"اللا معقول" في الغرب

الأخطر من "كورونا"

يلتقي “فلاديمير” و”أسترجون” في مكان مقفر تتوسطه شجرة جرداء قرب طريق ريفي. يكشف الحوار بين الرجلين عن معرفة سابقة جمعتهما. يتناقشان في شتى الموضوعات، ليتبين أنهما جاءا إلى هذا المكان لمقابلة الشخص نفسه: “جودو”.
الحكاية كما سطرها “صمويل بيكيت” في مسرحيته “في انتظار جودو” تضم شخصيتين أخريين هما: “بوزو” وعبده “لاكي”.

يتقدم “بوزو” صاحب الأرض التي يجلس عليها “فلاديمير” و”أسترجون” وهو يسوق أمامه عبده “لاكي” نحو الرجلين أثناء انتظارهما “جودو” ويعرفهما بنفسه.
في سياق محادثة طويلة يصرح “بوزو” بأنه يعتمد على “لاكي” في كل شئون حياته، حتى أفكاره التي يتحدث بها تعلمها من عبده، وعندما يطلب “بوزو” من “لاكي” التحدث ليستمع له ضيفاه وهو يفكر، يندفع العبد في كلام كثير مفكك، جل عباراته مضطربة، ولا يُفهم منها إلا عبارة واحدة أن الإنسان “يضمر ويضمحل” (ذهب بعض النقاد فيما ذهبوا إلى أن “بوزو” يرمز إلى القوة بينما “لاكي” إلى العقل).

مشهد من مسرحية "في انتظار جودو"

يطلب الجميع من “لاكي” التوقف عن حديثه المزعج، لكن العبد يكرر كلامه مثل مسجل قديم أصابه عطب، فشلت كل المحاولات لإسكاته، إلى أن انتزع أحد المستمعين قبعة “لاكي” من فوق رأسه، عندها اشتبك الأربعة في عراك عنيف، أضاع فيه “بوزو” ساعته (رمزت حالة “لاكي” إلى انهيار العقل والفكر الغربي، ليفقد الزمن معناه وهو ما ألمح إليه فقدان “بوزو” لساعته، وفق قراءة بعض المتخصصين).

نكتشف بعدها أن “فلاديمير” و”أسترجون” لا يعرفان يقينًا إذا كان هذا هو المكان واليوم المحددين، وإذا ما كان “جودو” سيأتي فعلًا أم أن انتظارهما سيطول بلا فائدة. تنتهي المسرحية دون أن يدري أحد من هو “جودو” أصلًا، وإن كان هناك من خمّن أنه رمز للخلاص المنتظر!.

القصة انتمت إلى أدب “اللا معقول” الذي برز في خمسينيات القرن الماضي، في مقابل أدب المعقول، وفق تصنيف “كولن ويلسون”، وإلى النوع الأول تُنسب أيضًا المسرحية الشهيرة “نهر الجنون” لأديبنا “توفيق الحكيم”.

عالم الفيزياء البلجيكي إيليا بريغوجين

الأدب في الغرب بصرف النظر عن تصنيفه دائمًا ما كان موصولًا بالعلم والفلسفة والفن والواقع، في صورة قريبة الشبه بنظرية الأواني المستطرقة، ما إن تسري فكرة في آنية حتى تمتد إلى الأخريات، فإذا اكتُشفت نظرية كبرى في الفيزياء مثلًا ستبصر صداها يتردد في الفلسفة ويتشكل في الأدب، وإذا أتى فيلسوف كبير برؤية ملهمة تجد انعكاسها في النظريات العلمية، وتلمح آثارها في المذاهب الفنية. هي دائرة تأطرت فيها المعارف بالغرب منذ عصر النهضة.

ولدى تسرب “اللا معقول” إلى آنية الأدب في منتصف الخمسينيات انتقل بعدها إلى آنية العلم في نهاية السبعينيات، مع ظهور مُؤَلَّف لعالم الفيزياء البلجيكي “إيليا بريغوجين” قدم فيه القاعدة العلمية لمفهوم العبثية الذي روج له أدب اللا معقول.
الكتاب حمل عنوان “الحلف الجديد”، وضم بين دفتيه الأسس الأبستمولوجية لعقلنة “اللا معقول”، رافضًا حصر الظواهر البعيدة عن الاعتيادية والتوازن والنظام في نطاق الهامش.

صورة توضيحية لنظرية الفوضى أو العتم

رأى “بريغوجين” خللًا كبيرًا في النمط الكلاسيكي للعلم، إثر اقتصار اهتمامه على دراسة الظواهر النظامية المتوازنة، لتُقصي المنظومة التقليدية للعلم حالات “الشذوذ” وعدم الانتظام أو الفوضوية إلى الهامش.

وربما سبق عالم الأرصاد “إدوارد لورنز” “بريغوجين” إلى رد الاعتبار للفوضى، من خلال أبحاثه حول المناخ (1961)، التي أثمرت نتائجها النظرية المعروفة باسم “العتم”، تلخصها العبارة الشهيرة أن “رفرفة جناح فراشة في البرازيل قد ينجم عنها إعصار في الولايات المتحدة”. وبذلك نفى “لورنز” أي إمكانية أو أفكار ظلت تراود الإنسان بشأن قدرته على التنبؤ والتحكم في الطبيعة بناءً على تصور يحكمه الانتظام والاطراد والتوازن.

تقدم “بريغوجين” بعدها ليُقر بأن ظواهر نظر لها العالم على أنها استثنائية و”شاذة” وهامشية، أضحت هي القاعدة والطبيعية والأصيلة، لتتبدى في كافة المجالات العلمية.
استهدف عالم الفيزياء البلجيكي بذلك العقلانية التقليدية التي قالت بالتماهي بين العقل والنظام والتوازن من ناحية وبين الاعتيادية واللا مفاجأة من ناحية أخرى، لتزيح تلك العقلانية كافة الظواهر الخارجة عن الإطار النظامي والمتوازن إلى ساحة “اللا معقول”.

ألبير كامو وسيوران

إذا كان تيار “اللا معقول” امتد إلى العلم مع “بريغوجين” حتى أمسى أقرب إلى “المعقول”، وسرى في الأدب كما في الفلسفة مع أسماء شهيرة، مثل: “ألبير كامو” و”سيوران”؛ فإن العقل الغربي حصن المجال السياسي (الواقع) بالديمقراطية من أي تغيير قد يعصف بقاعدة استقراره وبوليصة تأمينه، لهذا اقتصر انتشار “اللا معقول” على المجتمعات المحكومة من خلال أنظمة شمولية.

شجعت تلك الأنظمة “اللا معقول” على التمدد في فضائها السياسي (وبالتبعية الاجتماعي والاقتصادي) بحجبها المعنى وتغييبها كل قيمة، مشككة عبر سياساتها في منظومة العقل و”نظام” الأشياء، يدعمها المواطن الذي اتهمته “حنة آرندت” بأنه “لم يعد يفرق بين الواقع والوهم، ولا بين الصواب والخطأ..”، لتتسع بذلك مساحة الفوضى (الاستثناء، عدم الانتظام، العشوائية)، حيث لا اختلاف بين شيء وآخر: الحقيقة والزيف، الصدق والكذب.. تصبح جميع الخطابات مقبولة، وكل الدعاوى صحيحة، وحينها يفقد الواقع واقعيته، بل إنسانيته، ويُنزع عنه أي غطاء أخلاقي.

دونالد ترامب وبوريس جونسون

وبينما بدت المجتمعات الغربية بديمقراطيتها محصنة ضد طغيان الفوضى والعشوائية في مجالها السياسي، فوجئ الجميع بتحصيناتها تتداعى في السنوات الأخيرة، بعد صعود اليمين الشعبوي والمتطرف في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والمجر، ووصول شخصيات مثل “دونالد ترامب” و”بوريس جونسون” إلى سدة السلطة في بلديهما.

ومع الأزمة الراهنة التي يعيشها العالم بسبب “كورونا”، برزت العشوائية وافتقار الحس الإنساني في تصريحات وتعامل الرجلين مع الجائحة. كانت كاشفة لما تمثله موجة اليمين المتطرف والشعبوي من تهديد، خاصة مع “ترامب” الممثل الأبرز لذروة اللحظة اللا عقلانية تلك.
روج الرئيس الأمريكي لخطاب “لا معقول” حمل معاني الفوضى والعشوائية و”الشذوذ”، واختلطت فيه الحقيقة بالوهم والصدق بالكذب، لينتعش التحجر والتعصب والعنصرية واللا منطق، ويبشر مثل هذا الخطاب (كما تنبأ “بيكيت” في مسرحيته) بانهيار العقل الغربي و”إعدام التاريخ”.

أثرى “اللا معقول” الأدب، كما أوجد عوالم جديدة في العلم لاستكشافها، وحرض -في الفلسفة- على غزو آفاق مستحدثة للتفكر، لكن في السياسة، قاعدة الارتكاز، مثّل الغرب باستقرار ديمقراطيته ومنظومته القيمية عقل العالم ونظامه المطرد وبوصلته الإنسانية، ولم يغادر تيار “اللا عقلانية” -ممثلًا في اليمين المتطرف والشعبوي- لعقود مضت حيز الهامش، لهذا فالأخطر من فيروس كورونا على الغرب والعالم ليس الأزمة الاقتصادية ولا تفكك الاتحاد الأوروبي، لكن مُضيّ هذا التيار في الصعود، لتتسع مساحة اللا معقول أو “الشذوذ” أو الهامش فتطغى على المركز، وفي هذا تهديد للإنسانية هو الأفدح، بينما جائحة “كورونا” ربما ليست إلا الإنذار الأخير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب وصحافي مصري

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram