيف السياق القائم لصالحه، وقد يجدّ مع تنافسيته مع تنظيم القاعدة، لينطلقا مجددًا إلى مساحة أخرى من الصراع والنفوذ على أرض الخليج عمومًا والكويت خصوصًا.  

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search