وجهات نظر

معضلة طالبان في المشهد الأفغاني

ألقت التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد وصول جو بايدن إلى سدة السلطة، وانتهاء ولاية سلفه دونالد ترامب، بظلالها على المشهد السياسي الأفغاني، خاصة بعد تعثر عملية السلام الأمريكية مع حركة طالبان المتشددة، نتيجة ما أبدته إدارة بايدن من تباطؤ مقصود تجاهها، وذلك رغم أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من وضع نهاية للعنف والصراع المسلح هناك، بررته واشنطن لاحقا بـأنها في حاجة لمراجعة الاتفاقية التي أبرمت في فبراير 2020، لاغية كل ما توصل إليه الطرفان من بنود واتفاقيات بعد سلسلة من اللقاءات الهامة جمعت طالبان بالمبعوث الأمريكي “زلماي خليل زاده” في العاصمة القطرية، ما جعل مستقبل إنهاء الصراع المسلح في أفغانستان مرتهنا بحجم الدور الذي ستلعبه إدارة بايدن تجاهها، ومدى قبول كل من حركة طالبان والحكومة الأفغانية له.

ومع تحول الوجهة السياسية للإدارة الأمريكية وما لحق بعملية السلام من تجميد، لحين تبلور رؤية واضحة من قبل الإدارة الجديدة واستشعار حركة طالبان أن التردد القائم من قبل إدارة جو بايدن للتأكيد على خروج القوات الأمريكية في الموعد المقرر لها في مايو المقبل ربما قد يمثل تراجعا عن سياسات سلفه ترامب وفرض رؤية جديدة مناقضة له، وجه الملا “عبد الغني برادر آخند”، رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان، في مقابل ذلك، رسالة مباشرة إلى الشعب الأمريكي هي الأولى من نوعها يشرح خلالها رؤية الحركة في مسيرتها السياسية على كل الأصعدة السياسية الداخلية والخارجية والاجتماعية والحاجة إلى الأمن والاستقرار، والنقطة الأبرز التي حملتها رسالة الملا: “أنه لا سبيل عن المفاوضات من أجل وقف الصراع القائم في أفغانستان”.

الدب الروسي في الساحة الأفغانية

كان الدب الروسي يسترق السمع ويقف على مسافة قريبة من سير الأحداث في المشهد الأفغاني، إلا أنه لم يشعر بضرورة التحرك وسرعة إبداء موقف في سير عملية السلام المتعثرة إلا حينما صعّدت “طالبان” من عملياتها العسكرية ضد قوى الأمن الأفغاني، فيما باتت تتمدد جغرافيا بشكل أكبر من سابقه مستغلة التحولات التي تعايشها الدولة الأمريكية وتباطؤ إدارة بايدن في إبداء موقف فاعل تجاه هذا الملف .

في أعقاب ذلك، ظهر المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشأن الأفغاني “ضمير كابولوف” من خلال الدعوة إلى قمة “روسيا للسلام” لجمع كافة الأطراف الأفغانية المتصارعة، وذلك لوقف تمدد “طالبان” بعد أن باتت تسيطر بشكل كبير على ما يقارب من ثلاثة أرباع المساحة الكلية لدولة أفغانستان، وهو ما لا ترغب فيه روسيا من أن تستأثر حركة أصولية متشددة وحدها بالمشهد الأفغاني، إذ لا تزال روسيا تنظر إلى أفغانستان على كونها أحد مستعمراتها القديمة فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، الذي خرجت منه إثر هزيمة كبيرة في العام 1989م، وهو ما يفسر حرصها الدائم على لعب دور رئيس في مستقبل الدولة الأفغانية.

وأثناء الجلسة التي جمعت الفرقاء السياسيين الأفغان على الطاولة الروسية، دعا وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الجميع إلى ما وصفه بـ”تقديم تنازلات” لأن ما يحدث على الأرض يعيق إتمام عملية السلام -حسب وصفه- مايعنى تحذيره من تشبث كل طرف بموقفه وتعنته إزاء الحلول المقترحة، سواء أكانت حركة طالبان أو السلطة السياسية القائمة، وعلى رأسها الرئيس الأفغاني “أشرف غنى” من أجل دعم الثقة المتبادلة بين الجانبين الأفغانى “الحكومى” وحركة طالبان .

وتتبلور الرؤية الروسية لحركة طالبان في أنها لا تريد القضاء على الحركة ، بل ترغب بما لديها من خبرة كبيرة في تعاملها مع الحركات والتيارات الإسلامية الأصولية، خاصة في دول مثل الشيشان وطاجيكستان وكازاخستان وغيرها في نسج علاقة من نوع خاص مع القيادة الجديدة للحركة التي تؤكد على محليتها وعدم ارتباطها مع الجهادية العالمية رغبة في توظيفها لمواجهة كل من تنظيمي القاعدة وداعش وخاصة الأخيرة التي تناصبها العداء هذا من جهة.

وتتعامل الدولة الروسية مع الحركة انطلاقا من واقعيتها ووجودها كفاعل رئيس في الدولة الأفغانية والعمل على توثيق علاقتها بكل الأطراف داخلها، وعلى رأسهم حركة طالبان ما يقرب روسيا من مضيق هرمز الاستراتيجي وينازع الولايات المتحدة الأمريكية في نفوذها هناك ،من جهة أخرى .

تركيا تدخل على الخط.. وإيران تتمسك بحضورها

كان اللافت في ملف تعثر عملية السلام الأفغانية بعد تغير الإدارة الأمريكية تعدد الفاعلين الدوليين الراغبين في تقديم خارطة طريق للخروج من هذه الأزمة ولعب دور جاد يهدف إلى نزع فتيلها وتثبيت عملية السلام ودعم الاستقرار في البلاد، ومن بين هذه الفواعل كانت تركيا التي سعت جاهدة في إيجاد موطئ قدم في سير المحادثات الطالبانية الأفغانية الأمريكية منذ بدايتها، وذلك بالتنسيق مع الدوحة، الأمر الذي دفعها وعلى لسان “مولود تشاويش” أوغلو وزير الخارجية التركي إلى الدعوة لعقد اجتماع خاص حول الحركة في إسطنبول خلال أبريل المقبل.

وتحظى تركيا بقبول كبير لدى الأطراف الأفغانية كافة سواء كانت السلطة السياسية الحالية أو المعارضة وحركة طالبان، وهو ما يعزز من فرضية قدرتها على التأثير في سير المفاوضات بين كل الأطراف المتصارعة في الداخل الأفغاني، فضلاً عن ثقة “طالبان” في الجانب التركي بشكل أكبر من غيره، ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تقبل بالوجود التركي كمراقب لسير المفاوضات السابقة برعاية قطرية.

ولم تكن الجارة إيران راغبة في الغياب عن مجريات الأمور بالمشهد الأفغاني فاتجهت لاستقبال حركة طالبان في العاصمة طهران، في زيارة هي الأولى من نوعها للحركة منذ بدء مفاوضات السلام بينها والحكومة الأفغانية ، في محاولة منها إثبات حضورها، في ظل الحديث عن تحسن كبير في العلاقات وتقارب ملحوظ بين الجانبين الإيراني وحركة طالبان، وذلك للتباحث في سير عملية السلام المتعثرة وما يشغل طهران بالأساس هو الملف الأمني ، خاصة على الشريط الحدودي المحاذي لكل من إيران وأفغانستان وعدم تسلل الدواعش وغيرهم من خلالها إلى إيران، واستهدافها الشيعة في الداخل الأفغانى .

إدارة بايدن وخطة سلام جديدة

مع تصاعد وتيرة الأحداث في المشهد الأفغاني ودخول فواعل جدد على خط المحادثات مع حركة طالبان، ارتـأت إدارة بايدن ضرورة رسم ملامح جديدة لتصوراتها للملف الأفغاني، ذلك بعد عملية مراجعة ومن ثم تقييم للنتائج التي خلصت بها الإدارة الأمريكية السابقة لعملية السلام الأفغانية وعنونتها بـ”خطة سلام”.

إذ كُشف عن رسالة مسربة من وزير الخارجية الأمريكي أنطوني ج. بلينكين إلى الرئيس الأفغاني أشرف غنى تتضمن خطة السلام الأمريكية، عبر تشكيل حكومة انتقالية بدلاً من الحكومة الحالية، وإدارة تنفيذية يختارها الجانبان لحين الاتفاق على دستور جديد وإجراء انتخابات، ثم تتولى الإدارة الانتقالية شؤون البلاد بقيادة رئيس للبلاد يختاره الطرفان، وتخضع لإشراف ومراقبة لجنة مشتركة تعمل على وقف إطلاق النار بين الجانبين الأفغاني والطالباني، وبعض البنود الأخرى التي تتقاطع مع الرؤية السابقة للإدارة الأمريكية المنقضية .

في الواقع يبدوا أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في إنهاء الصراع بشكل واقعي لا يأتي على حساب طرف دون آخر، وبصورة تنسجم بين كل الأطراف الفاعلة في المشهد الأفغاني، وفي ذات الوقت تخشى التعجل من سحب القوات الأمريكية ولا يعني انسحاب جنودها تخليها عن مراقبتها للوضع الأمني والمشهد السياسي والمجتمعي في أفغانستان، وستظل باقية بأجهزتها الاستخباراتية وتمثيل عسكري يراقب التحولات المصاحبة لرحيل القوى العسكرية الأمريكية – في حال تحقق ذلك، وهو ما يدلل على أن سحب الولايات المتحدة الأمريكية لجنودها من أفغانستان قد يستغرق وقتا أطول .

طالبان والحكومة الأفغانية

تمثل كل من حركة طالبان والحكومة الأفغانية الحالية الفاعلين الرئيسين في المشهد السياسي الأفغاني، إلا أنهما على طرفي نقيض، ويمثل كل واحد منهما وجهة أيديولوجية وفكرية وسياسية مغايرة عن الآخر، ففي حين تتبنى حركة طالبان رؤية إسلامية أصولية تنطلق من خلالها لتقدم دولة أفغانستان على كونها إمارة إسلامية، تطرح السلطة السياسية الأفغانية الحالية برئاسة “أشرف غنى” رؤية علمانية وليبرالية في سياق الدولة الوطنية.

ومن وقت لآخر يتبادل الطرفان الاتهامات والانتقادات، ومؤخرا ندد الرئيس الأفغاني بممارسات وتحركات طالبان العسكرية والسياسية وتوعدها بأنها لن ترى حكومة مؤقتة طالما بقي على قيد الحياة، وعلى الضفة الأخرى ترفض طالبان بشدة فكرة الحكومة التشاركية المؤقتة -التي نقل صيغتها وزير الخارجية الأمريكي– حسب ما ورد على لسان ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان، فضلا عن وصف حركة طالبان لها –أي الحكومة التشاركية– أنها فكرة مجربة وفاشلة.

وتتهم الحكومة الأفغانية طالبان بأنها خرقت الهدنة التي فرضتها المحادثات التي جمعت بينهما بالعاصمة القطرية الدوحة برعاية قطرية، وتنتقد طالبان الحكومة الأفغانية أنها لم تلتزم بإطلاق سراح أعضاء حركتها ضمن البنود التي شملتها الاتفاقية ولا يزالون يقبعون داخل السجون الأفغانية .

فك الارتباط مع القاعدة ومواجهة داعش

تمثل قضية فك الارتباط مع التنظيمات الإسلامية الجهادية وحركة طالبان من المسائل الهامة التي تقف على رأس العناوين التي يتم التباحث حولها بين الحركة وكل الأطراف المتحاورة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس “أشرف غنى”.

وتعهدت الحركة منذ إطلاق سلسلة المباحثات مع إدارة ترامب بفك ارتباطها وعدم إيوائها لأيٍ من المحسوبين على القاعدة أو القريبين منها أو التعاون مع التيارات المماثلة في الشطر الباكستاني، مع التأكيد المستمر من قبل الحركة على محليتها كحركة إسلامية وطنية .

في موازاة ذلك تحتاج الدول الراعية للاتفاق وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لحركة طالبان في مواجهة تنظيم الدولة داعش والقائمة في هذه الجغرافية تحت مسمى “ولاية خراسان” متكئة على حجم العداوة الشديدة بينهما، ولعل استهداف الحركة لعناصر داعش وحجم الدعاية الإعلامية الداعشية لقتال طالبان يتقاطع مع رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على داعش.

مستقبل سير المفاوضات وعملية السلام

تمتلك حركة طالبان الكثير من أوراق الضغط، التي تخول لها المضي قدما في التمسك بشروطها، وعلى رأسها خروج القوى العسكرية الغربية من أفغانستان، لكنها بالتوازي مع ذلك لديها من المرونة التي تجعلها تتقدم خطوة وترجع أخرى للوراء في سبيل تحقيق ما ترنو إليه .

ومن المتوقع أن تقبل “طالبان” بتمديد بقاء القوات الأجنبية، بعد أن كانت من المفترض أن تغادر في مايو المقبل، ولكنها لن تتنازل عن هذا الشرط مطلقا، وهو ما تعيه الدول الراعية لمحادثات السلام الأفغانية.

لن تقبل السلطة الأفغانية بشراكة مع حركة طالبان، ولن يفضى اختلاف الرؤى وتشبث كل طرف بموقفه إلا بإطالة أمد المفاوضات، خاصة وأن “طالبان” لن تتخلى عن سلاحها يوما، الذي تراه السبب الرئيس الذي لولاه ما جلست على طاولة المفاوضات مع كبرى دول العالم، ويدفع ذلك إلى أن خطة السلام التي اقترحتها الولايات المتحدة الأمريكية وأرسلتها عبر وزير خارجيتها ولدت ميتة، وهو ما يجعل بقاء القوات الأمريكية والذي يعد مطلبا حكوميا أفغانيا باستثناء طالبان، أمرا واقعا وأن مسألة انسحابه في الوقت القريب أمر يصعب حدوثه.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى