زوايا

“المرأة لا تختتن”.. صراع أصولي يتجاهل العلم والضحية

حتى هذه اللحظة، لم يفصل أحد الخلاف بين مؤيدي ومعارضي ختان الإناث، لأن الأحكام التي يطلقونها مستمدة من أدلة تفصيلية قوية، وكل منهم بنى حكمه عليها، لكن قبل اللجوء لفاصل معياري دقيق، يجب استعراض كل “الآراء” في القضية داخل الأوساط المصرية.

فبالرجوع لتاريخ الختان في مصر، قالت المعيدة بكلية الآداب قسم التاريخ بجامعة عين شمس، نجاة عصام زكي، إن الختان انتقل إلى مصر في إحدى عهود الغزوات الخارجية أيام قدماء المصريين، لكنه كان للذكور فقط، وأطلق عليه “الطهور” أو الطهارة، وكان يقصد بها عملية إزالة جلد مقدمة القضيب عند الذكور، وأكدت وجود رسوم جدارية تصور ختان الذكور، موضحة أن علماء الآثار لم يعثروا على جدارية واحدة تخص ختان الإناث.

ولم يكن التطرق لمسألة الختان ذا أهمية قبل التسعينيات، وهو ما يعززه تقرير لـصندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر، إذ يشير إلى أن ٩٢% من النساء والفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين ١٥ و٤٩ سنة، تعرضن لشكل من أشكال ختان الإناث، ٧٢% منهن من قبل الأطباء.

في عام 1996 أصدر الدكتور إسماعيل سلام، وزير الصحة المصري وقتها، قرارا بحظر ختان الإناث في المرافق الصحية العامة والخاصة، لكن فاجعة وفاة الطفلة “بدور” عام 2007 في محافظة المنيا متأثرة بعملية ختان، دفع وزارة الصحة لإصدار قرار رقم 271 لسنة 2007 بحظر إجراء أي قطع أو تسوية أو تعديل لأي جزء طبيعي من الجهاز التناسلي للأنثى (الختان).

وفي 2008 أقر مجلس الشعب المصري قانونا لعقاب مرتكبي الختان، بالغرامة والسجن الذي يتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين. وفي 28 مارس 2021، وافق مجلس النواب المصري على تعديلات تشريعية تقدمت بها الحكومة، بتغليظ العقوبة على كل من يجري ختانا لأنثى، وتراوحت العقوبات المقررة في التعديل الجديد بين خمس سنوات وعشرين سنة.

كتيب لوزارة الأوقاف بشأن ختان الإناث

رأي الأزهر

يستند مؤيدو الإباحة إلى فتوى سابقة لشيخ الأزهر الدكتور جاد الحق علي جاد الحق، قال فيها ردا على سؤال سائل: “ففى واقعة السؤال قد بان أن ختان البنات من سنن الإسلام وطريقته لا ينبغى إهمالهما بقول أحد، بل يجب الحرص على ختانهن بالطريقة والوصف الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة، ولعلنا في هذا نسترشد بما قالت في حوارها مع الرسول: هل هو حرام فتنهاني عنه؟ فكان جوابه عليه الصلاة والسلام وهو الصادق الأمين: “بل هو حلال”.. كل ما هنالك ينبغي البعد عن الخاتنات اللاتي لا يحسنّ هذا العمل ويجب أن يجري الختان على هذا الوجه المشروع.. ولا يترك ما دعا إليه الإسلام يقول فرد أو أفراد من الأطباء لم يصل قولهم إلى مرتبة الحقيقة العلمية أو الواقع التجريبي، بل خالفهم نفر كبير من الأطباء أيضا، وقطعوا بأن ما أمر به الإسلام له دواعيه الصحيحة وفوائده الجمة نفسيا وجسديا”.

بينما يستند مؤيدو المنع إلى فتوى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب يقول فيها: “لقد تبين للأزهر الشريف من خلال ما قرره أهل الفقه والطب الموثوق بهم وبعلمهم أن للختان أضرارا كبيرة تلحق شخصية الفتاة بشكل عام وتؤثر على حياتها الأسرية بعد الزواج بشكل خاص، بما ينعكس سلبا على المجتمع بأسره”.

كيف ينظر السلفيون إلى الختان؟

ويختلف التيار السلفي في موقفه من الختان عن الأزهر الشريف، ووفقا لنص فتوى مفتي عام المملكة العربية السعودية السابق الشيخ عبد العزيز بن باز، “ختان البنات مشروع كالختان للرجال لكنه آكد في حق الرجال، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يجب في حق الرجال، ويستحب في حق النساء، وذهب الأكثرون إلى أنه يستحب في حق الجميع، ولكنه في حق الرجال آكد بكل حال، ولهذا ذهب ابن عباس إلى أن الختان في حق الرجل متأكد جدا وذكر في ذلك تشديدا كبيرا، ولهذا ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه واجب في حق الرجل وسنة في حق المرأة.. نعم”.

وبرأيه قال كبير السلفيين في مصر، الطبيب ياسر برهامي، والذي استند إليه النائب في البرلمان المصري عن حزب “النور” أحمد حمدي، الذي رفض تجريم ختان الإناث، قائلا “النبي أقر الختان”، بينما رد عليه رئيس اللجنة الدينية الشيخ علي جمعة “أجمع الأطباء في العالم كله أن الختان يضر ولا يسر، والحديث الذي ذكره النائب ضعيف.. والنبي لم يختن بناته ولم يقر ذلك”.

أضرار صحية ونفسية

وبعيدا عن الجدل الفقهي حول مسألة الختان، فإن الأطباء يؤكدون وجود أضرار على الإناث. الدكتور عمر عبد العزيز، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني، يؤكد أن ختان الذكر له فوائد طبية كثيرة، لكن ختان الإناث يسبب تشويها للأعضاء التناسلية، وليس هناك في الطب ما يسمى بختان للإناث.

ويوضح خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب، في برنامج “الحكاية”، على قناة “إم بي سي مصر”، أن تشويه الأعضاء التناسلية للإناث ينشأ عنه أضرار نفسية وعضوية كثيرة جدًا، وتفقد المرأة تمامًا الإحساس، والأطباء يجمعون على أن وجود هذه الأعضاء ضروري لاستقامة الحياة الزوجية، وضروري لحدوث الحمل.

ويفسر الإعلامي والصيدلي المصري حسام السكري، بعضا من التأثيرات السلبية للختان على الإناث، بقوله إن الشهوة والرغبة مصدرهما الدماغ وليس الأعضاء التناسلية التي يقع على عاتقها، مع عدد آخر من مراكز الحس في المرأة مسألة إشباع هذه الشهوة، وحرمان المرأة من أحد أهم مراكز الاستمتاع عندها لا يقتل رغبتها فى الجنس، بل قد يؤدي أحيانا إلى نتيجة عكسية، فتتحول إلى الإفراط في البحث عن طرق للإشباع، ويدفعها الإحباط إلى مزيد من الاهتمام بالجنس.

من أين جاء الخلاف؟

عود على بدء، بعد استعراض الآراء كافة، يبدو جليا أن جميع الآراء متفقة على ضرورة دفع الضرر، لكن إقحام النص الشرعي “لغرض” فجّر الخلاف، ولكن الله عز وجل ما فرط في الكتاب من شيء، فلماذا يظهر إقحام “الحكم الشرعي” في قضايا دون غيرها؟ وما سره في قضية الختان؟

يعتبر اللجوء لنص شرعي في العبادات أمر بديهي، وفي المعاملات أمر مستحب إن لم يخالف طبيعة العصر، لكن اللجوء له في “تحويل العادة لعبادة” يرجع في الأساس إلى مبدأ “التشيّع”، وهو استغلال ملامح ظاهرية في الشخصية الإسلامية، مثل النقاب واللحية والإسبال، لتحديد “طرز مظهري” للفرد المسلم يشير لشيعة معينة ينتمي إليها، ليسهل عليهم معرفة بعضهم، وتميزهم من المجتمع الإسلامي الطبيعي، تماما كما يلطخ البعير الأجرب بالقار، فالتميز الشكلي بين البشر دون سند وظيفي مثل زي الأطباء أو رجال الشرطة والقضاء، يعتبر عدوانية اجتماعية وتمردا غير محمود.

ومن هذا التميز ولد التمسك بمسألة الختان، ما دام المجتمع يرفضها لأنها مضرة، فنتمسك بها لنتميز، واستمرأ أتباع التميز السلفي، الواقعين تحت طائلة حديث افتراق الأمة “كلها في النار إلا واحدة”، الإضرار بالأنثى ولو قل عن إنقاذ كل الإناث.

ويمكن تفنيد أوجه الخلاف على النحو التالي:

أولا:

تنقسم الأحكام التكليفية لخمسة أقسام: الفرض والحرام والسنة والمكروه والمباح، وكلمة “حلال”، التي وردت في نص حديث الختان، ليست مضادة لكلمة “حرام”، بل حرام يقابلها تكليفيا الفرض، فالفرض هو وجوب الفعل، والحرام وجوب الترك، أما الحلال فهو توصيف للمباح، وليس حتى للمستحب، وعليه فإن المعنى اللغوي التبس على من يدعي التفقه في الدين من السلفيين، وألبس الحلال بالفرض، وأنزل المباح منزلة المسنون، وهذا الخطأ الأول والأكبر.

ثانيا:

الدليل والاستدلال، فلا يوجد سبب يوجب الختان، ولكن هناك أسبابا تمنعه، لذلك لم يحرم شرعا، لعل أسباب المنع تزول ويضطر البشر إليه في حالة مرضية، وهي فطنة من الشارع أساء استخدامها من استند إلى الدليل في استدلاله، لغرض في نفسه أو لجهل، كما قال الشيخ علي جمعة: “ما يحدث أنني أنظر في الكتب من غير سابق أدوات للفهم العميق، الذي تميز به الائمة المجتهدين، ثم أنزلها منزلة مصادر شرعية، وهي غير معصومة لأن الزمن تغير”، فحتى لو حمل الأولون الإباحة على العفة، لا يعني أن ينسب حمل علة العفة للنبي مباشرة، فالدليل واحد، ولكل زمان ومكان علته، وفطن المسلمون وأولهم عمر لفقه الزمن، حين أسقط طائفة المؤلفة قلوبهم من مستحقي الزكاة لتغير الزمن، وهو فرض قرآني وليس مجرد إباحة نبوية في أمور دنيوية.

“شعار حملة “لا لختان الإناث

ثالثا:

لفظ “ختان” خاص بالرجل، لأن الختن لغة هو القطع في “لسان العرب” لابن منظور، والقطع خلاف “القص”، فالقطع هو هنا بمعنى الاجتزاء، وليس قص النهايات، مثل تعبير “قص الأظافر” مثلا، ثم حمل الإخفاض عند الأنثى، وهو قص نهاية الجلد المغطي لفتحة البول، على الختن عند الرجل، من باب لغوي يسمى “التغليب” مثل إطلاق العمران على عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام (أبو جهل) في حديث “اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك”.

وبالعودة لكلمة الإخفاض لدى الأنثى، فهي تعني أن الشيء “زائد” عن حده الطبيعي، لذا يستوجب بالعقل أن أتبين، هل الشيء المراد قصه زائد بالفعل؟  وهل تؤثر هذه الزيادة على عفت الفتاة بعد البلوغ أم لا.

رابعا:

“لا تنهكي” في لفظ حديث أم عطية، هي نهي صريح من النبي على ضرورة معرفة هل الإخفاض يمكن يؤدي للإنهاك أم لا؟، وعليه يصبح الأمر أعقد من أن يضبط، فلا يوجد مقياس ثابت واضح مثل غلفة الذكر، ولن يوجد هذا المقياس، فيندرج هذا النهي تحت باب “الأفضل تركه”، حتى وإن كان مباحا، استبراء للذمة من الوقوع في الخطأ. وعليه، فتجاهل كل هذه الأدلة اللغوية قبل إطلاق الحكم ضرب من الاستسهال المهلك.

أما الرأيان اللذان يرى البعض أنهما متناقضان لشيخي الأزهر، فلا تناقض بينهما إطلاقا، فالشيخ جاد الحق رد على سائل وعلق رده بشرطين، أن يتم الإخفاض على الوجه الصحيح، وألا يجب المنع دون وجود رأي طبي مبني على التجربة العلمية، ومع تقدم العلم وصلت للأزهر أحدث الأبحاث، والتي قطعت بضرر الختان لتعذر ضبط الإخفاض أو تعذر احتياج الحالة للإخفاض من أجل العفة، لأن الطفلة لم تبلغ بعد مبلغ تجريب الشهوة، وعليه أفتى فتواه الثانية بعد إحكام الأدلة، بينما يتعامى عنها المؤيدون.

حسن معروف

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى