زوايامختارات

الكِّشك.. ثقافة شعبية مخبوزة باللبن والقمح

 

في إحدى القرى النائية بمدينة إخناتون بالمنيا، كانت تسكن “الجدّة الرؤوم”. تحلّت عباءتها السوداء بالجمال، جمال تماهى مع سنابل شعرها الأحمر المموّج كشريان من النيل، يتراقص بين الوديان، كانت بوجهها الورديِّ وعينيها العسليتين أشبه بسمفونية رائقة منبعثة من ناي راعٍ يتجول في وادي القرية القابعة هناك في قلب صعيد مصر، وقبل أن تذهب لرحلتها الأخيرة بعيدًا عن دنيانا كنتُ قد وُلدت على يديها. الغريب أني كنت الابنة الوحيدة التي حملت كل خصالها وسماتها من بين جميع أحفادها؛ كان الرابط القوي الذي يجمع بيني وبينها ينعكس عليّ حتى في طريقة حديثي ومشيتي، كأني خيالها أو صورتها الصغيرة، تعلمت على يدها عادات وتقاليد وأعرافًا مختلفة وسلكويات لم أفهم من أين جاءت بها وكيف ظلت متمسكة بكل ما ورثته عن أسلافها لهذا اليوم؟!

عشت طفولتي كلها وأنا أتدلل على كفتيها، إن ذهبتْ إلى السوق أخذتني معها، وإن زارت أحد أقاربها تمسكتُ بيدها، وحتى عندما تمرض كانت تعلمني كيف أعالجها فإذا أصابتها الحمى أمرتني بملء كوب صغير من الماء وإضافة نصف ليمونة عليه لتشربه، ثم تنام والغطاء الثقيل يغطي جسدها بالكامل، لتستيقظ في اليوم التالي كأن شيئًا لم يكن. أشياء كثيرة كانت تفعلها والفضول يدفعني دائمًا للسؤال عن تلك الأفعال.

الجدة وصوامع الخزين

تميزت جدتي بمهارتها في حفظ الأطعمة التي تخزن حتى تعتمد عليها الأسرة طوال العام دون الحاجة إلى صناعتها مرة أخرى، فتصنع الصوامع من الطين اللبن لتخزن فيها القمح والذرة، حتى طرائق طهو الأطعمة نفسها لم تكن حديثة إطلاقًا فعمرها كان يعود لقرون عديدة. لقد علَّمت أمي أن تصنع من الطين موقدة فخارية تطهو عليها الطعام، وكانت تسميها “الكانون”. كنت أسأل نفسي مرارًا كيف تعلمت تلك الأشياء ومن أورثها لها؟ يبدو أن هناك سرًّا لم أكن أعرفه. أتذكر أنني عندما كنت أسألها عن ذلك كانت تخبرني أنها نقلت تلك الأشياء عن جدتها والأخيرة نقلتها أيضًا عن جدتها، لكن كيف لم يتغير هذا الإرث على الرغم من تغير العالم كله؟! كيف لحد اللحظة يحافظون على سلوكيات تعود أصولها لقديم الزمان؟

صوامع التخزين

لم يثبت في رأسي إلا طريقة طهو واحدة لطعام مصري أصيل اسمه “الكِشك”، هذا النوع من الطعام المصنوع من القمح الممزوج باللبن المالح، والذي لا ينتشر إلا في صعيد مصر، نقله بعض الأسر التي هاجرت من الصعيد إلى محافظات الأرياف بالوجه البحري، لكن قلما تجد أناسًا من الوجه البحريّ يحترفون صناعته، بيد أنه الطعام الرسمي في الصعيد لوجبة الإفطار، ورحلة تجهيزه وتصنيعه وتخزينه تأخذ نحو أكثر من شهر.

رحلة الكِّشك

بعد حصاد جدي لمحصول القمح، يوفر نصيبًا من الغلال ليس بالقليل بهدف صناعة مخزون الكشك. تبدأ الرحلة عندما يوضع القمح في أواني اتساعها يصل إلى 100 سنتيمتر لتفرز حبوب القمح من الشعير أو حبيبات الطمي اليابسة الصغيرة والغبار المتراكم عليها، ويعكف عليه أفراد الأسرة نحو أسبوع وأكثر من أجل فرزه فقط وتنظيفه، ثم يستعدون بعد ذلك لمرحلة جديدة وهي سلق القمح، أي وضعه في إناء من المعدن، ثم إشعال النيران تحته غليان الماء جيدًا، ثم يحضرون كمية كبيرة من القمح تزيد على 300 كيلوجرام، يعملون على غسلها عدة مرات متتالية، ثم يضعونها في إناء الماء المغلي هذا حتى يطيب القمح، وحينها يعطونه اسمًا جديدًا، معروفًا لغالبنا، وهو “البليلة”، وحينها يلتف أطفال القرية حول الإناء يصفقون ويهتفون ويغنون، ويكون كل طفل منهم قد أحضر طبقًا خاصًّا به لتعطيه جدتي حفنة من “البليلة” في الطبق.

مراحل تجهيز الكشك جاليري

بعد أن يوزَّع قسط من القمح المسلوق أو البليلة، هناك وفي جانب آخر يكون “القفّاص” قد صنع  مجموعة من الحصر التي يشغلها بأعواد من الأعشاب الخشنة التي تنبت على أطراف الترع والبحيرات الصغيرة، حتى يفرشوا القمح المسلوق على وجهها. ثم يوجهونه نحو الشمس، ويتركونه فترة حتى يجف تمامًا، لينتقل إلى مرحلة جديدة.

كان ذلك “القفاص” أحد جيران جدتي، تسند إليه بعض المهام التي تحتاج إليها عملية صناعة وتخزين الكشك، بدءًا من “الحصر” التي تفرش على وجهها الغلال، وحتى الأطباق التي ينقل في داخلها عجين الكشك. يعتمد في صناعته على النخيل، فهو المادة الخام التي يَصنع منها منتجاته المكونة من الأطباق والحصر والحبائل وغيرها. النخيل يمده بالألياف، والسعف، وحتى جريد النخيل كان يستخدمه.

تنهي الأسرة مرحلة تجفيف الغلال، بعدها تنظف جدتي القمح للمرة الثانية خشية أن يكون قد وقع عليه بعض الغبار أو شيء من القش أو فضلات حَمَام كان يحلق فوق البيت.

لأي سبب كانت حريصة على نظافته، ولأن عملية تخزينه هذه كانت تستمر لمدة عام فإن ذلك يجعلها أكثر حرصًا على نظافته. ثم تذهب به إلى المطحن لتهرسه، لأن الكمية كبيرة، وتحتاج إلى نحو ساعتين من الهرس تحت العجلة الدوّارة للمطحنة، التي كنت أحب التطلع إليها وقت الطحين.

مرحلة جديدة في رحلة صناعة الكشك تبدأ الآن. بعد أن تنهي جدتي عملية هرس القمح، تبدأ في تهويته لتجعل الحبيبات الخشنة تنفصل عن الحبيبات الناعمة. ونظرًا إلى عدم أهمية الحبيبات الناعمة، فإنها تجعلها طعامًا للماشية والطيور. ثم تستمر في مرحلة التهوية يومين أو أكثر، وتعتمد على انعكاس تيار الهواء لفصلها، حتى تتأكد من أن كل الحبات الخشنة أصبحت معزولة في ركن معين.

الأطفال واللبن الرايب

تُحضر الجدة “زِيرًا” من اللبن المالح شديد اللزوجة. تتأكد من أن اللبن مالح ويسميه أهل القرية “لبن حامض” في حين يسميه أهل الوجه البحري “لبن رايب”.  المهم هنا أن جدتي كانت حريصة على شراء اللبن من أسرة كأسرتها تهتم بالنظافة في المقام الأول، ولا تعتمد على الباعة المنفردين. تستغرق الأسر في صناعة هذا اللبن ما يزيد على شهرين أو 3 أشهر حتى يتشبع باللزوجة الكافية.

ترفض تمامًا أن يعبث الأطفال أمثالي في صناعة الكشك، لكنني كنت دائمة على مقربة منها، لعلها تطلب مني أن أساعدها في شيء فأشعر أنني قمت بأي عمل في صناعة هذا الكشك. لكنها كانت تأمر جميع بنات الأسرة الأطفال والكبار أن يضعن حجابًا على روؤسهن وقت التحضير، حتى لا ينساب شعر أي واحدة منهن ويسقط داخل اللبن، أو بين حبات القمح المطحونة.

بعدما تنتهي من مرحلة إحضار اللبن، تضعه الجدّة في صورة أجزاء متفرقة داخل أوانٍ من معدن الألمونيوم متسعة وعميقة، ثم تسكب عليه الماء وتضع القمح المطحون بعد السلق في قلب الإناء، وتضيف إليه الملح والماء وحفنة من عشب “الكمون” وتتأكد من أن اللبن قد غَطّى سطح القمح داخل الإناء، ثم تضع الحُصر فوق سطحه وعليها البطاطين الثقيلة لتدفئته، ويستمر هذا العمل طوال اليوم.

لم تفكر جدتي في أخذ رأي واحدة من الفتيات “بنات العائلة” لعدم اقتناعها برأيهن في شيء إذ تراهن مراهقات، حتى لو كن متزوجات ولديهن أطفال فهن أيضًا صغار في نظرها، وليس بوسعهن أن يتحملن مسؤولية عمل تعتمد عليه الأسرة كلها لمدة عام. كانت تجمع النسوة الكبيرات أمثالها من ذوات الشعر الأبيض، ليحضرن العملية قبل الأخيرة والخطيرة في صناعة الكشك، فإما كان بنصيحة إحداهن كشكًا طيبًا، وإما كان خبيثًا لا يطاق!

المرحلة الأخيرة

أنهت الجدة المرحلة الفارقة في عمر صناعة الكشك، لتبدأ مرحلة جديدة عندما تضع القمح الممزوج، باللبن وتُقيمه هرمًا فوق إحدى الحصر التي تشتريها من القفّاص، كانت تسميها “الحصيرة الحلف”. وتغطيه بما لا يقل عن 3 بطاطين، حتى تهيئ له جوًّا من الدفء الممتاز وتسلط عليه إضاءة ساخنة حتى تزيد من حدة التدفئة. وعندما تشرق الشمس تكون جدتي قد جمعت جملة من الرجال الأشداء في القرية لخلط العجين بكمية أخرى من اللبن كانت عزلتها عن البقية، ثم يخلط هؤلاء الرجال العجين تمامًا، ليكون أشد تماسكًا وأكثر رصانة، لتبدأ المرحلة الأخيرة في صناعة هذا الكشك.

حديث النسوة

تتجتمع النسوة في المساء في مجموعات دائرية كحلقات الصوفية في ليلة ذكر ونسانة، وتُعلَّق الأنوار في المنزل. إحداهن تشغل التلفاز ليسمعن الأغاني وهن يقطعن العجين، بين ضحكات ومزحات وغناء متواصل، تقوم واحدة أخرى تصنع عصير الكركديه الساخن، ثم يقضين الليل في لهو وبهجة وحكي لا ينقطع؛ والثرثرة النسائية عادة متأصلة عند جميع النساء.

وحدي كنت أنفرد بمشاهدة جميع الخطط. أنا أعرف تمامًا أنها تحبني كبقية حفيداتها وأحفادها، لكني حصلت على مكانة منفردة في قلبها ما جعلها تتكئ على كتفي في كل خطوة لتتابع المهام التي أسندتها إلى بقية أفراد الأسرة. كنتُ عكازها، ولهذه المكانة العظيمة انفردت وحدي بمعرفة سر هذا المخزون، الذي تنتهي مراحل صناعته بتقطيعه إلى قطع صغيرة ثم ينشر فوق “الحصر الحلف” على الأسطح ليستمر نحو 10 أيام متتالية معرضًا لأشعة الشمس المرتفعة.

يجف ويبس الكشك. تتأكد من أنه جف تمامًا بطرقه، فإذ كُسر يكون قد جف وآن وقت تخزينه، وإن حدث العكس ولم يكتمل جفافه تتركه بعض الوقت. بعد جفافه تضعه في الصوامع المصنوعة من الطين لتخزينه، وتضع تلك الصومعة فوق سطح المنزل لتتعرض يوميًّا لحرارة الشمس، فلا يتغير طعم الكشك ولا تتغير رائحته ويظل مذاقه واحدًا طيلة العام.

حواديت الكّشك

تنتظر جدتي الصيف من كل عام، الأوان المناسب لصناعة الكشك، وصناعة المخبوزات الأخرى ذات الأشكال المختلفة، والتي تختلف أيضًا في شكل تخزينها. كانت جدتي تضع حبات الحلبة المطحونة في عجين الخبز لتجففه بالحرارة حتى لا يصيبه التعفن ولا تأكله الحشرات، فيخرج ما يُسمى هناك بالـــ”بتّاو”. تضعه كمخزون سنوي في أسطوانة عريضة مصنوعة من الطين على غرار الصوامع اسمها “طُبّاعة”.

رحلت جدتي وتركتني. كثيرًا ما أشتاق إليها وأتذكر أحاديثها والقصص الخرافية التي دومًا ما كانت تحكيها لي، وكنت أظن أنها حكايات وقعت بالفعل: أبو رجل مسلوخة، والعنزات البيض والذئب، وقصص أخرى كنت أشعر معها بالشغف الشديد. حتى اليوم أحب الكشك من أجلها، وأسعد بتلك الأيام التي أسافر فيها إلى بلدتي، وأحتفي مع النسوة بصناعته، أتخيلها عندما كانت تقعد على مقربة منهن فتراقبهن وتشجعهن على الإنجاز، وأنظر هناك إلى زاوية بعيدة جدًّا في المنزل حيث أجدها قد استراحت من صنع “الكِشك” لتضع عن رأسها طَرحتها، وتفك جدائلها المصبوغة بالحناء وهي تنظر إليّ باسمةً، نظرة ود، كأنما نتذكر معًا خبز الأيام الخوالي.

 

شيماء اليوسف

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى