زوايامختارات

المعتقدات أولًا.. لماذا نعجز عن تصديق العلم؟

 

إنه العام 1954، الساعة السادسة.. عشية عيد الميلاد.. تجتمع طائفة صغيرة من الأشخاص في الشارع خارج منزل السيدة “دوروثي مارتن” في شيكاجو بولاية إلينوي بالولايات المتحدة.. يغنون ترانيم عيد الميلاد وينتظرون، لكنه لم يكن انتظارًا رمزيًا لولادة المسيح، بل كانوا ينتظرون طبقًا طائرًا سيغادر بهم كوكب الأرض إلى كوكب آخر في الفضاء!

في اليوم السابق، كانت السيدة “دوروثي” تلقت رسالةً تخبرها بأن عليهم الانتظار في ذلك المكان، وفي الموعد ذاك تحديدًا، حتى يهبط طبق طائر ويلتقطهم “الفضائيون”، كما وعدت الرسالة، لكن عندما لم يصل أي منهم عادوا إلى داخل المنزل.. لم تكن تلك المرة الأولى التي يختبرون فيها خيبة الأمل، بل كانت الرابعة!

صورة خيالية لكوكب طائر

بدأت القصة بنبوءة أن فيضانًا هائلًا على وشك أن يضرب الكوكب في فجر يوم 21 ديسمبر من عام 1954.. كانت تلك النبوءة واحدةً من رسائل عدة ادّعت “مارتن دوروثي”، التي كانت منخرطة في “السيانتولوجيا” (مجموعة معتقدات وممارسات دينية أسسها كاتب الخيال العلمي الأمريكي رون هوبارد في الخمسينيات) والمهتمة بالأطباق الطائرة، أنها تلقتها من كائنات فضائية أطلقت عليهم “الحرّاس” من كوكب يُدعى “كلاريون”.

مع تحذيرات من الطوفان القادم، جاء الوعد بإنقاذها هي والمؤمنين الآخرين، هكذا أطلقوا على أنفسهم “الباحثون” أو “أخوية الأشعة السبعة”، قبل حدوث الطوفان في 17 ديسمبر.

استقال أتباع طائفة “الباحثون” من وظائفهم وباعوا ممتلكاتهم وتركوا عائلاتهم، متوقعين أن ينقذهم طبق طائر عندما تنقسم القارة ويبتلع البحر الجديد الولايات المتحدة، حتى أنهم تخلصوا من أي شيء يحمل معادن من ملابسهم لاعتقادهم بأن المعدن سيشكل خطرًا على المركبة الفضائية القادمة!

لكن كان هناك ثلاثة ضمن الطائفة لم يكونوا مؤمنين على الإطلاق، بل كانوا باحثين في علم النفس الاجتماعي.. في وقت سابق من العام نفسه، كان فريق من الباحثين من جامعة مينيسوتا، يدرس الحركات الاجتماعية، قد علم بجماعة “مارتن دوروثي”، واعتبروها وأتباعها دراسةً ميدانيةً مثالية. وفي كتابهم “عندما تفشل النبوءة”(1)، حكى ليون فيستنجر وهنري ريكين وستانلي شاتر قصة طائفة “الباحثون” بالتفصيل.

حضر فيستنجر وفريقه مع الطائفة فشل النبوءة، فلم تظهر أي أطباق طائرة، ولم ينقذهم أي جنس متقدم من الفضاء. ثم جاء اليوم الموعود، يوم 21 ديسمبر، ومر دون أي حوادث.. كانت تلك هي اللحظة التي انتظرها فيستنجر: كيف سيكون رد فعل مجموعة أشخاص استثمروا عاطفيًا لهذه الدرجة في الإيمان بمعتقد، الآن تم دحضه بالكامل بحقائق جديدة لا تقبل الشك؟

في البداية، كافحت طائفة “الباحثون” من أجل الحصول على تفسير ما، لكن بعد ذلك بدأت ماكينة التبرير واستحضار المسوّغات، أخبرتهم “دوروثي” بوصول رسالة جديدة تعلن أنهم قد نجوا جميعًا من الدمار في اللحظة الأخيرة، فكانت رسالة الكائنات الفضائية بأن: “المجموعة الصغيرة، جالسة طوال الليل، تنشر المزيد من الضوء، لدرجة أن الإله أنقذ العالم من الدمار”.. استعدادهم للإيمان بالنبوة أنقذ الأرض من النبوءة نفسها!

ظلت أسطورة الكواكب الطائرة حاضرة في الخطابات الثقافية الهامشية منذ الخمسينيات

العوطف أولًا.. التفكير لاحقًا

في حين أن طائفة “الباحثون” قد تقع على آخر حدود طيف خداع النفس البشرية، إلا أن هناك كثيرا مما يمكن تعلمه، ومنذ زمن وأبحاث “فيستنجر”، أظهرت مجموعة من الأبحاث الجديدة في علم النفس وعلم الأعصاب كيف أن معتقداتنا المحفورة مسبقًا، أكثر بكثير من أي حقائق جديدة، يمكنها أن تحرّف أفكارنا، بل وتغيّر وتلوّن ما نعتبره أكثر استنتاجاتنا منطقية بألوانٍ مختلفة حسب عواطفنا ومشاعرنا!

يساعد هذا الميل نحو ما يُعرف بظاهرة “الاستدلال المدفوع” في تفسير ظهور مجموعات معارضة بشدة لبعض المسائل التي يظهر بها الدليل العلمي واضحًا للغاية، مثل تغير المناخ واللقاحات والأوبئة وكروية الأرض، وأشياء أخرى كثيرة، ويبدو أن توقعك باقتناع هؤلاء بالحقائق يتعارض مع الحقائق نفسها!

مصطلح الاستدلال المدفوع يشير إلى ظاهرة اتخاذ القرار بتحيز عاطفي، واصفًا دور الدوافع في العمليات المعرفية مثل اتخاذ القرارات وتغيير المواقف. وفي حياتنا، ستجد غالبًا أن منطقنا مليء بالعاطفة، لا يقتصر الأمر على الارتباط الحميم بين الاثنين، ولكن مشاعرنا الإيجابية أو السلبية تجاه الأشخاص والأشياء والأفكار تظهر بسرعة أكبر بكثير من أفكارنا الواعية، ربما في غضون أجزاء من الألف من الثانية، وقبل حتى أن ندرك ذلك.

لن يكون هذا مفاجئًا عندما تعرف أن التطور تطلب منّا قديمًا التفاعل السريع مع المحفزات في بيئتنا، فهي تعتبر مهارة أساسية للبقاء على قيد الحياة.

وكما يذكر أستاذ العلوم السياسية الأمريكي آرثر لوبيا: “نحن نبعد المعلومات التي تهددنا، ونتقرب من المعلومات المحببة لنا.. ولا نطبق ردود فعل القتال أو الهرب على الحيوانات المفترسة فحسب، ولكننا نطبّقها أيضًا على البيانات نفسها”.

بالتأكيد، لا تدفعنا العواطف فحسب، نحن نفكر ونخطط أيضًا، لكن التفكير يأتي لاحقًا، ويعمل بدرجة أبطأ، وحتى حينها لا يحدث في حيز من الفراغ العاطفي بالكامل، ويمكن أن تضعنا عواطفنا السريعة في مسار تفكير متحيز للغاية، لا سيما بشأن الموضوعات التي نهتم بها كثيرًا.

صورة خيالية لأسطورة الفضائيين

هل أنت عالم أم محامٍ؟

مثلًا، فكر في شخص سمع عن اكتشافٍ علمي جديد يتحدى بشدة معتقداته القائمة بالفعل، ما سيحدث بعد ذلك، كما يشير الباحثون، هو رد فعل سلبي لا شعوري على المعلومات الجديدة، وهذا الرد بدوره يوجه نوع الذكريات التي تشكلت في العقل الواعي.. سيسترجع الشخص الأفكار التي تتفق مع معتقداته السابقة، وهذا سيقوده إلى صنع حجة وتحدي ما يسمعه.

بمعنى آخر، عندما نعتقد أننا نفكر بمنطق سليم، قد نسوغ المبررات فحسب، أو كما أشار عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت: “قد تعتقد أنك عالم، لكنك في الواقع محامٍ”.

يبدأ التفكير المنطقي دون أن تملك إجابة أي سؤال، ثم تبحث عن تلك الإجابة دون أي تحيزات مسبقة، بينما يبدأ التبرير بإجابة تفضلها، تتوافق مع معتقداتك السابقة، لتحاول تحريف الحقائق والمعلومات لتنتج لك هذه الإجابة، هذه الإجابة فحسب!

لنفترض أنك في وسط محاكمة شخص ما، التفكير المنطقي هو فهم أن الرجل بريء حتى تثبت إدانته، وأن تبذل قصارى جهدك لتكون محايدًا ثم توازن الحقائق المعروضة وتصل إلى نتيجة نهائية، بينما يكون التبرير هو “معرفة” أن الرجل مذنب بالتأكيد، قبل بداية المحاكمة، ثم محاولة التلاعب بكل حقيقة وحجة لدعم تلك النتيجة فحسب!

تفكيرنا المنطقي هو وسيلة لتحقيق غاية محددة سلفًا، وهي كسب قضيتنا، الذي ينطلق عبر عدّة تحيزات، مثل “الانحياز التأكيدي” الذي نولي فيه اهتمامًا أكبر بالأدلة والحجج التي تدعم معتقداتنا، ونترك الأدلة الواضحة للغاية التي تناقض تلك المعتقدات! (3)

مصطلحات كثيرة، أعرف هذا، لكننا جميعًا نفهم تلك الآليات عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الشخصية على سبيل المثال، إن كنتُ لا أريد أن أصدق أن شخصا ما كاذب، أو أن طفلي متنمر، يمكن أن أبذل قصارى جهدي لتبرير السلوك الذي يبدو واضحًا للجميع. لا يعني كل ذلك أننا لسنا متحمسين أيضًا لإدراك العالم من حولنا بدقة، أو أننا لا نغير رأينا أبدًا، فنحن نفعل ذلك بالفعل. كل ما في الأمر هو أننا نملك أهدافًا أخرى أهم من تحري الدقة، بإثبات هويتنا وحماية قيمتنا الذاتية، وغالبًا ما تجعلنا تلك الأهداف نقاوم بشدة تغيير معتقداتنا المُسبقة عندما تفرض الحقائق والمعلومات علينا ذلك!

مكتبة علمية

العلماء ليسوا ملائكة.. ولكن!

نشأ العلم الحديث من محاولةٍ لاستبعاد واقتلاع مثل تلك الهفوات الذاتية، ما أطلق عليه فرانسيس بيكون، منظّر المنهج العلمي في القرن السابع عشر، “أصنام العقل الأربعة”.. لدينا مشكلة في هضم العشوائية، أدمغتنا تتوق للبحث عن الأنماط والمعنى في كل شيء من حولنا، ومع ذلك، يحذرنا العلم من أنه يمكننا خداع أنفسنا!

العالم مليء بالمخاطر الحقيقية والخيالية، وربما ليس من السهل التمييز بين الأولى والأخيرة، وفي قلب ذلك العالم المحير، علينا أن نقرر ما نصدق وكيف نتصرف على هذا الأساس. من حيث المبدأ، هذا هو غرض العلم.. العلم ليس مجرد مجموعة حقائق، العلم هو وسيلة لتحديد ما إذا كانت المعلومات التي سنصدقها لها أساس في قوانين الطبيعة أم لا، لكن تلك الطريقة في التفكير لا تأتي بشكل طبيعي لمعظمنا، ولهذا ربما نواجه المشاكل مرارًا وتكرارًا.

حسنًا، ينجذب الناس إلى المعلومات التي تؤكد ما يؤمنون به، ويختارون المصادر التي توصلهم لتلك المعلومات تحديدًا، كما كان الأمر دائمًا، أليس كذلك؟ ربما، ولكن يمكن القول إن المشكلة تزداد حدة الآن، بالنظر إلى الطريقة التي نستهلك بها المعلومات حاليًا، من خلال روابط صفحات التواصل الاجتماعي على فيسبوك، أو التغريدات التي تفتقر إلى السياق، أو مقاطع الفيديو المنتشرة بكثرة على يوتيوب التي يعتبرها البعض مصادره العلمية التي لا تُدحض!

حتى بالنسبة للعلماء، يعتبر المنهج العلمي نظامًا صعبًا، ومثلنا جميعًا، فهم معرّضون لذلك الخداع كـ”الانحياز التأكيدي”، لكن على عكسنا، فإنهم يقدمون أفكارهم إلى مراجعة الأقران الرسمية قبل نشرها، وبمجرد نشر نتائجهم، وحال كانت مهمة بما يكفي، سيحاول علماء آخرون إعادة إنتاجها، ولأنهم متشككون وتنافسيون بالفطرة، فسيطيرون من السعادة للإعلان عن أن تلك النتائج لم تصمد في اختباراتهم.. النتائج العلمية غالبًا ما تكون مؤقتة، وعرضة للتغير من خلال بعض التجارب أو الملاحظات المستقبلية، ونادرًا ما يعلن العلماء حقيقة مطلقة أو يقينا مطلقا.

لكن العلم سيبحث ويحاول الوصول لتلك الحقيقة، ربما يخطئ في البداية، كطفل يخطو أولى خطواته متشككًا وباحثًا حوله في طريقه، ربما في المرة الأولى وربما في الثانية، لكنه في نهاية الطريق سيكتشف الحقيقة المجردة، دون أهواء أو تحيزات أو عواطف أو معتقدات مُسبقة!

وكما تقول المعلمة الأمريكية القديمة ماري ماكلويد بيثون: “عندما ننطلق للبحث عن الحقيقة، لا ينبغي أن نفترض أننا نعرف على وجه اليقين ما الحقيقة”.

في نهاية المطاف، كل ما يمكننا الاعتماد عليه حاليًا هو حقيقة أننا جميعًا لدينا غمامات على أعيننا في بعض المواقف، ليصبح السؤال بعد ذلك: ما الذي يمكن فعله لمواجهة الطبيعة البشرية ذاتها؟ الآن، هناك تغيير سريع للغاية، بصورة قد لا نستوعبها أحيانًا، وهو أمر مخيف بالتأكيد..

لقد جعلنا العلم الكائنات الحية المهيمنة على الكوكب، إلا أننا نُغيّر الكوكب بأسره، بالطبع نحن محقون في طرح أسئلة حول بعض الأشياء التي سمح لنا بها العلم والتقنية الحديثة.

كل شخص عليه أن يتساءل ويتشكك، فهذه هي سمة العلماء المميزة، ولكن عند البحث ينبغي علينا استخدام المنهج العلمي، أو الوثوق بالأشخاص الذين يستخدمون ذلك المنهج العلمي، لتحديد الطريقة التي نجد بها إجابات تلك الأسئلة.. نحن بحاجة إلى التطور كثيرًا في العثور على الإجابات، لأنه من المؤكد أن الأسئلة لن تصبح أكثر سهولة!

- المراجع

  1. Festinger, L. (1956). When Prophecy Fails: A Social and Psychological Study of a Modern Group That Predicted the Destruction of the World. Chicago, United States: Harper-Torchbooks.
  2. Kunda, Z. (1990). The case for motivated reasoning. Psychological Bulletin. doi:10.1037/0033-2909.108.3.480
  3. Haidt, J. D. (2001). The emotional dog and its rational tail: A social intuitionist approach to moral judgment. Psychological Review. doi:10.1037/0033-295x.108.4.814

 

محمد يوسف

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى