المالوف التونسي

وصلة موسيقية من قرطبة للقيروان

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

بعد سقوط بلدهم في أيدي قشتالة، انطلق الأندلسيون في رحلة قسرية إلى بلدان المغرب العربي يساورهم الخوف والقلق بشأن مصيرهم وقدرتهم على التأقلم مع هذه المجتمعات الجديدة، لكن سرعان ما استقروا ووطأ لهم ما حملوه من هدايا شملت مختلف أنواع الآداب والفنون، ومن بينها فن المالوف، الذي ملك القلوب واستقطب أهل المغرب العربي، لتصبح تلك الموسيقى الأندلسية هي الموروث الغنائي الرسمي للبلاد.

في تعريف المالوف يقول الباحث التونسي فتحي العابد بأنه موورث غنائي ورثته بلدان الشمال الإفريقي عن الأندلس، وتتكون مادته النظمية من الشعر والموشحات والأزجال والدوبيت مع إضافات لحنية أو نظمية محلية إلى جانب ما استعاره المغاربة من نصوص وألحان مشرقية.

ولدى الحديث عن المالوف التونسي، أو المغاربي بصفة عامة، يذهب أغلب المؤرخين إلى القول بأنه نتاج الهجرة الموريسكية، لتنشرها فرق منظمة، لكن الأستاذة الجامعية بالمعهد الوطني التونسي للموسيقى الدكتورة سلوى حفيظ تقول إن البداية كانت من خلال الحرفيين والفلاحين الموريسكيين بعد استقرارهم في المغرب، حيث دأبوا على الغناء أثناء نشاطاتهم اليومية.

بعدها أمسى كل فضاء عام بتونس سواء كان ساحات أو دكاكين أو أسواق أو حمامات أو غيره مساحات مؤهلة لتكون مكانا للغناء والرقص، ومن خلال المالوف نظم المورسكيون نصوصا عبرت عن حالة الحزن على فقدان ديارهم وضياع أراضيهم وحنينهم إليها، وبثوا في قصائد المالوف كذلك مشاعر القلق من بلد جديد استقروا بها وتشككوا إذا كان سيحتويهم أم يردهم إلى هجرة أخرى، كما نشروا نصوصا قديمة عبرت عن الفرح والبهجة التي ألفوها قبل تهجيرهم، وهو يفسر وجود وجهان للمالوف أحدهما حزين قاتم وآخر مشحون بالبهجة.

هكذا انتشرت تلك الموسيقى، خاصة بين الحرفيين، فتعلموها واتقنوها حتى بات يقال، وإلى اليوم، هذا دكان الفنان “فلان” لإجادته للغناء والموسيقى بدل الإشارة لحرفته الأصلية.

وشاع قديما ترديد مقولة “الدرس بريال والصنعة بـ100 ريال”، والدرس هنا إشارة للموسيقى والغناء التي تحولت إلى رديف للصنعة، وبهذا لم ينقل المورسكيون أصحاب الحرف للمستخدمين التونسيين لديهم مهنا جديدة فحسب، بل أورثوهم موسيقى دخلت تدريجيا إلى النسيج اليومي حياتهم.

المالوف حديثًا

ويقسم المالوف إلى قسمين، الأول دنيوي يتغنى بالطبيعة وجمال المرأة والحب والفراق، والآخر ديني يتصل بالمدائح الصوفية، بينما تتكون نوبة المالوف (اللحن) من عدة أجزاء:
الاستفتاح: وهو لحن غير خاضع لإيقاع معين، يبنى على المقام الأساسي للنوبة، ويدخل المنشدين في جو المقام وسلطنته..

المصدّر: وهو مقدمة موسيقية تشبه في هيكلتها البشرف أو السماعي التركي.
الأبيات: تنشد في إيقاع بطيء يسمى بطايحي ويسبقها مقدمة موسيقية قصيرة.
البطايحي: وهي أبيات ملحنة في إيقاع البطايحي، ويسبقها مقدمة موسيقية قصيرة في إيقاع سريع يسمى برول، ثم بطيء بطايحي.
التوشية: وهي معزوفة تؤدى في مقام النوبة التالية حسب الترتيب التقليدي.
البراول: وهي مقطوعة غنائية استمدت من الإيقاع الذي بنيت عليه، يكون آخرها سريعا، ويختم به الجزء الأول من النوبة، ثم يبدأ الجزء الثاني من النوبة، وعناصره الدرج: وهو زجل ملحّن، والخفيف: وجمعها خفايف، وخلافا لتسميته التي قد توحي بالسرعة في النسق، يعتبر من الإيقاعات الثقيلة نسبيّا، وتنتهي النوبة بالختم وهو غناء في إيقاع سريع.
أما آلات المالوف فهي: الغيطة (آلة نفخية) وآلات رقية من جلود الماعز وتستعمل في النوبات التقليدية، وهناك كذلك الآلات الوترية، مثل: العود والربابة والكمنجة، إلى جانب الربابة والناي، أما الآلات الإيقاعية فتتمثل في: الدفوف والدربوكة (الطبلة) والنغرات والبندير.
استمر تداول المالوف حتى انتقل الاهتمام به إلى بيوت العائلات الثرية وأمسى المالوف بصالوناته ومجالسه الطربية ومكتباته التي ضمت نصوصه؛ العلامة الأبرز على مدى ثراء الأُسر التونسية، لا عدد الخدم وحجم الثروة.

لوحة تشكيلية للفنان زبير التركي

ساعد هذا المناخ على ظهور الكثير من العازفين خاصة على آلتي العود والكمنجة (سميت الجرانة قديما) حتى إن تنظيم الأعراس لم يعد يتطلب استقدام فرقا لإحيائها، فالعائلات التونسية لم تكن لتخلو من العازفين والحافظين للمالوف.

وفي العصر الحديث، مثّل المالوف الفن التونسي لينافس ما صدره الشرق من فنون غنائية، كما ساهم في التصدي لمحاولات الفرنسة التي حاول المستعمر تكريسها.
ومن أهم الأسماء التي سعت لتطوير هذا النوع الموسيقي وتدوينه ‬البارون‭ ‬رودولف ‬ديرلنجي (موسيقي ورسام فرنسي محب للموسيقى العربية) والشيخ أحمد الوافي.‬‬‬‬‬‬

كان للاثنان الفضل الأول في حفظ وتجديد المالوف، ثم جاءت الفترة الوطنية (1881ـ 1956) وأخذت على عاتقها مواصلة المهمة عبر مؤسسة رسمية هي الجمعية الرشيدية التي عُنيت بحماية ذلك الموروث.

تطور المالوف ليصبح أكثر من مجرد موسيقى تعزف وتُغنى بل هو مساحة فنية واسعة تنفتح على فنون أخرى مثل الفن التشكيلي، ومن أبرز من قدم المالوف تشكيليا الفنانيين التونسيين: زبير الأصرم والهادي التركي، حيث جسدت أعمالهم حركة يد الحرفيين وهم يخيطون الألبسة التونسية التقليدية على وقع أنغام المالوف، وقام الفنانان بترجمة العديد من روائع موسيقاه تشكيليا، كذلك استوعب المالوف فنونا أخرى مثل الرقص وأنماطا موسيقية مثل الجاز.

امتد هذا الانفتاح أيضا إلى الآلات المستخدمة، ففي الحفلات الرسمية الأولى للفرقة الرشيدية ( المنبثقة عن المؤسسة المعنية بحفظ تراث المالوف) استخدم العود والتار والرباب والنعارات (طبل بوجه واحد) وفي حفلات أخرى استعملت آلة البيانو كما تم إدخال آلة المندولين ذات الأصول الإيطالية.

التنوع في الآلات عبّر عن قابلية قوالب المالوف على استيعاب خصوصية ثقافات الجاليات غير العربية كالإيطالية والإسبانية، وجاءت خلاصة هذا الدمج نوبات موسيقية جميلة وثرية.

دأب الجميع على الحديث بشكل منفصل عن المالوف بدول المغرب العربي ليترك هذا انطباعا سائدا أن هناك اختلافات كبيرة على مستوى الإيقاع والآلات، لكن الواقع، حسب الأكاديمية سلوى حفيظ، يفيد بأن الاختلاف لا يتعدى مسألة اللهجات فيما تتشابه بقية العناصر، وإن من المرجح أن المالوف التونسي أكثر ثراء نظرا لأن أعداد الموريسكيين الذين قدموا إلى تونس تجاوزت بكثير بقية دول المغرب العربي.

تراجع المالوف في السنوات الأخيرة في ظل عزوف الشباب عن هذا النوع الموسيقي وتحولهم إلى أنواع أخرى (حداثية).

قصة

فاطمة بدري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

محمود أسامة

فيديوجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram