المغامرة المصرية في المكسيك

“يرى الرئيس أن الزنوج (سكان إفريقيا الأصليون) لا يُمكِن أن يتم توظيفهم كجنود بشكلٍ صحيح لتخريب مؤسسات سياسية قائمة، أو لإزعاج المجتمع في القارة الأمريكية”.

هكذا أرسل “هنري سيوارد”، وزير الخارجية الأمريكي في عهد “إبراهام لينكولن”، هذه البرقية الغاضبة عندما أوشك جنود مصر أن يكونوا عند أبعد نقطة ممكنة جغرافيًّا عن الوطن(1). فقد خدمت فرقة كاملة مع القوات الفرنسية التي تدخَّلت في المكسيك من عام 1863 حتى 1867م. وهذا هو الوقت الوحيد الذي خدمت فيه وحدة عسكرية نظامية من القوات الإفريقية فيما سُمي وقتها “العالم الجديد”، وكان ذلك نتيجة سياسات مصر المنحازة لفرنسا، إضافة للسمعة الطيبة لقوات مصر المسلحة، ونظريات سادت وقتها تقول إن الأفارقة لديهم مقاومة عالية للأمراض الاستوائية، ما تسبَّب في انقطاع العلاقات بين مصر والولايات المتحدة حتى خمسينيات القرن العشرين(2).

هنري سيوارد وزير الخارجية الأمريكي (1861 - 1869)

وعلى النقيض، فهذه العلاقات كانت وديَّة عند بداية الحرب الأهلية الأمريكية، فقد قام “سعيد باشا”(3) خديوي مصر من 1855-1864م، بإغلاق موانيه البحرية أمام السفن التي ترفع العلم الاتحادي، كما عرض على السلطات الفيدرالية شراء الأسلحة الصغيرة المصنوعة في مصر(4)، ومع ذلك، فقد تجاوز موقفه السياسي الموالي لفرنسا هذه الصداقة طوال فترة حكمه. ولعل أحد الأمثلة الواضحة على إصابة “سعيد” بـ”جنون فرنسا”، الشروط التفضيلية بشكل مفرط التي قُدِّمَت لفيرديناند ديليسبس وشركته الخاصة بقناة السويس، وقد كادت القوات المسلحة، وتصاميم الأزياء الرسمية، والأسلحة، والتكتيكات، والمستشارون العسكريون، أن يكونوا جميعًا فرنسيين بشكلٍ حصري(5).

لم يكن مفاجئًا -إذن- أن استُقبل طلب “نابليون الثالث” المساعدة العسكرية بشكلٍ إيجابي، فقد احتاج الإمبراطور الفرنسي الذي تورَّط في مغامرة خطرة لتأسيس دولة مكسيكية تابعة له، إلى من يساعده في تدمير “بينيتو خواريز” وقواته الجمهورية، وكانت المقاومة القوية مؤشرًا على إمكانية أن تطول الحملة العسكرية، فالنصر كان يتطلَّب جيشًا جيد الإعداد والعُدَّة(6).

تَركَّز النجاح حول السيطرة على “بيراكروز”، ميناء المكسيك الرئيسي على البحر الكاريبي ومفتاح العاصمة، ورغم أهميتها للجهود الفرنسية العسكرية؛ فإن المدينة كانت ذات سُمعةٍ مرعبة، فالمستنقعات، والبُحيرات، والغابات القريبة؛ شكَّلت جميعها حزامًا من الملاريا، والحُمَّى الصفراء، والأمراض الاستوائية المميتة، والتي تنتشر عن طريق أسراب البعوض. إنها أمراضٌ خبيثة لم تكن علوم الطب وقتها قادرةً على إيقافها، ما أدى إلى ارتفاع مُعدَّل وفيات القوَّات المتمركزة هناك، حتى إن المقبرة المحلية كان يُطلَق عليها بشكل ساخر “حديقة التأقلُم”(7).

الكتيبة المصرية بالمكسيك (1863 – 1867)

بالطبع هناك من نجا، وأصبح لهؤلاء الجنود المخضرمين الذين خاضوا معارك كثيرة مناعة معقولة ضد الهجمات المُتكرِّرة للأمراض، وأصبح يُنظَر لهم على أنهم ذوو قيمة عالية بشكلٍ خاص للانتشار والتمركز حول “بيراكروز”.

كانت القوات ذات تلك الطبيعة القوية غير متوافرة في فرنسا، وكانت مصر تحوز أعدادًا مُعتَبَرة منها في جيشها، فالمديرية الاستوائية، وهي المنطقة التي تُموِّل العديد من الأفواج السودانية بالرجال، كانت ظروفها البيئية مشابهةً لـ”بيراكروز”، فضلًا عن محافظة الجنود المصريين على سمعتهم كمقاتلين من الطراز الأول، وأثبتوا ذلك حديثًا في حرب القِرَم(8)، وهكذا لم يكُن مفاجئًا أن يطلب الفرنسيون من الخديوي سعيد أن “يُقرِضهم” فرقةً من السودان، لتخدم مع القوات الفرنسية في المكسيك، ووافق الخديوي على ذلك أواخر عام 1862م. متشوِّقًا لإسعاد أصدقائه وشاعرًا بالأمان بعد عِلمِه أن كل النفقات ستغطِّيها فرنسا، ثم هرب الخديوي بعدها سريعًا في رحلةٍ نيلية ليتجنَّب مجاملات الأمريكان، فيما عارض مندوبو العثمانيين والإنجليز هذه المغامرة(9).

تم تحريك 450 رجلًا من فوج المُشاة التاسع عشر، ونقلهم إلى ثكنات المكس بالإسكندرية بأكبر قدرٍ من السِرِّيَة، وفي وقتٍ متأخر من مساء ليلة الثامن من يناير 1863م، وتحت قيادة البُمباشي (رائد) جَبْرَت الله محمد، وقد استقلَّت هذه القوات مركبًا فرنسيًّا، وبدأت مغامرةً جامحة، كانت الأولى والوحيدة، التي حاربت فيها قواتٌ إفريقية نظامية في العالم الجديد(10).

الخديوي سعيد

بعض هؤلاء الرجال كانوا محاربين مُحنَّكِين، خاضوا معارك في حروب الحدود الإفريقية لمصر، فيما كان الآخرون جُدُدًا، ولكنهم جميعًا كانوا صغار السن إلى حدٍّ ما، ورغم التوترات والإجهاد الناجم عن رحلة البحر الطويلة؛ فإن براعتهم القتالية وتنظيمهم الممتاز وملابسهم العسكرية الأنيقة جعلتهم يحوزون تقديرًا فوريًّا عند نزولهم “بيراكروز”، وقد وصف “ويليام م. أندرسون”، وهو شاهد عيان أمريكي، هؤلاء السودانيين بأنهم “طوال القامة، مستدقو القوام مثل أشجار النخيل في بلادهم، جلودهم سوداء كالقار وثيابهم بيضاء كالثلج، بالِغي الأناقة في الشخصية والهندام، وهم دَوْمًا متأهبون للاستعراضات العسكرية…”(11).

كانت مهامهم الأولى هي التمارين والتدريبات العسكرية، فالجيش الذي سانَد الإمبراطور الدمية “ماكسيميليان” كان يتكوَّن من قوَّات بلجيكية، ونمساوية، وبولندية، ومجريَّة، وفرنسيَّة، ومكسيكية، وبالتالي احتاجت القوات المصرية المُشارِكة أن تتعلَّم كيف تنسجم مع تلك القوة متعدِّدة الجنسيات(12).

وقد ظهرت أثناء تلك الفترة مشكلتان؛ أولاهما أن عدد الضباط كان ثلاثة فقط، وهو عدد أقل من اللازم بالنسبة لكتيبة، وقد تفاقمت تلك المشكلة في شهر مايو مع موت “جَبْرَت الله محمد”، وثانيهما كانت “مَن سيعطي التعليمات والإرشادات لهؤلاء السودانيين الناطقين بالعربية؟”.

تمَّ التغلُّب على المُشكِلتين بترقية الرقباء القدامى إلى رتبة ملازم، فيما تمت ترقية المُلازِمَيْن الأصليَّيْن إلى رتبة نقيب، وأصبح اليوزباشي (نقيب) محمد ألماس قائدًا، وبالنسبة للمُعلِّمين، فقد قام العقيد الفرنسي “زواف” بالإضافة إلى ضباط الصف الجزائريين(13) بتأمين الدروس باللغة العربية، وخلال أربعة أشهر كان الصف قد انتهى، وأصبح المصريون جاهزين للانتشار.

كانت الاستراتيجية العامة تقتضي أن تنقسم الكتيبة إلى أربع سرايا، تُعْطَى لاثنتيْن منهما مهام مُحدَّدة للحراسة والدوريات حول “تيخيريا” و”سولداد”، بينما تبقى الاثنتان الأُخريان في “بيراكروز” كقوات احتياطية.

كل السرايا كانت تقوم بمهامها في الحرب ضد الأحزاب بمُصاحَبة مفارز من الفيلق الأجنبي، والقوات الإمبراطورية المكسيكية، والقوات غير النظامية المُقاوِمة لحرب العصابات(14).

التدخل الفرنسي في المكسيك

وقد شهد ربيع وصيف عام 1863م معركة مثاليَّة، إذ شَنَّ 300 مقاتل حِزبي هجومًا على الخطوط الحاجِزة، ومحطات القطار الرئيسية والوسطى الخاصة بالحرس المصري، وحاربهم 17 جنديًّا حتَّى ألجئوهم إلى التوقُّف التام ثم قاموا بمطاردتهم!

وفي الثاني من مارس 1865م، أثبَتت القوات المصرية مرةً أخرى جَلَدَها وقوتها على الاحتمال في الظروف القاسية، فقد أوقَع 800 مُقاتل من أفراد العصابات المُسلَّحة تلك القوات في كمينٍ على أرضٍ وعِرة، وقد قُتِل قائد القوات المصرية الفرنسي، وتم تثبيتهم في أماكنهم بواسطة القنَّاصة الثقيلة، إلَّا أن المصريين قاموا بهجومٍ مُضاد، فشكَّلوا رَتْلَيْن للهجوم، وقاموا بالتنسيق بمهارة مع نيران المدفعية الصديقة، وهجموا على الموقع المكسيكي، فكانت النتيجة انتصارًا آخر لجنود النيل. وبحلول يوليو بدأت الإخباريات الفرنسية تحمل أسماء مُمَيَّزة غير غاليَّة (نسبةً إلى بلاد الغال)، مثل: كوكو آدم، وفرج الزين، وحسين أحمد، واتفق معظم المُراقِبين على أن المصريين قاتلوا “بدمٍ بارد نادر المثال والنظير”(15).

ومع حلول عام 1865م، كان “أطفال الصحراء الإفريقية الشجعان أولئك” عاملًا هامًّا في الدفاع عن “بيراكروز” وخطوط إمدادها إلى “مكسيكو سيتي”(16). وفي أغسطس قام رَتْلٌ ضخم من 300 رجل، أكبر حشد للمصريين على الإطلاق، بإزالة معاقل القوات الحِزبية قرب “كوتاكستِلَّا”، و”ميديلين” و”سوليداد”، تلا ذلك زيادة حركة 50 منهم بشكل كبير بتحوُّلِهم إلى جنود بسلاح الفرسان، وقاتلوا في العديد من الاشتباكات والمعارك الصغيرة في هذه المنطقة، ونظرًا لكونهم انتصروا في كل مواجهة خاضوها تقريبًا، فقد أصبح المصريون ذوو الزي الرسمي الأبيض المُتألِّق، هم لعنة قوات المُقاوَمة المحليَّة(17).

جنود مصريون وسودانيون في حرب المكسيك

تزوَّد المصريون الذين خدموا في المكسيك بالطعام بشكل جيد، وتمَّ تزويدهم بالعتاد الفرنسي عندما بدأت مُعدَّاتهم بالتخاذل والإخفاق، وكمثال يُمكِن رؤيته على ذلك حصتهم من الخمر الإمبراطوري، فنظرًا لأن استهلاكهم للخمور ينتهك مُعتقدًا رئيسيًّا في الإسلام، فقد تم صرف القهوة والمزيد من السكر بدلًا من الخمر، علاوةً على اللحوم التي كانت تأتي حيَّة، وبهذا يُمكِن للحيوان أن يُذبَح بالطريقة الإسلامية الصحيحة، وارتفعت المعنويات أكثر عندما اكتشف الجنود المُسجَّلون أن أجورهم ضعف المستوى المُعتاد للأجور، وهكذا ساعدت كل تلك الإجراءات في جعل المصريين قوّة نخبة، ومن أفضل القوات في الفرقة الفرنسية(18).

ورغم مكانتهم العالية، فإن قاعدة “التوتُّر” التي صكَّها الاستراتيجي الشهير “كلاوسفيتز” في كتاب “عن الحرب” سرعان ما أدركت هؤلاء الرجال، ففي بواكير عام 1864م، قدَّم المصريون ما يُفتَرَض أنها عريضة التماس جماعيَّة ليعودوا إلى وطنهم، ولِكَوْن الغالبية الساحقة من القوات والأرتال أميَّة، ولِكَوْن الكتيبة حافظت على سجلٍ رائعٍ من الإنجازات، فقد تم ترجيح أن تكون تلك العريضة من عمل قلةٍ ساخطة، ومع ذلك، نالت الخسائر البشرية مع الإرهاق والمرض من قوة الكتيبة، وأصبحت التعزيزات مطلوبة(19).

مات حينئذ الخديوي سعيد وخَلَفَه إسماعيل باشا، ورغم أن الخديوي الجديد لم يكن كسَلَفه مواليًا للفرنسيين بشكلٍ أعمى، فإنه رغب في إقامة علاقات طيبة مع نابليون الثالث، وعرض إرسال بدائل لقواته، وقد عارَضت الولايات المتحدة هذا الأمر بشدة، ومع انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية فقد أصبحت الولايات المتحدة قادرةً على دَعْم مبدأ مونرو الخاص بها بكل ما أوتيَت من قوة(20).

الخديوي إسماعيل

وفي لقاءٍ جمع إسماعيل وتشارلز هيل، القنصل العام الأمريكي، تفاخر حاكم مصر بأن واحدًا فقط من “زنوجه” توفي بالحمى الصفراء، وأن البِنيَة الجسدية الطبيعية لهم “مقاوِمةً لمثل تلك الأمراض”(21)، فرَدَّ “هيل” مُحذِّرا: امتلكَت الولايات المتحدة مُؤخَرًا أكثر من 100 ألف مُسلَّح من نفس الجنس، وهؤلاء الرجال يناسبون الخدمة في مصر بشكلٍ خاص، وذلك إذا تم تفعيل مبدأ التدخُّل الوحشي.. من جانبنا على سبيل الرَّد.. فما قام الباشا بفِعله في المكسيك بناءً على طلب قوةٍ أخرى قد تفعله الولايات المتحدة في مصر بناءً على طلب بعض القوى الصَديقة(22).

غيَّر إسماعيل موقفه، وقَلَّل من الفُرَص الفرنسية في النصر، ووضَّح أنه يجب عليه أن يحافظ على الكتيبة بقوَّتِها الكاملة بِناءً على الاتفاقات السابقة التي أبرمها سعيد، ولكنه لن يرسل وحدات إضافية. وأضاف “شريف باشا”، وزير الخارجية، أن القوَّات المصرية في المكسيك تُعاني من “الحنين إلى الوطن” أكثر من مُعاناتها من الطقس أو نيران العدو، وأن هؤلاء الرجال من دُفْعة عام 1863م العسكرية، وبالتالي فإن مدة خدمتهم انتهت(23).

بعض هذه الادِّعاءات كان صحيحًا بشكلٍ جُزئي، فالجنود السودانيون كان يغلب عليهم الخدمة لفتراتٍ طويلة، ونتيجة لذلك فإنهم غالبًا ما كانوا يُكوِّنون عائلات ويُنشِئون علاقاتٍ مع أهالي المدينة التي يُرابِطون فيها، ونَظَرًا لأنه لم يعُدْ أحدٌ بعد من القوَّات الأصلية المُشارِكة، فقد استُقبِلَت طَلَبات التعزيزات بشكلٍ ضعيف، وفِعلِيًّا رأت القوَّات المُسجَّلَة الجاهِلة والضعيفة التعليم في الخدمة بالمكسيك حُكْمًا بالموت، وفي يوليو 1865م، عندما وقع الاختيار الفِعلي على الفوج الرابع الساخِط لإرسالِه كبديل، كانت النتيجة تمردًا مفتوحًا ومعركةً كُبرى في مدينة “كاسالا”(24).

الحرب الفرنسية المكسيكية

ورغم كسر ذلك التمرد، فإنه أَوقَف خطط التحرك، حتى إن التعزيزات لم تصل الإسكندرية إلَّا في نوفمبر، وحتى عند ذلك الوقت، كانت الأعداد غير كافية نتيجةً لوجود عجز، ما جعل النوبيِّين المحليِّين والسودانيين بدائل مُحتَمَلة، وأثناء ذلك ادعى “هيل” أنه “لا يُمكِن إقناع بوَّاب أسود بفتح الباب ليلًا خوفًا من إجباره على الجنديَّة.. وقد هرب العديد من الخدم السود للاختباء في الصحراء بينما كانت مُباشَرة التجنيد إلى المكسيك قائمة”(25).

وبوصول التعزيزات إلى المكسيك في ديسمبر 1865م، تم نشرها سريعًا ضد النشاط المُتصاعِد للقوَّات الحِزبية، فقد نالت قوَّات “خواريستا” دعمًا دبلوماسيًّا وإمدادات عسكرية من إدارة جونسون، وانقلبت دفَّة الحرب ضد فرنسا، ولم يعُد نابليون الثالث راغبًا أو قادِرًا على مواجهة النزاعات المُتصاعِدة، فقرَّر وقف خسائره وحل مشاكله، فتخلَّى عن فكرة أن يكون إمبراطورًا على المكسيك(26).

قاتَل الجنود المصريون في 48 اشتباكًا أثناء الحرب، وغطوا الانسحاب الأخير للقوات الفرنسية في بواكير عام 1867م. وكانوا من بين آخر من رحل من القوات، ومع ذلك استمروا في إبهار وإثارة إعجاب الصديق والعدو، وأصبحوا أكثر الوحدات الإمبراطورية التي نالت أوسمة، فخلال أربع سنواتٍ من القتال، نال المصريون 56 ميدالية عسكرية، مع 11 جائزة “فيلق الشرف”، ثم كان الأثر القوي بترقية المُشير “إيلي فوري” لرُبع العساكر إلى رتبة الجنود الأوائل، وهي رتبة خاصة كانت شارتها وراتبها المرتفع تُميِّز الجندي المقاتل من الدرجة الأولى(27).

استعدادات وتجهيزات الجنود للمعركة

بقي تكريمٌ أخير، فأثناء عودة الكتيبة المصرية إلى الوطن طلب أفرادها أن يقضوا تسعة أيامٍ في باريس كضيوف على نابليون الثالث، وهناك اشتركوا في عرضٍ عسكري أمام الإمبراطور وتحت أنظار سِردارهم (رئيس الأركان) شاهين باشا غِنج، ونالت الكتيبة بأكملها ميدالية الحملة المكسيكية بشريطها المُميَّز للغاية، وهي جائزة لاحظها العديد من الكُتَّاب الذين زاروا السودان في الفترة بين سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر(28).

بعد ذلك، عادت الكتيبة إلى الوطن ونال كل الضباط ترقيةً إلى رُتبةٍ أعلى، وأمر إسماعيل باشا بأن يتفرَّق الرجال ويتوزَّعوا على الأفواج السودانية، رغم الطلبات التي قدَّمَها مُرتَزِقته الفرنسيون الذين رغبوا في بقاء الكتيبة كوحدة تدريب(30).

ويُعلِّق الرحَّالة والمُستَكشِفون والمُرتَزِقة الأجانب غالبًا على هؤلاء الرجال، إذ يُمكِن بسهولة تمييزهم بمشيتهم العسكرية وبميدالية الحملة المكسيكية شديدة الوضوح، والتي تُمثِّل نسرًا وثعبانًا تمت خياطتهما على شريطٍ عريض أبيض اللون.

بقلم: جون دَن
الهوامش

1- Seward to Hale, 14 Dec. 1865, in US Dept of State, Diplomatic Instructions of the United States, 1801-1906, The Barbary Powers, National Archives, Washington DC.

2- The definitive history of Egypt’s Mexican adventure is by Richard Hill and Peter Hogg: A Black Corps d’Elite: An Egyptian-Sudanese Conscript Battalion with the French Army in Mexico , 1863-1867, and Its Survivors in African History (East Lansing, MI,1994). See also D. and A. Crecelius, ‘An Egyptian Battalion in Mexico’, Der Islam(Fall 1976), pp 70-86; R. Kirk, ‘The Sudanese in Mexico’, Sudan Notes and Records XXIV (1941), pp. 113-30; Raveret and Dellard, ‘Historique du Bataillon Negre Egyptien au Mexique (1863-1867)’, Revue d’Egypte (june 1894), pp. 43-53; (July 1894), pp. 104-23; (Sept. 1894), pp. 230-45; (Oct. 1894), pp. 272-86;

والأمير عمر طوسون باشا، بطولات الأورَط السودانية والمصرية في حرب المكسيك (الإسكندرية، 1933).

ومصادر الأرشيف الفرنسي هي الأكثر شمولية بمراحل. والخدمة التاريخية لجيش الأرض في قصر فينسين (واختصارها شات) تحوي العديد من الكراتين المرتبطة بالمكسيك، والكثير عن المصريين حلفاء فرنسا وقتها. وقد كشف د. ريتشارد هيل عمَّا هو أكثر حتى في الكرتون رقم 53 عن ملفات “الحملة المكسيكية” في الأرشيف التاريخي الموجود في فال دي غراس. وقد كانت المصادر الدبلوماسية الأمريكية والفرنسية والبريطانية مفيدةً أيضًا. ولم أجد في دار الوثائق المصرية إلَّا بعض الملاحظات المتناثرة وقصاصات الجرائد.

والشكر واجب لدكتور ريتشارد هيل ودوغلاس جونسون، اللذين قاما بتزويدي بنصائح قيِّمة، وكذلك لجيرارد مارغوليس، الذي حصل على صور زنكوغرافية لوثائق مُختارة من المواقع الفرنسية.

3- الباشا هو لقب مهم يمنحه السلطان العثماني لواليه على مصر، ولهذا اللقب 3 درجات وهو أعلى من اللقب الأكثر شيوعا بيك.

4- ‘Seward to Thayer’, Washington DC, 8 Apr. 1862, in US Dept. of State, Instructions to Barbary Powers, Thayer to Seward, Alexandria, 19, 26 Nov. 1861, and 12 Jan. 1862, in US Dept. of State, Despatches from United States Consuls in Alexandria, 1835-1873.

5- لم يقُم عالِم مُعاصِر بمعالجة تاريخ حُكم سعيد، إلَّا أن بعض الفائدة يُمكِن الحصول عليها من كتابات أحد مُناصريه وهو ب. م. مورو، L’Egypte Contemporaine de Mehmet Ali a Said Pacha (Paris: Didier, 1864)

وهذه الكتابات أكثر توازنًا

N.W. Senior, Conversations and Journals in Egypt and Malta (2 vols, London, Sampson Low, 1882).

6- يوجد العديد من الكِتابات الجيِّدة عن التدخُّل الفرنسي في المكسيك، وقد وجدت المواد التالية مفيدة جدًا:

J.A. Dabbs, The French Army in Mexico, 1861-1867: A Study in Military Government (The Hague, Mouton, 1963); L. Garcias, La Intervencion Francesca en Mexico (Mexico, Panpramo, 1980); Comte E. de Keratry, The Rise and Fall of the Emperor Maximilian, trans. G.H. Venables (London, Marston Low, 1868); Prince zu Salm-Salm, My Diary in Mexico in 1867 (2 vols, London, R. Bentley, 1868).

7- في صيف عام 1865، شهد كل شهر موت المئات من الجنود الفرنسيين نتيجةً للحمى الصفراء. وعلى الرغم من نجاة الكثيرين إلَّا أن الوقت اللازم لشفائهم قلَّل من الفعالية العسكرية الإجمالية.

‘Rapports sur la Situation de Vera Cruz’ (May-July 1865), G7, No. 124, SHAT.

واجهت السلطات الفرنسية خسائر هائلة من الحمى الصفراء أثناء محاولتها الفاشلة لغزو هاييتي 1791-1803، وقد كانت هذه السلطات واعية تمامًا للأخطار الناجمة نتيجةً للتشابه مع الظروف بالقرب من بيراكروز. للمزيد عن هذا الموضوع انظر:

T.O. Ott,The Haitian Revolution, 1789-1804 (Knoxville: Univ. of Tennessee Press, 1973); and D. Zimmerman, ‘The Mosquitoes Are Coming-and They Are Among Man’s Most Lethal Foes’, Smithsonian XIV (June 1983), pp. 29-37.

8- للمزيد عن الجيش المصري في القرن التاسع عشر، انظر:

محمد محمود السروجي، الجيش المصري في القرن التاسع عشر (القاهرة، دار المعارف، 1967)

  1. Nicolle, ‘Nizam: Egypt’s Army in the 19th Century’ 1 and 2, Army Quarterly and Defense Journal CVIII (1) (Jan. 1978), pp. 69-78; CVIII (2) (Apr. 1978), pp. 177-87.

9- عارض الإنكليز الأفعال الفرنسية، إلَّا أنهم اشتركوا في الغزو الأوَّلي لبيراكروز في ديسمبر 1861، وقد فعلوا ذلك بطريقة سلبية. وقد رأى السلطان العثماني في إرسال مصر أُحادي الجانب لقوات عسكرية إلى ما وراء البحار تحديّا لمكانته كحاكم أعلى لمصر، لكنه كذلك لم يكُن راغِبا في اتخاذ موقفًا متشددًا، لخوفه من إغضاب فرنسا والنمسا، أما أمريكا المُتورِّطة في حربها الأهلية فقد كانت تمتلك الإرادة ولا تمتلك الوسائل لمواجهة التدخُّل المصري. لنظرة عامة على العلاقات المصرية الأمريكية في تلك الفترة انظر:

L.C. Wright, United States Policy Towards Egypt, 1820-1914 (New York, Exposition Press, 1969).

10- Saunders to Foreign Office, Alexandria, 10,11,16 Jan. 1863, in FO 142/26, PRO,London; Thayer to Seward, Alexandria, 9,18 Jan. 1863, in US Dept of State Despatches…

11- W.M. Anderson, An American in Maximilian’s Mexico, 1865-1866, ed. R.E. Ruiz (San Marino, CA, Huntington Library, 1959), p. 40. See also Raveret and Dellard, Historique I, p.46. J. Hefter, ‘Egyptian Battalion in Mexico’. Military Collector and Historian XVII (3) (Fall 1965), pp.84-5; and D. Johnson, ‘What Did the 19th Sudanese Really Wear in Mexico?’ Savage and Soldier XVI (2) (Apr.-Jun. 1984), pp. 9-11.

12- تذكر المصادر الفرنسية أن أفراد القوات وصلوا بيراكروز شعثًا غبرًا بشكلٍ ما، لكن رحلة بحر طويلة في القرن التاسع عشر تفعل ذلك بأي أحد تقريبًا.

 Inspection Generale de 1863 (comments), G.7,No. 224, SHAT.

ويزوِّدنا تاريخ شفوي فريد برؤية نوع الجندي الذي خدم في الكتيبة، مع نظرة حول خبرة تلك الجنود في المكسيك. انظر:

Ali Effendi Gifoon, ‘ Memoirsof a Sudanese Soldier’, Cornhill Magazine XI (July 1896), pp. 484-92.

للمزيد عن تكوين الجيش الإمبراطوري متعدد الجنسيات انظر:

  1. Langvod, ‘A Tragic Mexican Postscript to the Polish Insurrection of 1863’, Polish Review XIX (3) (1974), pp. 77-82; and J. Ulicsny, Geschichte des Osterreichisch-Belgischen Freikorps (Vienna, Stein, 1868).

13- Gifoon,’Memoires’ (Aug. 1896),p. 185; Hale to Seward, Alexandria, 8 June 1867, Despatches… Alexandria; Inspection Generale de 1863 (24 Feb., 10 May, 15 June 1863), G.7,No. 224, SHAT; Raveret and Dellard, Historique I, p.47.

14- Gifoon,’Memoires’ (Aug. 1896); Hale to Seward, Alexandria, 8 June 1867, Despatches… Alexandria; Kirk, ‘The Sudanese in Mexico’, pp.120-1; Raveret and Dellard, Historique I, p.48.

 

15- للتقرير الرسمي عن تلك الأفعال، راجع:

  1. Sacre and L. Outueborn, L’Egypte et Ismail Pacha(Paris J. Hetzel, 1865),pp. 292-7. See also Ravert and Dellard, Historique I, p.49. Crecelius ‘Egyptian Battalion’, pp. 77-80, 82-4,

يعطينا تغطية ممتازة عن الاشتباكات الكبرى للكتيبة.

16- Comte Emile de Keratry, ‘La Contre-Guerrilla Francaise au Mexique’, Revue des Deux Mondes LIX (1865), p.720; and ‘Nouvelles Locales’, L’Egypte XLI, (25 Oct. 1865), p.1.

17- Egypte. Notice sur le Bataillon Egyptien Envoye au Mexique, L’Egypte CXXII (6 June 1867), p.1; Rapports sur la Situation de Vera Cruz (15 Sept. 1865),G7, No. 124, SHAT; Raveret and Dellard, Historique III, pp.231-2.

18- ‘Egypte. Notice’; Hale to Seward, Alexandria, 8 June 1867, Despatches… Alexandria. Baron de Malorite, Egypt: Native Rulers and Foreign Interference (London, William Ridgeway, 1882), p.178.

19- Affaires Militaires, vol. 8, (23,26 Apr. 1864), in G7, No. 124, SHAT. See also Ministry of Foreign Affairs to Charles Hale, Cairo, 16 Nov. 1865, Despatches… Alexandria.

20- أخبر الوزير سيوارد السلطان -وهو الحاكم الأعلى الاسمي لإسماعيل- بأن أمريكا لم تعد مشوشة بسبب الحرب الأهلية، وأن كلًّا من الكونغرس والرئاسة “مُجتمعان بشأن أمن وسلامة المؤسسات الجمهورية الحرة في هذه القارة”.

Seward to Morris, Washington DC, 21 Sept. 1865, in US Dept of State, Diplomatic Instructions of the Department of State, 1801-1906, Turkey, National Archives, Washington DC.

  1. Crabites, Ismail: The Maligned Khedive (London, George Routledge, 1933).

Afaf Lutfi al-Sayyid Mrsot, ‘The Porte and Ismail Pasha’s Quest for Autonomy’, Journal of the American Research Center in Egypt XII (1975), pp. 89-96.

21- Hale to Seward, Alexandria, 26 Aug. 1865, Despatches… Alexandria.

وقد دعمت الإحصاءات الفرنسية هذا الادعاء، انظر:

Rapport du Commandant Superieur de Vera Cruz au Ministre de la Guerre (21 Dec. 1863), G7, No. 124, SHAT.

22- Hale to Seward, Alexandria, 26 Aug. 1865, Despatches… Alexandria.

23- وزير الخارجية إلى تشارلز هيل.

24- D.C. Cumming, ‘The History of Kassala and the Province of Taka’, Sudan Notes and Records XXIII (1940), pp. 42-8, 51; Hale to Seward, Alexandria, 13 Nov. 1865, Despatches… Alexandria.

25- Hale to Seward, Alexandria, 13 Nov. 1865, Despatches… Alexandria.

26- Crecelius, ‘Egyptian Battalion’, p.81

مزاعم بعدم وصول تعزيزات إلى المكسيك.

27- تُشير معظم المصادر إلى أن قتلى المصريين بسبب القتال أو المرض تراوح بين 120-150 رجلًا. أمَّا رقم 900 المُشار إليه في:

H.W. Berry, Summary of Modern Egyptian History (Cairo, Ministry of War, 1923), p.6

فهو يبدو رقمًا مُستحيلًا، فحتى لو كانت كتيبتا العاميْن 1863 و1865 بكامل قوتيْهما، فهذا يعني أن معدَّل الخسائر 100%!

Crecelius ‘Egyptian Battalion’, p.86; Egypte. Notice; 2; Kirk ‘The Sudanese in Mexico’, pp. 121,126,128-30; Raveret and Dellard, Historique I, p.52; III, p.232; IV,p. 286.

28- G. Douin, Hisoire du Regne du Khedive Ismail I: Les Premieres Annees du Regne, 1863-1867 (Rome, Instituto Poligrafico, 1933), p. 347; Hale to Seward, Alexandria, 8 June 1867, Despatches… Alexandria; Giffoon, ‘Memoires’ (Sept. 1896), p.330.

29- Dr R. Hill, Letter to the author, 29 July 1992.

30- Douin, Histoire I, p.348; Mircher to Larmee, Cairo, 27 Oct. 1867, carton 25, doss. 50/3, Dar al-Wathaiq, Cairo>

31- Douin, Histoire, p.328; Gifoon, ‘Memoires’ (July 1896), p.31, R. Hill, A Biographical Dictionnary of the Sudan (London: Ox Un. Press, 1967), pp.70,124,251; Kirk ‘The Sudanese in Mexico’, p.130; P. Traub, ‘Voyage au Pays des Bogos’, Bulletin de la Societe Neuchatloise de Geographie IV (1888), p.123.

د. جون دَن : أستاذ التاريخ في جامعة ولاية فالدوستا بولاية جورجيا الأمريكية، أمريكي الجنسية.

jdunn@valdosta.edu

وقد نُشِر هذا المقال للمرة الأولى في 1 يناير 1997 في

Sage journals, volume 4, issue 1, pages 27-34.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

أمير عثمان

مُترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search