ثقافةمختارات

“المصرية” في أعين الأوروبيات: مشية النيل وابتسامة بيضاء وجسد كالنخيل

 

قبل أن يحمل العقد الثالث من القرن التاسع عشر حقائبه ليغادر، كان البشر قد بدؤوا يستخدمون البخار في النقل البحري فاقتربت المسافات، وأفسحت الطرقات والمفازات أمام الرحالات الأوروبيات اللائي أيقظهن شغف التعرف على أعرق حضارت العالم القديم، فأتين إلى أرض الفراعنة لتدوين رسائلهن ويكتبن يومياتهن، فعلى مدار عدة عقود توالت زيارات المستشرقات الأوروبيات إلى مصر ليخلفوا عددًا من الكتابات والمذكرات الشخصية التي مثلت أحد المصادر الهامة في التوثيق للحياة الاجتماعية والثقافية في مصر القرن التاسع عشر.

بث أبو التاريخ، هيرودوت، في نفوس الرحالات الأوروبيات ورع الافتنان بمصر فسحب الحنين أقدامهن إلى أرضها السمراء.. كان الاهتمام بالمرأة المصرية واحدًا من أهم مظاهر تلك الرحلات الاستكشافية، ربما كان الدافع الأول لبعضهن هو المضي قُدمًا نحو تحرير أوضاع المرأة الشرقية لتحاكي أوضاع نظيراتها في المجتمع الأوروبي بعد منجزات الثورة الفرنسية والولوج إلى مرحلة الحداثة.. أخريات رأين أهمية اكتشاف أراض أخرى أكثر سحرًا، وربما قِدمًا، ومن ثم فتح نافذة المجتمع الأوروبي على أوصاف المرأة الشرقية في المجتمع المصري.

قدمت المستشرقة الإنجليزية صوفيا لين بول احترامها وتقديرها للمرأة المصرية التي رأت فيها فهمًا وتحملاً كبيرين للعادات والتقاليد، وأثنت على مساهمتها في تحمل النفقات العائلية ودورها في إنجاح الحياة الاقتصادية داخل المجتمع المصري بمشاركتها في الأعمال التجارية والزراعية والأسواق، وقد امتد هذا الاعجاب في كتابات بعضهن إلى النساء في صعيد مصر، واللائي حظين في كتابتهن باهتمام خاص.

غلاف كتاب صوفيا لين بول (امرأة إنجليزية في مصر)

اعتبرت صوفيا أن الشرق متمثلاً في مصر  هو النافذة التي تمكن من خلالها رؤية حرية المرأة، وأنه متى كان الرجل طاغية كانت زوجته بالطبع جارية ودوّنت رؤيتها هذه قائلة: “لا يستطيع أجنبي أن يحدد بالضبط مقدار الحرية التي تتمتع بها النساء دون أن يختلط بمجتمع الشرق”.

كتاب المرأة المصرية في عهد محمد علي

نسوة الصعيد بأقلام الأوروبيات

كانت المؤرخة الإنجليزية إيميليا إدواردز، تطلق العنان لروحها كلما تاقت نفسها للدخول إلى أحد المعابد المصرية، حيث أدهشها النقش البارز للملكة كليوباترا، وربطت بين مواصفات تلك الملكة القديمة وبين المرأة الصعيدية ممثلة في نساء النوبة بعدما لفت نظرها ذلك التقارب والتشابه الكبير بين الجدة والحفيدة حتى في غطاء الرأس وشكل الجدائل وانسياب ضفائر شعرهن.

ففي كتابها “ألف ميل خلال نهر النيل” تقول المؤرخة الإنجليزية إيميليا إدواردز: “ما زالت نساء مصر والنوبة يرسلن شعورهن بمثل هذه الطريقة”، مشيرة إلى تلك الجدائل الحريرية لرأس الإلهة حتحور وغطاء رأس الملكة كليوباترا.

أما الطبيبة والنسوية الفرنسية سوزان فوالكان، التي خصصت جهدها للدفاع عن حقوق المرأة، فقد رأت في “الفلاحة” الصعيدية فاتنة خطفت قلبها بلون بشرتها البرونزي الأنيق، وصلابتها الحديدية، وبنيان جسدها الممشوق.

لفت نظر سوزان فوالكان قوام المرأة الصعيدية، فبدت لها قوة ذراعيها شامخة متشبعة من خصوبة النيل، متينة راسخة كالنخيل حتى وصفت أقدام نساء الصعيد في مذكراتها، فكتبت: “أقدامهن صلبة، ومشيتهن نبيلة مترفعة”.

عاشت فوالكان في مصر كامرأة نصف متحررة، لكن ذلك لم يمنعها من التعرف على أغوار ومخابئ يوميات المرأة الصعيدية، وأسرار أيامها المتوارية خلف تقاليد وأعراف، فراقبت حتى طريقة مشيها التي  تشبه في انسيابها حركة جريان النيل، مع تلك القدرة في الحفاظ على اتزانها رغم هذا “القِدر” الفخاريّ الثقيل الذي تحمله فوق رأسها فتمشي واثقة الخطى كأنها ملكة مبجلة أو على حد تعبيرها: “تبدو راسخة فوق الأرض رسوخ الأهرامات”.

أما الباحثة الأنثروبولوجية البريطانية وينفريد بلا كمان، فقد سُحرت عيناها بحُلي نساء الصعيد، وطريقة تزين هذه المرأة التي يمتلئ وجهها بملامح مصر الفرعونية، عندما رأتها لا تختلف عن المرأة الإنجليزية من حيث اهتمامها بنفسها وبإبراز صورة محاسنها، وقد أعطت وينفريد اهتمامها الكامل بتفاصيل زينة نساء القرية في الصعيد ووجدت أن “الوشم” كان الطابع الفني الأكثر شيوعًا بين النساء، فقد حرصت المرأة القروية في الجنوب على التحلي به، وكانت المرأة المصرية تتحمل مشاق تلك العملية المؤلمة من أجل إعطائها رونقًا خاصًا وطابعًا لا يشبه أي امرأة أخرى.

تمثل حرص المرأة الصعيدية على جمالها عند وينفريد في شعرها الطويل المجدول في ضفائر على ظهرها الممشوق تتفاخر به بين رفيقاتها كلما امتد طوله، وتلجأ إلى صبغه بالحناء حينما يدب الشيب في أرض رأسها.

أعجبت وينفريد، بطريقة المرأة الصعيدية لتنعيم بشرتها واستخدامها “الحلاوة” حتى تتخلص من بقايا الجلد الميت بوجهها، وقد سردت حكايات “الكُحل” الأسود، الذي كان أبرز أدوات التجميل عند النساء القرويات اللائي يداومن على التزين به، وكنّ أشد حرصًا على ارتداء الزي الوطني ذي العطر النفاذ، والمتناسب مع مناخ وادي النيل الأشد حرارة وجفافًا.

تطرقت وينفريد، في مؤلفها “فلاحو صعيد مصر” نحو الأعراف والتقاليد، وأدهشها تصرف القابلة (الداية) حينما تلقي بالمشيمة في مياه النيل بعد الولادة، فنسوة القرية يعتقدن أن هذا التصرف سيجعل مستقبل المولود مشرقًا ومليئًا بالسعادة ثم تردد على مسامعه شديدة الصغر تعاويذها كي تحميه من أشباح الليل الظلامية، خاصة ذلك القرين المرافق له منذ مجيئه إلى الدنيا.

تعجبت وينفريد من تصرفات النساء اللائي يذهبن للعرافين، ويقمن بأعمال السحر من أجل جلب العرسان لبناتهن، كما رصدت مراسم الزفاف، وحمل العروس على ظهر الجمال والأحصنة إلى بيت أزواجهن في مواكب صاخبة يتخللها سلوك نسائي متأصل وهو “قرص الركبة” لقد حرصت على فعله الفتيات اللائي كن يأملن الحصول على أزواج.

لم تُخفِ وينفريد استغرابها من اعتقاد نسوة الصعيد بالطواف حول تماثيل معابد المصريين القدماء على اعتباره أحد الوسائل المضمونة لضمان الإنجاب، بالإضافة إلى زيارة المقابر المهجورة والتبرك بعظام الموتى وأضرحة الصالحين التي يعدونها بـ”النذور”.

أعجبت وينفريد بحرية فتاة الصعيد التي تتمتع بها خلال فترة طفولتها المبكرة، لكن سرعان ما ينحسر هذا الإعجاب ويتحول إلى إشفاق على المرأة الصعيدية بعد أن يتجاوز عمرها مرحلة المراهقة، إذ تعاني من أوضاع اجتماعية متدنية، وحريات منقوصة، وتلوم وينفريد -بلهجة غير قاسية– استكانة المرأة الصعيدية للجهل، وللقيود بحجة العيب والتقاليد والأعراف السائدة في جنوب الوادي.

المرأة المصرية قديما

الحمامات النسائية والمرأة الشعبية

في الحمّام تشرق المرأة حيث لا قيود ولا حجاب ولا رقابة أو قهر.. هكذا كان تدوين سوزان فوالكان عن القيمة الجمالية التي تحصل عليها المرأة المصرية الشعبية في الحمامات النسائية العامة، واعتبرت أنه وسيلتها للهروب من الملل، يذهبن إليه بتشجيع من رجالهن، خاصة إذا كان يزيد المرأة المصرية جاذبية إلى جانب تلك الجاذبية الشرقية التي تتمتع بها.

وأخذت فوالكان تحكي عن طقوس المرأة الشعبية في الحمام، حيث تسوي أظفارها وتكتحل، وتعكف على تحنية يديها وقدميها، وتنثر شعرها على كتفيها مرسلاً ومنطلقًا بلا قيود، ثم تزيد هذا الجمال رونقا بلبس مشغولاتها الذهبية ومجوهراتها، وتغلف هذا الحسن بطربوش صغير تضعه بأناقة وخفة على رأسها، وتغرس في قلبه ريشة.

تفاصيل تزين المرأة الشعبية في مصر خاطف للأنظار والقلوب، ربما لهذا أخذت سوزان فوالكان تدقق حتى في أصغر التفاصيل التي لاحظت عليها المرأة داخل الحمّامات النسائية، وهن ينتعلن أحذية مرصعة بالأحجار الكريمة ويلبسن سراويلات من الكشمير وأروابًا من الحرير الأسود الفاخر.

قد يبدو إعجاب سوزان فوالكان، بنفسها وصل لحد الغرور الذي أثّر في تقديرها لحسن النساء الأخريات واختلاف ميزات كل واحدة منهن، فعندما دوّنت تجربتها في أحد الحمامات النسائية قالت: “حين دخلت بصحبة صديقتي كالارا الجميلة، تركنا أجسادنا للمدلكات، وشعرنا بمتعة كبيرة والخادمات يقمن بعملهن وهن مستمتعات وقلن لي أنتِ أكثر بياضًا، وطلبن أن يقبلن مواضع الأكتاف وظهور أجسادنا”.

نساء الحرملك في مصر

ظهرت نزعة طبقية سلبية في مذكرات سوزان فوالكان، في ما دوّنته حول “نساء الحرملك”، ففي مذكرة لها بعنوان “المرأة عطر الحياة” تحدثت عن حريم القصور، وأخذت تتغنى بهن وبجمالهن، وبالأبهة الاجتماعية التي يحظين بها، أما الفقيرات في نظرها فلسن حسناوات. فعندما زارت قصر مدير الجيزة تحدثت عن سيدة القصر، فوصفتها بـ”الجميلة والجذابة تتدلى الهيبة من رأسها كعناقيد الذهب، الجميع يدورون في فلكها كأنها شمس تتربع على عرش فضائهم”.

أما صوفيا لين، فلاحظت أن نساء الحرملك يحرصن على ارتداء الزي التركي، واعتبرته مُهينًا للمرأة، وفيه نوع من الإذلال، وشعرت أن نساء الباب العالي يشعرن بالنقص تجاهها، فقد كُن يعتبرن صوفيا أرفع منهن مكانة ومنزلة، فقط لمجرد أنها امرأة إنجليزية، كما انتقدت صوفيا طريقة تزين نساء الحرملك، ورأت أنهن يشوهن منظرهن بطريقة غريبة عندما يزججن حواجبهن بالكحل، ويمتد الطلاء الأسود منه ليضم حواجب النساء بخط عريض قبيح للغاية، وتقول: “كثير من النساء من مختلف الطبقات يشوهن وجوههن بهذه الطريقة”.

صورة لسيدة مصرية من القرن التاسع عشر

بعيدًا عن التزين والملابس، عرضت الكاتبة البريطانية أرتيميس كوبر، موضة الصالونات الأدبية للنساء في الحرملك، الذي اعتبرته واحة فسيحة لسيدات الطبقة الراقية، إذ يذهبن إليه ليقضين وقتًا مريحًا بعيدًا عن أجواء التسوق.

وذكرت أرتيميس كوبر، صالون ماري رياض، واعتبرت أن صالونها النسائي هذا من أنجح الصالونات في مصر كما لفتت إلى حفلات امرأة رجوازية تدعى ماري، التي تخللها أصحاب النخبة من نجوم المجتمع والفنانين والأدباء.

انتقادات لأوضاع المرأة

الإعجاب السابق ذكره لم يمنع من أن تقدم بعض هؤلاء المستشرقات سهام نقدهن لأوضاع المرأة المصرية، فعندما زارت الروائية البريطانية الأرستقراطية “هارييت مارتينو” مصر عام 1846م لاحظت أن التعدد في الزوجات عند المصريين منتشر كثقافة اجتماعية لها طابع ديني، فكان ذلك أقسى ما لفت انتباهها، وعبّرت عنه في كتابها “الحياة الشرقية” ووصفته بأنه “نظام فيه نوع من العبودية”، وأن تعدد الزوجات من منظورها مهين لكرامة المرأة المصرية.

كما لم يمنع إعجاب سوزان فوالكان المفرط بالمرأة المصرية من أن تعتبرها ليست جميلة بالقدر الكافي إذا ما قورنت بنساء شرقيات أخريات، واعتبرت أن جمال المصرية يتركز أكثر في شخصيتها وروحها فكتبت تقول: “المرأة المصرية عامة قد لا تكون جميلة، ولكنها تتميز بالرقة والجاذبية والابتسامة البيضاء، والضحكة الصافية الصادرة من القلب، ما يجعل هذا الجمال المتواضع إشراقة فاتنة”.

ثم تضع فوالكان سهم نقدها للمرأة المصرية في موضع آخر فتتهمها بأن ليس لها مكان معترف به في العلاقات الاجتماعية، ويبدو أن كتاباتها كانت متناقضة إلى حد قريب، فهي ترى أن المرأة المصرية لا وجود مجتمعيًّا لها، لكنها في نفس الوقت تقول إن النساء في مصر تنمو أجسادهن بشكل طبيعي، لأنهن لا يخضعن لأي نوع من القهر، ما يجعلهن ينطلقن بأجسادهن كما ينطلق النخيل.

صورة لسيدتين مصريتين نهايات القرن التاسع عشر

لكن المستشرقة الإنجليزية صوفيا لين بول، كانت أكثر حيادية في وصفها وحديثها عن المرأة المصرية، إذ تناولتها بموضوعية خلال معايشتها للمجتمع المصري في رحلة استغرقت 7 سنوات، وقالت في كتابها “امرأة إنجليزية في مصر – رسائل من القاهرة” إن حياة المرأة المسيحية الأوروبية لا تختلف عن حياة المرأة المصرية في الشرق، بل إنها اعتبرت أن المرأة الإنجليزية تعيش مكبّلة مقيدة، فالرجل في أوروبا ينظر لها نظرة متدنية، حيث لا يحق لها حتى أن تنثر بيتًا شعريًّا أو يختلط فكرها بالأدب الإنجليزي.

شيماء اليوسف

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى