زوايامختارات

المظلومية عند الإخوان.. وحزب الله: كل يبكي على ليلاه!

 

مرت مجتمعات المسلمين طوال تاريخها بحوادث مفصلية، كان لها أثرٌ عميقٌ في تشكيل وعي المسلمين عن أنفسهم وعن خصومهم. فمنذ مقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في محرابه، مرورًا بمقتل من تبعه من الخلفاء: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ثم تحوُّل السلطة من المدينة المنورة إلى دمشق، حاضرة دولة الأمويين، وأخيرًا سقوط دولة بني عثمان، وتمزق بلاد العرب والمسلمين بين الغرب والشرق، صاغت الحركات السياسية في العالم العربي منطلقاتها الفكرية والعقدية ومواقفها القيمية على أسس تاريخية ممزوج بقداسة دينية أعيت معها كل أريب.

ومع هذا، يبقى مقتل الحسين رضي الله عنه في حربه مع الأمويين وخروجه على يزيد بن معاوية في عام 61 هجريًّا/ 680 ميلاديًّا، وسقوط دولة العثمانيين في القرن العشرين 1341 هجريًّا/ 1922 ميلاديًّا، حدثين مهمَّين في تشكيل التيارات السياسية في القرن العشرين وحتى الآن. فجماعات الإسلام السياسي السنية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الله اللبناني، قد صاغا مكوناتهما العقدية والفكرية وموقفهما من أنظمة المنطقة وشعوبها، بل وموقفهما ممن وراءهما من أنظمة وكيانات أسستهما ودعمتهما، وسمحت بتعاظم نفوذهما في المنطقة إلى الحد الذي أفضى إلى هذا الواقع المأزوم في البلدان التي شهدت أنشطة كل منهما.

شعار جماعة الإخوان الإرهابية

مظلومية الإخوان

يمكن حصر الأسس القيمية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين في 3 نقاط رئيسة، الأولى ترمي إلى خلق كيان يقوم بالحشد المجتمعي على أسس قيمية دينية قوامها تعرض المسلمين للظلم ووقوعهم تحت الطغيان والاحتلال العسكري الغربي كما هو معروف بعصر الكولونيالية colonialism. والثانية مساعي هذا الحشد بقادته ورموزه لاستعادة المنظمة الجامعة التي جمعت شمل المسلمين في أصقاع الأرض المعروفة تاريخيًّا بالخلافة. ولأن أقرب الدول التي امتلكت هذا الإدعاء ومارسته على الأرض هي الدولة العثمانية، فيكون المقصود بالطبع هو استعادة الدولة العثمانية مرة أخرى ولو على أسس جديدة، ولكن يبقى جوهرها سيادة الترك على قمة السلطة في هذه الدولة المتخيَّلة. وأخيرًا، أستاذية العالم وقيادته بعد تحقيق وترسيخ ما سبق.

ومنذ تأسيس الجماعة في نهاية عشرينات القرن الماضي وحتى الآن، كانت هناك عدة حوادث مفصلية صاغت الجماعة مكونها العقدي والفكري من خلالها، لتثبت شرعيتها التاريخية على أسس دينية بأنها الفرقة الناجية، والمنافحة عن الحق، والمالكة لناصية الأمور كلها في الإسلام. أبرز هذه المحطات: حرب فلسطين، مقتل حسن البنا، ملاحقة نظام عبد الناصر للجماعة وقادتها وقواعدها، هزيمة 1967م وما ترتب عليها من إطلاق للتيارات الدينية في عصر الرئيس السادات (الرئيس المؤمن كما أطلق على نفسه)، محاولة إدماج الجماعة في النظام السياسي المصري من خلال انتخابات النقابات وانتخابات مجلس الشعب المصري، في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، الربيع العربي في 2011م وصعود الجماعة في أعقاب ذلك؛ ووصول أول رئيس إخواني للسلطة، ثم التحولات السياسية في 2013 وما تلتها من محطات كان آخرها وفاة الرئيس الإخواني محمد مرسي.

حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان

أوهام الجماعة

خلال كل هذه الأحداث، لم يغادر مخيلة الجماعة أنها جماعة مظلومة، تدافع عن الحق المغتصَب، وتسعى للسلطة لتصحح أخطاء الأنظمة، وتقتص ممن ظلمها. وانتهى بها المطاف أن تكون ورقة خاسرة في يد تركيا، التي تسعى لاسترداد نفوذها السياسي في المنطقة من خلال الجماعة، وامتلاكها لتاريخ من المظلومية التاريخية الدينية لم يسبق لأحد من العالمين ولا حتى من الأنبياء والمرسلين أن يدعيه لنفسه، إلا ادعاء بني إسرائيل أحقيتهم في أرض فلسطين.

عجائب “حزب الله”!

خلال كل هذه الأحداث، لم يغادر مخيلة الجماعة أنها جماعة مظلومة، تدافع عن الحق المغتصَب، وتسعى للسلطة لتصحح أخطاء الأنظمة، وتقتص ممن ظلمها. وانتهى بها المطاف أن تكون ورقة خاسرة في يد تركيا، التي تسعى لاسترداد نفوذها السياسي في المنطقة من خلال الجماعة، وامتلاكها لتاريخ من المظلومية التاريخية الدينية لم يسبق لأحد من العالمين ولا حتى من الأنبياء والمرسلين أن يدعيه لنفسه، إلا ادعاء بني إسرائيل أحقيتهم في أرض فلسطين.

نشأ حزب الله في لبنان على أعقاب الحرب الأهلية في لبنان في ثمانينات القرن الماضي، كذراع عسكرية لإيران تناوئ بها الغرب من جهة من خلال المناوشات مع إسرائيل؛ وتخلق مساحة للحركة في المنطقة لدعم الأقليات الشيعية في لبنان والشام والعراق. ولأن الحزب هو واجهة لإيران الثورة، فإن الأسس القيمية هي ذاتها الأسس التي قامت عليها الثورة الإيرانية في توجهاتها الشيعية. وهنا يمتزج التاريخ بالدين بالواقع في مركب عجيب.

القوة العسكرية لحزب الله

يرتكز الفكر السياسي الشيعي الحديث على أسس راسخة من المظلومية التاريخية الدينية، منذ مقتل الحسين رضي الله عنه -سبط رسول الله- في خروجه على ظلم يزيد بن معاوية، وجور الأمويين وقمعهم لخصمهم التاريخي الضارب بجذوره حتى ما قبل بعثة النبي، في التنافس ما بين عبد شمس وبني هاشم على السيادة. وقد كان مقتل الحسين رضي الله عنه شرارة لثورة بني العباس والبيت العلوي على الأمويين فيما بعد، وانتهى باستئصال بني أمية من السلطة السياسية في العالم الإسلامي، وسيادة بني العباس على الدولة والمجتمعات المسلمة المضطردة في الزيادة حينذاك. جل الإشكال الذي نشأ على أعقاب الثورة العباسية هو تجاوز البيت العلوي الذي اكتوى بنار الأمويين، وأراد أخذ الثأر لمقتل الحسين والعديد من آل بيت النبي الذين قضوا على أيدي الأمويين.

العداء مع المحيط السني

ومنذ ذلك الحين، والخيال السياسي الشيعي ينطلق من فرضية المظلومية التاريخية الدينية لآل البيت، والعزم على الانتقام من قتلة الحسين، وإعادة الأمور إلى طبيعتها المتخيلة من خلال وصول آل البيت إلى السلطة. ولم تشفع نشأة الدولة الفاطمية في تغيير هذا الشعور بالقهر الديني والتاريخي، والمظلومية الدينية السياسية للفكر الشيعي في مجمله. وعلى هذه الأسس القيمية العقدية تتحرك إيران، وذراعها العسكرية في قلب الشام. وبهذا يمكن فهم سلوك حزب الله في لبنان، وفي سوريا، والبحرين، واليمن. فهو قمة التطور لعملية الحشد الشعبي والتعبئة العسكرية الانفصالية على أسس من المظلومية التاريخية الدينية، في عداء مستمر مع محيطها السني الظالم الذي وأد ثورة الحسين وقتله، وساهم في مقتل آل البيت خلال هذه القرون المتعاقبة. وبهذا يكون إيقاع الضحايا من أبناء هذه المجتمعات من السنة هو انتقام من بني أمية، الذين انقضت دولتهم، بل وما تلاها من دول قوية منذ ما يقرب من 5 قرون أو ما يزيد!

أنصار حزب الله

اعتقاد المظلومية في الميزان

يحق للمجتمعات العربية بكل مكوناتها الدينية من المسلمين وغيرهم من أهل هذه البلاد، أن تقيِّم هذه التجارب الحديثة التي حشدت العديد من المسلمين على اختلاف مذاهبهم استنادًا إلى هذه المظلومية التاريخية الدينية. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا قدم كلا الفريقين لمجتمعاته ودوله؟ وأي تقدم أحرزته الدول والمجتمعات التي احتضنت هذه الحركات العقدية؟

الإجابة هي أن “الحال تُغني عن المقال”. ففي لبنان، حاضنة حزب الله، قوَّض الحزب الدولة، وتسبب في تشظي المجتمع اللبناني دينيًّا وفكريًّا وسياسيًّا. ولم يكتفِ حزب الله بذلك، بل ساهم بتقويض الدولة في سوريا بدخوله في المعارك على الأرض. وكذا حال العراق واليمن. أما على الطرف المقابل، فلم تكن حال جماعات الإسلام السياسي السنية أحسن، فقد ساهمت الميليشيات السنية على اختلاف توجهاتها وأيديولوجياتها في تقويض ذات الدول التي دخلتها الميليشيات الشيعية. فقد اشترك كلاهما في تفتيت المجتمع، وقتل أي محاولة للخروج من هذه الحلقة العقدية المفرغة.

الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله

عبء على الإسلام

إن أسس السلطة السياسية في الإسلام هي تحقيق العدل لكل الخلق على اختلاف دينهم، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، فالكل أمام القانون سواء، والحرية للناس في اختيار دينهم، وهي أرقى حرية تمنحها السلطة السياسية لرعاياها وما تحتها من مواطنين. فهل حققت الحركات السياسية الشيعية والسنية هذه القيم وراعت هذه الغايات في تطبيقها، أم أنها لم تكن سوى أداة لمن خلفها من أنظمة حققت مرادها من خلالها؟

إن هذه التيارات التي تدعي المظلومية التاريخية والدينية عبءٌ على الإسلام، وعبءٌ على مجتمعاتها التي اكتوت بنار هذه المظلومية المُدَّعاة. فكل هذه التيارات في أصلها أدوات للسياسة الخارجية لإيران وتركيا، في صراعهما الجغرافي السياسي geopolitical ومناوءة خصومهما من أنظمة المنطقة، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب مع اللاعبين الدوليين الرئيسَيْن، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وتوجهاتهما السياسية في المنطقة. كل الأمل في مجتمعات المنطقة الآن أن تمتلك من الوعي ما يمكنها من الخروج من هذه الحلقة المفرغة التي نصبت لها، لتعيش في هذا التيه الديني والتاريخي، وهو وعي سيوجد حتمًا، عاجلاً أم آجلاً.

 

د. أحمد أمين

باحث علوم سياسية متخصص في الشأن التركي والحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى