سياسة

اللوبي بديلا للتنظيم.. كيانات إخوانية جديدة لتحسين صورة الجماعة

منذ الإطاحة الشعبية بحكم جماعة الإخوان في مصر منتصف 2013، بدأ انهيار التنظيم بشكل كبير بالقبض على قيادات مكتب الإرشاد، واشتعال الصراع بين محمود حسين، أمين عام الجماعة، وإبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد، عقب القبض على محمود عزت، وهو صراع لم يتوقف حتى الآن، فضلا عن انصراف الشباب عن القيادات بعد فشلهم في الإدارة خلال السنوات الماضية.

بدأ الانشطار الكبير مطلع 2016 بعد وفاة محمد كمال، القيادي بالجماعة، الذي كان يدير اللجنة الإدارية منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة 2013، وسعى أنصاره لتأسيس تيار جديد، وأسسوا مكتبا للإرشاد ومجلسا للشورى ومؤسسات موازية لمؤسسات الجماعة، وبدؤوا إصدار البيانات باسم الجماعة، ومع إحكام محمود عزت سيطرته على الجماعة ومن خلفه إبراهيم منير ومحمود حسين واستحواذهم على مواردها، بدأت تلك المجموعة في تأسيس تيار داخل الجماعة أطلقوا عليه اسم “تيار التغيير”.

إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان

تنظيم متهالك

خلال العامين الماضيين زاد يقين شباب الإخوان وبعض رموز الصف الثاني أن التنظيم صار متهالكا، ولم يعد صالحا للحياة والاستمرار بهذا الشكل، وهو ما دفعهم للعمل خارج التنظيم، بعيدا عن سيطرة القيادات التاريخية وإيذائهم المباشر لمن يحاول الخروج عن سيطرتهم.

بدأ هذا اليقين يترسخ من خلال تنظيرات المهتمين بتطور حركة الجماعة عبر التاريخ، ومن بينهم محمد إلهامي، أحد الموالين للجماعة، والذي خرج بنظرية أن تنظيم الإخوان لا يمكنه الاستمرار بحكم عجلة التاريخ، لأنه لم يسبق لأي جماعة في التاريخ تحقيق أهدافها بعد الجيل الثاني، وأنه بعد القضاء على حكم الجماعة فلن تعود للكرسي مرة أخرى، وكذلك تنامي الشعور بين شباب الجماعة بفشل القيادات التي لم تتمتع بأي خبرة سياسية، وأن الملاذ لنجاة الجماعة هو فصل الملف الدعوي عن العمل السياسي، وتقييد قيادات الجماعة الحالية عن أي فعل سياسي لأن تحركاتهم السابقة اتسمت بالسذاجة وأودت بمستقبل الجماعة.

هذه النظرية لاقت رواجا داخل الجماعة، وهو ما دفع البعض للحديث عن تأسيس جديد للجماعة يفصل ما بين الدعوي والسياسي ويعمل لخدمة فكرة الجماعة وأهدافها دون الالتزام بالإطار المؤسسي للتنظيم الذي تسيطر عليه قيادات تجاوزت السبعين عاما من العمر، ولا تعمل لتحريك أي ملف لصالح أعضاء الجماعة، ولكنها تحافظ على الوضع الحالي الذي يضمن إحكام السيطرة على التنظيم.

مظاهرة ضد الإخوان

حاولت مجموعة من قيادات الصف الثاني، على رأسهم وزراء حكومة الإخوان، عمرو دراج، وزير التعاون الدولي في حكومة هشام قنديل، ووزير الاستثمار يحي حامد، والداعية عصام تليمة، مدير مكتب القرضاوي السابق، وبعض قيادات مجلس شورى الجماعة مثل علي بطيخ، وأشرف عبدالغفار، تدشين ما عرف بالتأسيس الثالث للجماعة، من أجل إعادة إحياء التنظيم وإبعاد القيادات التاريخية التي توقفت عندها عجلة التاريخ عند السيطرة على التنظيم، ولكن ذلك توقف مع اشتداد الصراع على القيادة، والذي هزم فيه هذا التيار وتم إقصاء رموزه عن أي مناصب فاعلة داخل التنظيم.

وبالتالي عمدت تلك المجموعة المسماة “تيار التغيير” إلى العمل بشكل أكثر استقلالية وبخط مواز مع التنظيم، بحيث تحقق ما تريده من فكرها الجديد، و تجذب عددا أكبر من شباب الجماعة لخطتها تمهيدا لقيادة تغيير داخل التنظيم، من خلال توسيع قواعدها، واجتذاب مناصرين جدد لها، والغريب أن هذا التوجه لاقى قبولا من قيادات التنظيم، وتدريجيا بدؤوا التصالح الحذر مع هذا التيار، لأنه سيبعدهم عن منازعتهم في المناصب القيادية.

بدأت تلك الأفكار بمبادرات فردية منذ 2015، بعد تدفق شباب الإخوان على تركيا، وتمركز القيادات هناك عقب إغلاق قطر الطريق عليهم وفق تفاهمات خليجية ترتب عليها إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر، ورحيل قيادات الصف الأول عنها، سرعان ما توسعت تلك الخطوات وبدا أنها ربما تحصل على رضا من قيادات الجماعة أنفسهم، والهدف الرئيسي منها هو إحداث تغيير تدريجي عن طريق اجتذاب عناصر جديدة للجماعة موالية لها ومدافعة عنها دون اشتراط الانغماس داخل التنظيم، أو حضور اجتماعات التربية والأسر الخاصة به، وهم ما يطلق عليهم “المحبّون” الذين سيكونون واجهة أي تحرك مستقبلي وجماعة ضغط لا تظهر تبعيتها المباشرة للإخوان.

كيانات جديدة

انصب تركيز قيادات التوجه الجديد لصناعة لوبي الإخوان على تأسيس كيانات لا تحمل اسم الجماعة وتنفذ رؤيتها في ذات الوقت ولا تتعارض مع الخط العام لها، وهو ما قامت به مجموعة منهم في مجالات متعددة.

ففي المجال الحقوقي، وفي الوقت الذي دعمت فيه الجماعة مؤسسة حقوقية تدعى “الكرامة” تنطلق من مقر التنظيم الدولي في بريطانيا، قاد أشرف عبدالغفار، عضو مجلس الشورى، والمنتمي لتيار التغيير في الجماعة، وهو أول قيادات الإخوان رحيلا لتركيا منذ التسعينيات، تأسيس جمعية حقوقية تدعى “إنسانية” برزت في 2015، تقوم بعمل تقارير دورية عن وضع حقوق الإنسان في مصر وفق رؤية الإخوان وإرسالها للمنظمات والبرلمانات وصناع القرار في دول مختلفة من العالم.

لم يتوقف نشاط الكيانات الجديدة على التأثير في الجانب الحقوقي لصالح الجماعة، ولكن بدأ تأسيس كيانات أخرى علمية وسياسية، شملت مركزا للدراسات، حمل اسم المعهد المصري يترأسه عصام عبد الشافي في 2016، وجامعة تدرس عددا من العلوم الإنسانية والشرعية والإعلام في ذات العام تسمى الجامعة العالمية للتجديد، وحصلت على اعتماد من إحدى الجامعات الماليزية منذ عامين، ويرأسها جمال عبد الستار، وتستقطب عددا من العرب في تركيا وأوروبا عن طريق الحضور لمقرها في إسطنبول أو الدراسة عن بعد، وكذلك منصة باسم “جامعتي” تسهل الحصول على الشهادات العلمية من عدد من الجامعات التركية والماليزية.

وسعت تلك المجموعة لتأسيس عدد من المؤسسات دون أن تعلن عن تبعيتها للإخوان أو من يقف وراءها، وكان من بين تلك المؤسسات أكاديمية حملت اسم أكاديمية “تواصل” في 2018، يرتكز عملها على منح دبلومات في العلوم الشرعية، وتأسيس دعاة على فكر الجماعة، ويديرها الدكتور حاتم عبدالعظيم، ومجدي شلش، وتعرف نفسها باعتبارها أكاديمية شرعية تقدم العلوم الدينية من مصادرها الأصلية، وتهدف لبناء وعي المسلم المعاصر، وتعتبر تلك الأكاديمية الواجهة الدينية الحالية للجماعة بعد تراجع الدور الدعوي للجماعة، وانضم لها عدد من الرموز الدينية للجماعة، من بينهم وصفي أبوزيد، وتسعى لنشر الفكر الديني للجماعة، واجتذاب موالين لأفكارها من خارج التنظيم.

ولم يفت الجماعة تأسيس كيان جديد يداعب خيال الشباب في الرغبة لأن يكونوا قادة في مجالات مختلفة، وقامت بتأسيس ما يشبه مركزا لإعداد القادة، لا يظهر من يقف وراءه، ويهدف لتأسيس جيل جديد على فكر الجماعة واجتذاب عناصر من خارجها في المحيط العربي، ويقدم دبلومات تحمل عناوين تجتذب الشباب العربي، مثل دبلومات إعداد القادة في مجالات متعددة، وكذلك تقديم الدورات والكورسات في مجالات الفن والسينما والأدب، وحمل هذا الكيان اسم “رواق إسطنبول” مطلع 2018.

“رواق إسطنبول” أحد الكيانات المحسوبة على الإخوان

ومع أزمة كورونا، أطلق بعض شباب الجماعة مبادرة حملت اسم “الشعب أقوى”، تهدف لاستغلال جائحة كورونا في محاولة كسب مؤيدين جدد للجماعة من المصريين، وأعلنت تلك المبادرة عن تقديم مساعدات طبية لمرضى كورونا عبر البريد الدولي وعن طريق مؤسسات دولية، ودشنت منصة لتقديم النصائح للتعامل مع كورونا، بالإضافة إلى طرح أفكار لمشروعات صغيرة من المنزل تناسب من فقدوا وظائفهم بسبب فيروس كورونا، واستغلت وجود أعداد كبيرة من الأطباء المنتمين للجماعة للعمل في تلك المبادرة بشكل غير رسمي، لمحاولة استعادة ثقة المصريين، وإعادة رسم صورة جيدة للجماعة بشكل غير مباشر، ليس باسم الجماعة كما كان سابقا، ولكن عن طريق جمعيات وكيانات تنتمي فعليا لها، ولا تعلن هذا الانتماء.

كل هذه الخطوات اتخذتها الجماعة بدعم من قيادتها التنظيمية لتحقيق أهداف عدة، فمن ناحية تفرغ طاقة الشباب في مسارات بعيدة عن التنظيم، فلا يبرز من ينازع القيادات التاريخية عندما ينشغل هؤلاء الشباب بتلك المبادرات والكيانات، وكذلك رغبة في اجتذاب أنصار جدد للجماعة يمثلون انطلاقة لها في ترتيب أي حراك جديد في مصر لا تتوقف الجماعة عن التخطيط له، بحيث يكون متصدرو هذا الحراك هم الشباب الذين تم دعمهم من الجماعة ولديهم ولاء فكري لها، ويبدو أمام الخارج بأن هذا الحراك هو حراك مدني شبابي شعبي، وليس إخوانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى