زوايامختارات

اللهم هجرة!.. تغريبة “بني رشيد” إلى برّ العجم

 

في زمنٍ ما مُختلفٌ عليه، ما بين (1864- 1876)، حزمت مفارز قبلية صغيرة من بدو شبه الجزيرة العربية أمتعتها القليلة، وأعدت نوقها العِجاف وأغنامها الهزيلة ووضعتها على متون قوارب (سنابك) صغيرة متهالكة، وقررت المغامرة في البحر الأحمر، متوجهة صوب الغرب، حيثُ مراعي بلاد السودان والعُجمان، الخضراء الشاسعة التي تخترقها الأنهار والوديان وتنفتح عليها السماء بمطرٍ وفير.

سبع سنوات متتالية، ضرب الجفاف بلاد نجد والحجاز في منتصف القرن التاسع عشر، وأجبر كثيرا من قاطنيها البدو، بعد أن فقدوا ثروتهم الحيوانية، فانهارت أسباب وجودهم، إلى النزوح إلى أماكن شتى، إلا أن أكبر هجراتهم وأشهرها كانت تغريبة (بني رشيد) إلى السودان وإريتريا.

رشيدية تطبخ أمام خيمتها

سرديات متعددة

من الحجاز ونجد، بعد أن أجدبت سبع سنوات، لم تشهد خلالها تلك الصحاري مطراً أو سيلا، فهلكت الغنم والإبل، وهزل الناس وضعفوا، غادر بعض من حافظ منهم على قوّتِه ولياقتِه إلى ميناء جِدة، طالباً جود البحر الأحمر وكرمه، إلاّ أن بدو بني رشيد قرروا الذهاب إثر السحاب بعيداً في تغريبتهم الشهيرة.

شهدت مدن سواكن وقرورة (السودان) ومصوع (إريتريا)، أولى هجرات الرشايدة، وفيما بعد هبط فريق منهم جنوب مصر، واستقرت مُنذ ذاك الوقت ثلاثة أطياف منهم (الزليمات، البراعصة، البراطيخ) على السودانية الإريترية، والمصرية السودانية، شبه معزولين عن المجتمعات القديمة التي نزلوا ديارها، إلا من بعض تعاملات في تجارة وكسب، وبعض احتكاكات في المرعى والأرض.

تتنوع روايات تغريبة الرشايدة حد التناقض، ليس في تاريخ هجرتهم فحسب، بل حتى في أصولهم وجذورهم، إلا أن الأرجح أنهم من الحجاز، ما بين مكة المكرمة وجدة، في منطقة (رابغ)، وبعض ما خلدته أشعارهم الدارجة يدعم هذا الزعم ويعضّده، فالشاعرة الرشيدية حين تحن إلى أبيها، تكتب:

 يا راكباً اللي من الرِّتْقة سُرى يوم التراحيب
والعصر ملاّ على (رابغ) القلعة يخشروني
على طلوع القمر هبّت عليه أزيب تناكيب
واللي حدا بَرّهم يسمع؛ نباهم يسمرون
والصبح إلى جبل حسّان من تحت التضاريب

 

أهل القبيلة

الهجرة إلى بر العجم

ويُرجِّح البروفيسور يوسف فضل، المدير السابق لمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم، في بعض بحوثه حول الرشايدة “أن العامل الحاسم في هجرتهم غرباً كانت سنوات الشدة والجدب”، ويقول القاضي على عبيد بن حيّان من أعيان الرشايدة البراعصة: “أتى قومنا من بلدهم الحجاز ومن نجد إلى مصوع وقروره وجنوب مصر”، ويؤكد أحمد بن صويلح بن الشيخ عبدالله، من أعيان الرشايدة الزنيمات أنه قد “اتجه أسلافنا إلى جدة وأرسلوا رائدهم عطية بن رشيد إلى بلدتى عقيق وطوكر في السودان للاستكشاف، فعاد إليهم بالبشرى بجودة المرعى ووفرة الصيد فرحلوا إليها”.

وقد سمع حامد بن محمد بن مشحي، من أعيان الرشايدة البراعصة من أسلافه، أن بني رشيد كانوا أغنياء الحجاز، ومنذ زمن قديم كانوا ينتجعون إلى بلاد السودان والحبشة، لكنهم لم يفكروا بالاستقرار فيهما، إلى أن حل عليهم الجدب والمحل، فكانت تغريبتهم الكبرى والأخيرة.

شريف مكة

سردّية أخرى تجد رواجاً كبيراً بين عموم بني رشيد المهاجرين إلى “بر العجم”، كما يطلقون على الساحل الإفريقي الغربي من البحر الأحمر، وهي أنّ خلافاً نشأ بينهم وشريف مكة (عون باشا) إبان العهد العُثماني استمر لسبع سنوات دار خلالها قتال عنيف بين الطرفين، فكانت التغريبة إلى بلاد السودان والحبشة (إريتريا)، ووثق لتلك الأحداث شاعر رشيدي مجهول ممن هاجروا إلى السودان، بقوله: ” شريف ما نعرف شريف/ ما نعرف إلاّ ربنا/ نعبئ له الملح النظيف والدرجة اللي صبنا/ والسيف أبو حد رهيف حتى نصفي حقنا”.

ديكورات خيمة العروس الرشيدية

المسافة الحذرة

تباين السرديّات حول التغريبة الرشيدية، لم يعد مهما الآن، فقد أصبحت محض (حواديت) تاريخية يرويها (حكواتية) القبيلة للتسلية في ليالي البوادي الموحشة، وفصول الرحيل رفقة المسافرين بحثاً عن المراعي الجيّدة والغيوم الممطرة، ما عدا ذلك لا يزال رشايدة السودان، بعد مضي نحو مائتي عام من حلولهم إفريقيا، يعيشون في حذر بين سكان البلاد الأصليين، لا يحتكون بهم إلا لضرورة، ولا يرسلون أبناءهم إلى المدارس إلا في نطاقٍ ضيِّق، فالمدارس تضطرهم إلى الاحتكاك بالحكومة، ولا جهة في عرفهم قادرة على مصادرة حريتهم وانتهاكها مثل الحكومة، وعليه فإنهم ينفضون أيديهم وأقدامهم عنها، ولا يتعاملون معها إلا استثناءً واضطراراً، أما السكان المحليون حولهم، فغرباء عنهم في العرق والثقافة والتقاليد والملامح، لذلك وجب البُعد والمسافة الحذرة.

في باديتهم بشرق السودان، يضربون أوتاد خيامهم في قرى متنقلة وأخرى مستقرة، يمتلكون قطعانا كبيرة من الإبل والأغنام، وأرتالا من سيارات الدفع الرباعي، صادرتها منهم حكومة عمر البشير، بحجة أنهم يستخدمونها في تهريب البضائع والسلاح والبشر، وعوضتهم أخرى عاديّة السرعة، حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من ملاحقتها إذا ما توفرت معلومات بأنها تنشط خارج القانون.

والقانون في عرف الرشايدة محض نصوص بغيضة تستقوى بها الحكومات لإخضاع الإنسان الحر لمشيئتها، وما تغريبتهم إلى بلاد (العُجمان) إلا في طلب الحريّة، فكيف يستجيبون لمن يجبرهم على الخضوع لسلطة ما، وإن كانت ما يُسمى بحكومة، وما الحكومة؟

النوق العصافير

هنا، ينثرون خيامهم، ينظرون إلى قطعانهم بفخرٍ شديد، فللإبل عندهم مكانة سامية، قد تفوق مكانة البشر في أحايين كثيرة، وهذا ما يُبرر احتفاظهم بسلالات قديمة منها، يظنها البعض انقرضت، مثل النوق العصافير.

ورغم حياتهم الموسومة بالرحيل والمغامرات، فإنهم ما إنْ ينصبوا خيامهم لأخذ قسط من الراحة لهم ولإبلهم، حتى يعودوا أكثر تسامحاً وأقل صخباً، يرقصون (العرضة) بالسيف بمهارة شديدة، ويغنون أزجالهم ومواويلهم في الهواء الطلق، وينشدون أشعارهم بمحكيتهم المختلفة عن المحكية العربية السائدة في البلاد، كأنهم لم يغادروا الحجاز ونجد، ويولمون الثريد والأرز والتمر، ويشربون حليب النياق بشغفٍ، ويصطفون لمشاهدة سباق الجِمال (الهِجن)، ويراهنون على الفائز بأموال كثيرة.

“مستورة ومنصورة”، أقدم وأكبر وأهم بلدتين مستقرتين للرشايدة في محيط مدينة كسلا، المتاخمة للحدود الإريترية بشرق السودان، ومنهما تتناسل العديد من القرى على طول الطريق الواصل بين مدينتي كسلا والقضارف (شرق السودان) ، وأهمها: أبو طلحة، درهمشاى، أدرهيش، المصيرية، الدية، بن مطير، أبو عشر، الصالحية، البركاتية، الراشدانية، العجبنية، نُزلة العمدة، أم عشوش، أبو ريّا، الكبيربات، الهجليجية، الكعكية، النافعية، الذلقانية، النجيشية، أبو دهان، وغيرها، ويمتهن سكانها، كعادة الرشايدة، رعي الإبل والماعز والتجارة بين السودان والسعودية ودول الخليج وإفريقيا ومصر.

العناية بالإبل لدى الرشايدة

أزياء قطفانية وحجازية

يظنّ البعض أنْ لا دور للنساء الرشيديات إلا في نطاقٍ محدود لا يتجاوز الأعباء المنزلية والعائلية، خاصة عندما يشاهدونهن بزيّهن البدوي القطفاني الطويل المرزكش، ونقابهن المشتق من نفس لون القماش، فلا تظهر منهن إلا العيون، لكنهن في الواقع يشاركن الرجال الكثير من الأعمال الشاقة التي تفرضها البيئة البدوية، كما في التجارة والحرب والرقص والغناء.

أما الرجال، فلم ترق لهم (الجلابية) السودانية التقليدية، رغم أنها لا تختلف كثيراً عن (التوب) العربي في الحجاز ونجد، لذلك فإنّهم، رغم مرور زهاء قرنين من تغريبتهم إلى السودان، لا يزالون يفضلون الثوب الحجازي والعقال الُمقصّب، أما شبابهم فيميلون إلى السروال والصديري الحجازيين، والعمامة البرميسية والحمدانية الملونتين، يلفونها حول رؤوسهم بعناية شديدة دليلاً على الأناقة والذوق والوسامة.

الزواج بقطع السِباقْ ورفعة البيت

عندما يريد الشاب الرشيدي الزواج، تجتمع أسرته بأسرة شريكته على (خيمة) حوار، بشأن السباق (المهر)، الذي كان يُدفع من الإبل في السابق، أما الآن فقد صار الدفع نقدّاً، بما يغطي المطلوبات من مصاغ ذهبية، ومفارش لخيمة الزواج وبخور وعطور والحلوى والتمر والذبائح ولوازمها.

وما إن يتفق الجانبان، حتى يخرج ممثل للطرفين ليبلغ النساء بالموعد المقطوع للقِرانْ، فتنطلق (القطاريظ) أي الزغاريد، وتعم الباديّة.

في مرحلة ما قبل الزواج، تجهز النساء كبيرات السن، من ذوات الخبرة، خيمة العروس، فيضعن أعلى عمود الخيمة الأمامي (مرايا) للتسريحة، مزينة بريش النعام الذي يرمز للفرح لدى الرشايدة، كما تؤطر بخرقة حمراء أو غصن أخضر أو سعف نخيل، وما إن يُكملن مهمتهن في تجهيز الخيمة، حتى يذبح لهن العريس معزة مختارة بعناية، لا عيب فيها ولا خدش، لا طاعنة في السن ولا صغيرة، وتسمى بكرامة (رفعة البيت).

رقصة نسائية

صباح اليوم الأول للزواج، تنحر الإبل وتذبح الأغنام، ويحضر المدعوون، ولا يفارقون حتى يولموا ثلاثاً (إفطار وغداء وعشاء) في اليوم الأول، واثنين ( إفطار وغداء) في اليوم الثاني، ويشهدون بين الوجبات سباقاً للهجن، ورقصتي (الرايِّحْ والمُزيّن)، والمبارزات الشعرية (القيفان) التي تُشرك فيها النساء أيضاً.

ولربما تحدث خلافات بين الزوجين، حينها، فإن على الزوجة المغادرة فوراً دون ضجيج إلى خيمة أبيها، وعلى الزوج اللحاق بها دونما تقاعس أو تأخير، فينعقد اجتماع بين الأسرتين، يتم خلال الاستماع إلى روايتيهما على قدم المساواة، فإذا توصل المجلس إلى أن الزوجة مخطئة، فإنها توبخ وتؤمر بالعودة رفقة زوجها، وإذا حدث العكس فالعقاب وخيم، إذ إن على الزوج أن يعترف بخطئه ويعتذر عنه أمام الجميع، ويقدّم بعد ذلك مبلغاً مالياً يحدده المجلس تبعاً لحجم الخطأ المقترف، يُسمى (المِخلاص). وعندما تضع الزوجة مولوداً ذكراً فإن على زوجها أن يختار اسمه ويذبح خروفين في عقيقته، أما إذا كان المولود أنثى فخروف واحد، ويوكل أمر اختيار الاسم إلى النساء، فللذكر عند الرشايدة “مثل حظ الأنثيين” حتى في العقيقة، وفي مجمل الحياة القادمة.

 

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى