"المرض الوحش" و"المدعوقة"

لماذا نخاف أن نسمي الأشياء بأسمائها؟

هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به وتنجح في ما أرسلتها له. (إشعياء 11:55).

ثمة اعتقادات راسخة لا نعيها تؤثر على سلوكياتنا اليومية. فالمواطن العربي اليوم الذي يأنف من نطق كلمة “السرطان”، ويكني عنها بـ”المرض الخبيث” أو “المرض البطّال” أو “المرض الوحش”، يشبه جده العربي الجاهلي، الذي تَطيَّر من لفظة “البرص”، وكنّى عنه بـ”البياض”.

وكثير من المصريين حاولوا تجاوز التوتر النفسي الناتج عن الانتشار الخاطف لفيروس كورونا في الفترة ما بين مارس ويوليو الماضيين، بأن أطلقوا عليه لقب “المدعوقة” لتجنب ذكره صراحة، والأمر نفسه حاصل مع إطلاقهم جملة “بسم الله الرحمن الرحيم” على الشبح.

بعض المعتقدات ترى أن تأثير الكلمة يقع فور النطق بها

إن الاعتقاد بالقوة الما ورائية المُودعة في الكلمات، وقدرة اللفظ على تبديل الواقع أو جلب الخير أو الشر، أمر يشترك فيه، على اختلاف في الدرجة، البشر جميعًا، حتى أكثرهم تنكرًا للمعتقدات الدينية، فضلًا عن المعتقدات البدائية. فذلك الاعتقاد ضارب بجذوره حتى مجتمعات أقدم بكثير من جاهلية العرب أو ممالك اليهود، ألا وهي “المجتمعات الأرواحية”.

والأرواحية، أو الإحيائية (animism) باختصار، هي اعتقاد بأن ما في الوجود من شيء إلا وهو حي مسكون بالأرواح، سواء في ذلك النباتات والحجارة وسائر عناصر الطبيعة وظواهرها، بل وحتى الكلمات.

الأنثروبولوجي البريطاني المعاصر تيم إنجولد

ويُرجع الأنثروبولوجي البريطاني المعاصر “تيم إنجولد” بقاء “الأرواحية” إلى طبيعة البشر الحذرة، “فهؤلاء الذين يظنون الصخور تماسيح لهم فرصة أعظم في البقاء ممن يظنون التماسيح صخورًا”.

والاعتقاد بقدرة الكلمة على الفعل مرتبط في جانب منه باعتقاد التطابق بين الاسم والمسمى، لعلاقة ما ورائية تربط بينهما. حتى إننا نجد في اللغات القديمة مشتركات لفظية واحدة بين الكلمة والحدث، أو الكلمة والشيء، أو الكلمة والخلق، مثل لفظة “الأمر” في اللغة العربية، التي تعني كلًا من “الطلب” و”الحال”.

وكذلك الحال مع لفظة “أماتو” (amātu) في اللغة الآكدية، وهي لغة عراقية قديمة، فتعني “كلمة” و”شيء” و”حدث” في آنٍ واحد. أما في العبرية فهناك لفظة “دافهار” (Dâbhâr)، وتعني “الكلمة” و”فعل الخلق”.

فبعض المعتقدات ترى أن تأثير الكلمة يقع فور النطق بها، بغض النظر عن النية، وهو ما نلحظ شيئًا منه في بعض المرويات الإسلامية، مثل الحديث القائل بأن “رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رِجْل طائر ما لم يحدث بها، فإذا حدَّثَ وقعت” (أخرجه الترمذي والحاكم).

وكذا ورد حديث “متفقٌ عليه” نصه: “إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره”.

مقام إبراهيم النخعي

ويقول التابعي الفقيه “إبراهيم النخَعي”: إني لأجد نفسي تحدثني بالشيء فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أُبتلى به.

ولا نزال نرى في الأعمال السينمائية أو الأدبية تفنُّن السحرة في خداع أهدافهم كي يقرءوا تعويذة تلحق الضرر بهم.

وعلى ذلك المنوال يُلصق سائقو سيارات النقل “بوسترات” على جوانب عرباتهم مكتوبًا عليها كلمات من قبيل “بسم الله ما شاء الله” و”اللهم بارك” لدفع العين عنهم، وهي ملصقات يستهدفون بها غيرهم، فإجباره على قراءة الكلمات المحصنة يقيهم شر عينه.

كلمة "الموت" اندثرت في اليابان بفعل الخوف من نطقها

رُصد اعتقاد بالتطابق بين اللفظة والمدلول لدى الشعوب البدائية، ما دفع بعضهم إلى معاملة الأسماء بكثير من التقديس والحرص، والرهبة أحيانًا.

حتى إن المفردة الأصلية الخاصة بالموت في اليابان اندثرت. وهناك، حيث انتشرت ديانة “الشينتو” الأرواحية، مفهوم قديم نسبيًّا يدعى “كوتوداما”، ينص على وجود قوى ما تسكن الكلمات والأسماء.

وما زال اليابانيون حتى اليوم يتجنبون في أعراسهم نطق أي كلمة توحي بالانفصال، مثل القطع والقسمة والانتهاء.

والاعتقاد بقدرة الاسم على استدعاء المسمى سبب وجيه لتحريم ذكر أسماء الموتى حديثًا في بعض المجتمعات البدائية، خوفًا من إيذائهم أو استحضار أرواحهم، وهو ما رصده الأنثروبولوجي الإنجليزي “جميس فريزر” لدى الأبوريجينيين الأستراليين، حيث يشيرون إلى الميت باسم “الفقيد” فترة، إلى أن تغادر روحه جهة الغروب.

كما اعتبرت بعض الشعوب البدائية الاسم الشخصي جوهرًا وجزءًا أصيلًا من النفس. حتى نجد بعضهم لا يصرحون بأسمائهم الحقيقية إلا في أضيق الحدود ولأفراد محل ثقة، مثل شريك بعد مراسم الزواج.

جيمس فريزر صاحب كتاب الغصن الذهبي

فالعدو العالم باسم الشخص قادر على إيذائه، وربما لذلك علاقة بقانون العدوى (Law of Contagion) في سحر التعاطف (Sympathetic magic) كما وصفه “جيمس فريزر” في كتابه الشهير “الغصن الذهبي”: “الأشياء التي كانت على اتصال ببعضها يستمر تأثيرها المتبادل عن بعد حتى بعد انقطاع الاتصال الفيزيائي”.

وأي اتصال بين شيئين أقوى وأوطد من اتصال بين دال ومدلول متطابقين، خاصة وهو اتصال لا ينقطع؟ هكذا تكون القدرة على الأذى أو السيطرة أو التقرب عند معرفة الاسم الحقيقي متفهمة.

فنقرأ في الأساطير المصرية عن حيلة الإلهة إيزيس لمعرفة الاسم الخفي للإله رع، كي تستخدمه لاحقًا في إقناع الآلهة بأحقية ابنها حورس في عرش مصر.

ويجذب ذلك إلى الأذهان مفهوم الاسم الأعظم في الإسلام، وهو اسم لله غير مصرح به إذا دُعي به الإله أجاب. وهناك مبادرة الإله العبراني يهوه بالتصريح باسمه الحقيقي أمام شعبه المختار.

وقال الله أيضًا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: “يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور”. (خروج 15:3)

صورة تمثيلية لنبي الله موسى
الكلمة وسيلة الإله في إنفاذ المشيئة والخلق

ولا شك أن في القسم بالإله والتسمية والأذكار نوعًا من استحضار المقدس.

فالكلمة لا يقتصر تأثيرها على تغيير الواقع أو التحصين، ولا يقتصر استخدامها على البشر أو السحرة، إذ كانت الكلمة منذ القدم وسيلة الإله ذاته في إنفاذ المشيئة بل والخلق.

إذ يقول الرب في سفر التكوين من العهد القديم: “ليكن نور، فيكون نور”. ويخبرنا مزمور بأن “الرب صنع السماوات بكلمة”. وفي القرآن نقرأ في سورة يس: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”. ويذكرنا “محيي الدين بن عربي” في فتوحاته المكية بأن “الموجودات جميعًا كلمات الله التي لا تنفد”.

علاوة على ذلك، يظهر ارتباط الكلمة بفعل الخلق صريحًا في مطلع إنجيل يوحنا، على سبيل المثال، إذ يفتتح بأنه “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. به تكوّن كل شيء، وبغيره لم يتكوّن أي شيء مما تكوّن”.

وما يزال المتدينون من شتى الطوائف حريصين على استخدام لغة نصوصهم المقدسة الأصلية في شعائرهم الدينية، حتى وإن كانوا لا يعون معنى ما ينطقون.

ولعل في هذا التمسك اعتقادًا بأن لغتهم مطابقة أو قريبة من اللغة الأولى، التي سمى بها آدم الأشياء، ما يجعل مفرداتها الأقرب إلى جوهر المسميات.

“وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغةً واحدة”. (التكوين 11:1)

صورة تمثيلية- عالم دين يمسك قرطاسا ليدون الكلمات المقدسة

وتجعل المعتقدات الأرواحية للنَّفَس خصوصية تُضفي على الكلمات سحرها. حتى في الإسلام، نجد في ممارسات الرقية حَثًّا على النفث في الماء عند القراءة عليه، وكذا الإشارة إلى “النفاثات في العقد” كناية عن الساحرات في سورة الفلق.

كما تربط المعتقدات “الأرواحية” الأرواح البشرية بالأنفاس، بل الأرواحية (animism) ذاتها مشتقة من اللفظة اللاتينية (anima)، وتعني «حياة» و«روحًا» و«نفْسًا».

والأمر واضح على المستوى اللغوي، ففي العربية شبه تماثل بين اللفظتين (النَّفْس، النَّفَسُ)، وكذلك هما في اللاتينية (spiritus)، وفي العبرية (ruach).

وفي القرآن الكريم: “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا”. (التحريم: 12).

وكذلك: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.(ص: 72)

وفي سفر التكوين: “جبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة”.(تكوين 7:2).

أما الصوفي الكبير محيي الدين ابن عربي فيرى الوجود بأكمله ثمرة “النَّفْس الرحماني”، أي نَّفْس الإله، الذي به تكونت حروف الوجود (مراتبه) وانتظمت، كما تنتظم حروف الكلام في النفس الإنساني، وبانتظام حروف الوجود أمكن ظهور المخلوقات، التي هي كلمات الله.

في النهاية، إذا كان الإيمان بالسحر يقوم على اعتقاد بقدرة صيغ لغوية وعلامات ورموز وأرقام وطقوس على التأثير في العالم، وخلق واقع جديد، فإن اللغة بشكل عام تلعب دورًا مشابهًا للسحر في تبديل الواقع، سواء في المجتمعات القديمة أو المجتمعات المعاصرة.

وبغض النظر عن إدراكنا أو إقرارنا بحجم الموروث الأرواحي اليوم، فلا يملك أحد إنكار أن البشر جميعًا، عربًا وعجمًا، بدائيين ومتحضرين، متدينين وغير متدينين، يستخدمون الكلمات لتغيير الواقع، مثلما يجري في مراسم التتويج والتزويج والطلاق، بصورة أقرب ما تكون إلى سحر يصير بعده الواقع غير ما كان قبله.

المراجع
  • IZUTSU, T. (1956). Language and magic: studies in the magical function of speech. Tokyo, Keio Institute of Philological Studies.
  • FRAZER, J. G. (1923). The Golden Bough; a study in magic and religion. Abridged ed. London, Macmillan.
  • INGOLD, T. (2011). Being alive: essays on movement, knowledge and description. London, Routledge.
  • Korzeniewski, B. (2013). Magic of Language. Open Journal of Philosophy, 3,455-465.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد أسامة رخا

سيناريست ومترجم

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram