المتحف البريطاني

"من أين لك هذا؟"

إذا انطلقت من أمام قصر باكنجهام التاريخي الشهير، وسرت على أقدامك قرابة عشر دقائق في شوارع العاصمة البريطانية لندن، ستجد المتحف البريطاني يقف في زهو بأعمدته رومانية الطراز، مستقبلا ملايين الزوار الذين يتوافدون إليه من مختلف بقاع العالم سنويا، ليشاهدوا مجموعته النادرة التي تعد الأكبر على الإطلاق من حيث تنوعها وثرائها الفريد.
يعد المتحف البريطاني في نظر الكثيرين بمثابة المتحف الأهم على مستوى العالم في مجاله، فداخل أروقته العديدة، يمكنك أن تعثر على منقولات أثرية تعود إلى شعب جواجال الذي سكن أستراليا قبل مئات السنين، وألواح برونزية محيرة تعود إلى سكان مدينة بنين القديمة في غرب إفريقيا، وتماثيل عملاقة من الجرانيت للملك سنوسرت الثالث تقف شامخة في جنبات الجناح المصري بالمتحف، وغيرها كثير من المقتنيات التي ستتسائل بمجرد مشاهدتك لها: كيف قطعت كل هذه الآثار آلاف الأميال من أماكنها الأصلية لتستقر في نهاية رحلتها داخل هذا المبنى المثير للجدل؟!
قبل أن تتسرع بالإجابة، عليك أن تعرف أن هذا السؤال يحمل إرثا ضخما من الاتهامات التي يواجهها المتحف منذ إنشائه وحتى اليوم، بشأن الطريقة التي اتبعها في جمع مقتنياته ومجموعاته من مختلف بلدان القارات السبع، وهي الطريقة التي ماتزال تثير الجدل على مختلف المستويات، الأخلاقية والسياسية والعلمية بل والعقائدية في بعض الأحيان! وكانت سببا في نشوب أزمات عديدة بين بريطانيا وعدد ليس بالقليل من بلدان العالم بشأن مقتنيات محددة أصبحت محل نزاع دولي.

حجر رشيد

13 مليون قطعة من 7 قارات

استطاع المتحف البريطاني تكوين مجموعته من القطع الأثرية بعدد من الطرق التي لا تعد ولا تحصى على مدار القرون الثلاثة الماضية، منذ إقرار قانون إنشاء المتحف عام 1753 وحتى الآن، حيث يقول عبر موقعه الإلكتروني إن من بين هذه الطرق عمليات التنقيب، والشراء، والتبرعات، والهدايا من الأفراد والمؤسسات، بالإضافة إلى مقتنيات حصل عليها كنتاج للنشاط الاستعماري البريطاني.
تمكن المتحف عبر هذه الطرق من تكوين مجموعته التي تشتمل حاليا على أكثر من 13 مليون قطعة تم جمعها من مختلف بلدان العالم، هذا بخلاف 70 مليون قطعة ترجع للتاريخ الطبيعي نقلت لتوضع في متحف التاريخ الطبيعي، و150 مليون كتاب ومخطوط، نقلت أيضا إلى المكتبة البريطانية.
يعترف المتحف بما يصفه بـ”التاريخ الصعب” لبعض مجموعاته، موضحا أنه يقوم حاليا بإعادة النظر في تاريخ اقتناء مثل هذه المجموعات، عبر الحوار مع من وصفهم بـ”الزملاء والشركاء” من بلدان في جميع أنحاء العالم، إلا أن الأمر يبدو أعقد بكثير من هذه الدبلوماسية المصطنعة.
تشير الحوادث التاريخية، إلى أن جامعي التحف الإنجليز، الذين ساهموا بشكل أساسي في تكوين مجموعة المتحف البريطاني الهائلة، ما كانوا ليحصلوا عليها لولا أن بريطانيا كانت تستعمر نصف الكرة الأرضية، وهو ما سهل عليهم عمليات التنقيب والاستيلاء والنقل غير الشرعي لهذه الآثار.

المتحف قديمًا

لا ينكره المتحف، إذ يقر أنه كان للاستعمار والتبشير دور رئيس في جمع مقتنياته، حيث حصل المسؤولون والمبشرون وحتى المسافرون الإنجليز على مجموعات متفاوتة الأحجام من البلدان التي كانت خاضعة للحكم البريطاني، ويضرب مثلا لذلك بمجموعة السير توماس ستامفورد رافلز، التي قام بجمعها أثناء توليه منصب حاكم جزيرة جاوة في عام 1810، حيث انتقلت هذه المجموعة إلى المتحف عبر ورثة رافلز.
كما كان للدبلوماسية البريطانية دور لافت في تكوين مجموعات المتحف، وأبرز مثال على ذلك ما قام به سفير بريطانيا لدى الإمبراطورية العثمانية توماس بروس في عام 1806، الذي أزال مجموعة كبيرة من التماثيل الرخامية من معبد البارثينون ونقلها إلى المملكة المتحدة، وهي التماثيل التي ستشكل أحد أكبر الأزمات في تاريخ المتحف، حيث لازالت تطالب بها اليونان حتى الآن.
الأمر لم يكن فقط يعتمد على السيطرة والنفوذ السياسي لبريطانيا، بل كان للصراعات العسكرية دور واضح في بناء هذه المجموعة، حتى إن بعض المقتنيات حصل عليها المتحف بعد حملات عسكرية تعتبر بمقاييس اليوم “جرائم حرب”، مثل ألواح بنين البرونزية، التي حصلت عليها القوات البريطانية بعد عملية نهب عقابية موسعة استهدفت مدينة بنين القديمة (نيجيريا) في عام 1897، ولازالت نيجيريا في نزاع مع بريطانيا بسبب هذه الألواح.
ونظرا لأنها وقائع تاريخية ثابتة، فإن المتحف لا ينكرها، لكنه فقط ينكر معرفته بـ”الظروف الدقيقة لمثل تلك الحالات” التي جاءت نتيجة لأعمال عسكرية، مشيرا إلى أنه ما يزال يسعى لاستجلاء هذه الظروف!
نتيجة هذا التاريخ الشائك، تشكلت العديد من جماعات الضغط التي شنت حملات واسعة لمطالبة المتحف البريطاني بإعادة المقتنيات إلى بلدانها الأصلية، كما تدخلت اليونسكو أكثر من مرة لمطالبة المتحف بإعادة قطع بعينها، إلا أن المتحف ماطل طويلا ولم يستجب إلا لحالات قليلة جدا ونادرة وغير ذات قيمة كبيرة.

تمثال جزيرة الفصح - تشيلي

لا تزال العديد من البلدان تأمل في استعادة كنوزها المنهوبة من قبضة المتحف البريطاني، حيث تتمسك أثيوبيا بحقها في ألواح التابوت الجنائزية، وتقاتل طاجكستان لاستعادة كنز أوكسوس الإخميني الذهبي النادر، وتسعى الصين بكل الطرق الممكنة لاسترجاع 24 ألف قطعة ما بين مخطوطات ولوحات وآثار جمعتها القوات البريطانية من كهوف ومعابد موجاو، ويحلم أحفاد السكان الأصليين لأستراليا من شعب جواجال باستعادة درعهم الخشبي المقدس، ولا تتوقف تشيلي عن المناداة بتمثال جزيرة الفصح الذي نهبه الإنجليز، أما مصر، فإن الأمر لا يتوقف عند حجر رشيد الذي طالبت به مرارا، بل يمتد إلى كنز هائل من الآثار المصرية يصعب تخيله مجتمعا في مكان واحد خارج وادي النيل!

11 ألف سنة من تاريخ مصر

تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المتحف البريطاني أنه يمتلك أكبر مجموعة في العالم للآثار المصرية خارج مصر، تضم ما يزيد عن 110 آلاف قطعة، وتشمل آثار ومقتنيات ترجع لمختلف الفترات والعصور في تاريخ مصر، وتمثل كل ثقافات وادي النيل في المملكة المصرية القديمة (بما في ذلك النوبة)، وذلك من فترة ما قبل الأسرات في العصر الحجري الحديث (حوالي 10 آلاف قبل الميلاد) مرورا بالعصور القبطية (القرن 12 ميلادي)، وحتى يومنا هذا.

رأس امنمحات الثالث

فقد شكلت الآثار المصرية جزءا هاما من مجموعة المتحف البريطاني منذ تأسيسه، عام 1753 اعتمادا على مجموعات العالم السير هانز سلون، التي اشتراها البرلمان البريطاني وأهداها للمتحف، وكانت تشتمل قرابة 160 قطعة جمعها سلون من زياراته إلى مصر.
أما أول مجموعة ضخمة حصل عليها المتحف من الآثار المصرية فقد جاءته في مطلع القرن التاسع عشر، فبعد هزيمة الحملة الفرنسية من قبل البريطانيين عام 1801، تم توقيع ما عرف بمعاهدة الإسكندرية، وبموجب هذه الاتفاقية اعتبرت كل المخطوطات العربية والتماثيل والمقتنيات الأثرية التي جمعها علماء الحملة الفرنسية أثناء وجودهم في مصر “ملكية عامة” لا تخص الفرنسيين وحدهم، ما مكن القوات البريطانية من الاستيلاء على كمية ضخمة من الآثار المصرية من بينها “حجر رشيد” الشهير، وهي المجموعة التي كانت جاهزة للعرض داخل المتحف بحلول عام 1803.
وبالعودة إلى دور الدبلوماسية في الاستيلاء على كنوز الشعوب يظهر دور الدبلوماسي “هنري سالت” الذي عينته المملكة المتحدة قنصلا لها لدى مصر في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، حيث قام الرجل بنشاط ضخم في الاستيلاء على الكنوز والآثار المصرية وشحنها إلى بريطانيا، كما استعان بالمستكشف الإيطالي الشهير “جيوفاني بيلزوني” في عمليات التنقيب والجمع -مجموعة “بيلزوني” تم شرائها لاحقا من قبل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر- ومع الوقت تحول سالت إلى أشبه ما يكون بالمورد الرئيس للآثار المصرية إلى المتحف البريطاني، وهو ما دفع إدارة المتحف في عام 1818 إلى تأسيس قسم الآثار المصرية بعد حصولها على تمثال عملاق لرمسيس الثاني بفضل “سالت”.

بحلول عام 1866 ضم المتحف قرابة 10 آلاف قطعة مصرية، وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت تتعاظم هذه المجموعة نتيجة لعمليات الاستكشافات المنظمة التي قامت بها جمعية “استكشاف مصر” الإنجليزية التي تأسست عام 1880، وبالرغم من أنها كانت جمعية خيرية تهدف في الأساس إلى استكشاف المواقع الأثرية في الدلتا ووادي النيل لأغراض البحث العلمي، إلا أن ذلك لم يمنعها أن الاستيلاء على قرابة 11 ألف قطعة آثار مصرية أرسلتها لاحقا إلى المتحف البريطاني، بعدما جمعتها من عدة مناطق في مصر، أهملها تل العمارة والدير البحري.
لم تكتف الجمعية بالجمع والاستيلاء عبر رجالها، بل قامت بدعم عمليات حفر وتنقيب لآخرين للغرض ذاته، نهب الآثار المصرية، حيث دعمت أعمال التنقيب التي قام بها عالم الآثار فليندرز بيتري في عدة أماكن بالدلتا، وأسفرت عن العثور على 18 ألف قطعة تمت مشاركتها بين مصر و70 دولة أخرى! بما في ذلك ما يقرب من 8 آلاف قطعة حصل عليها المتحف البريطاني وحده.
وخلال القرن العشرين، استمرت عمليات التنقيب التي كان يرعاها المتحف البريطاني، مثل العمليات التي دعمها المتحف في أسيوط (1907) والأشمونين (1980s) بالإضافة إلى عمليات تنقيب أخرى في السودان نقبت عن قطع ترجع إلى الحضارة المصرية القديمة في كل من سوبا وكاوا ودونغولا الشمالية، ولكن مع بدء تغيير قوانين الآثار في مصر، ومنع تصدير الاكتشافات إلى خارج البلاد توقف نزيف التهريب.

وحاليا يخصص المتحف البريطاني سبع قاعات، تعرض 4% فقط من المقتنيات المصرية التي يستحوذ عليها، وتضم كنوزا لا تقدر بثمن، بينها “حجر رشيد” الذي كان سببا في فك رموز اللغة الهيروغيليفية، بالإضافة إلى العديد من أحجار الغلاف الخارجي للهرم الأكبر بالجيزة وجزء من لحية تمثال أبو الهول، و140 مومياء وتابوت تشكل مجموعة المومياوات المصرية الأكبر خارج مصر، و99 لوحا طينيا من ألواح “رسائل تل العمارنة” الخاصة بالملك إخناتون والتي تمثل قيمة نادرة في فهم طبيعة الحياة في مصر القديمة وعلاقاتها الدولية، هذا بالإضافة إلى مجموعة نادرة من التماثيل والمسلات التي ربما لا يوجد مثيل لها في مصر نفسها حاليا!

العقيدة الراسخة للمتحف

قبل سنوات، كتب البروفسير روبرت أندرسون، عندما كان لايزال مديرا للمتحف البريطاني، مقالا بعنوان “لماذا لا يستطيع، ولا يريد، المتحف البريطاني إعادة منحوتات البارثينون؟” كشف فيه ما يمكن اعتباره العقيدة الراسخة للمتحف بشأن النزاع حول المقتنيات الأثرية التي جمعها من مختلف بلدان العام.
يقول فيه إن المتحف البريطاني أسعد الملايين حول العالم وقدم لهم تنوع ثقافي فريد تجاوز حدود بريطانيا، حيث لم يكن المتحف يوما خاصا بالثقافة الإنجليزي وحدها بالرغم من اسمه، بل كان “متحف للعالم” والغرض منه هو عرض المنجز البشري في جميع الفترات وجميع الأماكن، مضيفا أن المقتنيات التي جمعها جاءت نتاج “تبادل ثقافي حدث بين حضارات الماضي، وأصبح إرث الحاضر”، معتبرا أن فكرة استرداد هذه المقتنيات بمثابة “لعنة” تهدد هذه القيمة الحضارية!
وأوضح “أندرسون” بشكل لا لبس فيه رفضه القاطع لفكرة إعادة المقتنيات المتنازع عليها مؤكدا على أن “إعادة كل قطعة إلى البلد التي صنع فيها وإلى موطنها الأصلي، سوف يفرغ المتحف البريطاني، وغيره من المتاحف الكبرى في العالم، من مقتنياته.

روبرت أندرسون

لم يكتف بذلك، بل حاول الدفاع عن جامعي المقتنيات، الذين اعتبروا لصوصا في نظر أصحاب الحضارات الأخرى- أمثال “توماس بروس” الذي قام بنقل تماثيل البارثينون من اليونان إلى المتحف البريطاني، مطالبا بإعطائه حقه ومكانته التي يستحقها في التاريخ! واعتبر “أندرسون” أن “بروس” وأمثاله أنقذوا العديد من الآثار من الدمار عبر جمعها ونقلها من موطنها الأصلي وإحضارها إلى إنجلترا، مشيرا إلى أن مثل هذه المقتنيات باتت تشكل الآن جزءا جوهريا من هوية المتحف لا يمكن الاستغناء عنه.
وتمادى “أندرسون في الهجوم على البلدان الأخرى، فاتهم اليونان مثالا بعدم الاهتمام بالحفاظ على كنوزها، على عكس بريطانيا التي استطاعت الحفاظ على كنوز اليونان وعرضها للجمهور بالشكل اللائق الذي يتناسب وقيمتها التاريخية.
واختتم مقاله بأن المتحف لا يمتلك السلطة للسماح بإعادة مثل هذه القطع طبقا للقوانين الإنجليزية التي تمنع التصرف بأي شكل كان في مقتنيات المتحف البريطاني، مشيرا إلى أن مجرد التفكير في إعادة مثل هذه القطع يتعارض مع “مصالح الزوار” الذين يتوافدون إلى المتحف من مختلف بلدان العالم ويتعارض مع المبادئ الليبرالية التي يخدمها المتحف!.

  • موقع المتحف البريطاني على شبكة الإنترنت، خاصة الصفحات التي تتحدث عن تاريخ المتحف، وتاريخ المجموعات، والقسم المصري السوداني: https://www.britishmuseum.org
  • مقال مدير المتحف السابق البروفسير روبرت أندرسون بعنوان “لماذا لا يستطيع -ولا يريد- المتحف البريطاني إعادة منحوتات البارثينون؟” من أرشيف النسخة القديمة لموقع المتحف: https://web.archive.org/web/20060523194402/http://www.thebritishmuseum.ac.uk/gr/andart.html
  • تقرير على صحيفة الجارديان البريطانية بعنوان “المتاحف البريطانية والكنوز المنهوبة”: https://www.theguardian.com/culture/2018/apr/05/british-museums-and-looted-treasures
  • تقرير على صحيفة الجارديان البريطانية بعنوان “المتحف البريطاني يبيع الكنوز البرونزية الثمينة”: https://www.theguardian.com/uk/2002/mar/28/education.museums
  • مجموعة مقالات للباحثة المختصة في تاريخ المتحف البريطاني “مارجوري كيجيل”، من أرشيف النسخة القديمة لموقع المتحف: https://web.archive.org/web/20081227013315/http://www.fathom.com/course/21701728/session1.html
  • صفحة الموقع البريطانية باللغة الإنجليزية على موسوعة “ويكيدبديا” وهي صفحة معتمدة من المتحف ومدعمة بأكثر من مائة مرجع: https://en.wikipedia.org/wiki/British_Museum

قصة

عبدالمجيد عبدالعزيز

بمشاركة

أحمد بيكا

غلاف وإنفوجرافيك

القصص المتعلقة

Start typing and press Enter to search